فصل: العام يجب اعتقاد عمومه في الحال
82 paragraphs · vol. 2, p. 56
Page 1 of 3
- vol. 2, p. 56
اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال١، في قول أبي بكر٢، والقاضي٣.
وقال أبو الخطاب: لا يجب حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه ٤.
قال ٥: وقد أومأ إليه٦ في رواية صالح٧ وأبي الحارث٨.
vol. 2, p. 57وقال القاضي: فيه روايتان١.
-
وعن الحنفية: كقول أبي بكر٢
وعنهم: أنه إن سمع من النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- على طريق تعليم الحكم، فالواجب اعتقاد عمومه، وإن سمعه من غيره فلا٣.
-
وعن الشافعية كالمذهبين٤
قالوا٥: لأن لفظ العموم يفيد الاستغراق مشروطًا بعدم المخصص، ونحن لا نعلم عدم إلا بعد أن نطلب فلا نجد، ومتى لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط.
-
وكذلك كل دليل أمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط سلامته عن المعارض، فلا بد من معرفة الشرط، والجمع بين الأصل والفرع بعلة مشروط بعدم الفرق، فلا بد من معرفة عدمه٦.
-
ثم اختلفوا إلى متى يجب البحث؟
vol. 2, p. 58فقال قومه: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء في البحث، كالباحث عن المتاع في البيت، إذا لم يجده: غلب على ظنه انتفاؤه.
وقال آخرون: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، بأنه لا مخصص، فيجوز الحكم حينئذ.
-
أما إذا كان تشعر نفسه بدليل شذ عنه، وتخيل في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حرامًا؟!
-
ولنا: أن اللفظ موضوع للعموم، فوجب اعتقاد موضوعه، كأسماء الحقائق، والأمر والنهي.
-
ولأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان، ثم يجب اعتقاد عمومه في الزمان، ما لم يرد نسخ، كذلك في الأعيان.
-
وقولهم١: "إن دلالته مشروطة بعدم القرينة" .
- vol. 2, p. 59
قلنا: لا نسلم، وإنما القرينة مانعة من حمل اللفظ على موضوعه، فهو كالنسخ، يمنع استمرار الحكم.
-
والتأويل يمنع حمل الكلام على حقيقته.
-
واحتمال وجوده لا يمنع من اعتقاد الحقيقة.
-
ولأن التوقف يفضي إلى ترك العمل بالدليل؛ فإن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا يجد اليوم، ويجده بعد اليوم، فيجب التوقف أبدًا، وذلك غير جائز، والله أعلم.
-
فصل
في الأدلة التي يخص بها العموم
لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم١.
-
وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ٢ و {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ٣ و {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} ٤؟
- vol. 2, p. 60
وقد ذكرنا أن أكثر العمومات مخصصة١.
-
وأدلة التخصيص تسعة٢:
الأول: دليل الحس٣.
-
وبه خصص قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ٤ خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس٥.
- vol. 2, p. 61
الثاني: دليل العقل.
-
وبه خصص قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ١ لدلالة العقل على استحالة تكليف من لا يفهم.
-
فإن قيل: العقل سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يتأخر؛ لأن التخصيص: إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ، وخلاف المعقول لا يمكن تناول اللفظ له.
-
قلنا: نحن نريد بالتخصيص: الدليل المعرّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا، والعقل يدل على ذلك، وإن كان متقدمًا٢.
-
فإن قلتم: لا يسمى ذلك تخصيصًا، فهو نزاع في عبارة ٣.
-
وقولهم: "لا يتناوله اللفظ" .
- vol. 2, p. 62
قلنا: يتناوله من حيث اللسان لكن لما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له وضعًا١.
-
الثالث: الإجماع٢.
-
فإن الإجماع قاطع، والعام يتطرق إليه الاحتمال.
-
وإجماعهم على الحكم في بعض صور العام على خلاف موجب العموم: لا يكون إلا عن دليل قاطع بلغهم في نسخ اللفظ، إن كان أريد به العموم، أو عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم٣.
- الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام:
-
فقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لَا قَطْعَ إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ" ١ خصص عموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ٢.
-
وقوله عليه السلام: "لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" ٣ خصص عموم قوله: "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" ٤.
- vol. 2, p. 64
ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة١ أو متقدمًا أو متأخرًا٢.
-
وبهذا قال أصحاب الشافعي.
- vol. 2, p. 65
وقد روي عن أحمد -رحمه الله- رواية أخرى: أن المتأخر يقدم، خاصًّا كان أو عامًّا.
-
وهو قول الحنفية١، لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحداث فالأحداث من أمر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم" ٢.
- vol. 2, p. 66
ولأن العام يتناول الصور التي تحتهن كتناول اللفظ لها بالتنصيص عليها، ولو نص على الصورة الخاصة: لكان نسخًا، فكذلك إذا عم.
-
وهذا فيما إذا علم المتأخر.
-
فإن جهل: فهذه الرواية تقتضي: أن يتعارض الخاص وما قابله من العام ولا يقضي بأحدهما على الآخر.
-
وهي قول طائفة.
-
لأنه يحتمل أن يكون العام ناسخًا، لكونه متأخرًا.