فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها
134 paragraphs · vol. 2, p. 109
Page 1 of 4
- vol. 2, p. 109
وهي خمسة أضرب.
-
الأول: يسمى اقتضاء.
- vol. 2, p. 110
وهو ما يكون من ضرورة اللفظ١، وليس بمنطوق به: إما أن لا يكون المتكلم صادقًا إلا به، كقوله: "لا عمل إلا بنية" ٢، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدونه، كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ....} ٣ أي: فأفطر فعدَّة، وقولهم: "أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه" يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به٤.
-
أو من حيث يمتنع وجوده عقلًا بدونه، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ٥ يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه.
- vol. 2, p. 111
ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار، ويقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
-
الضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب: كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ١ يفهم منه: كون السرقة علة، وليس بمنطوق به، ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام.
-
وكذا قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} ٢ أي: لبرهم {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ٣ أي: لفجورهم.
-
وهذا قد يسمى "إيماء" و "إشارة" و "فحوى الكلام" و "لحنه" وإليك الخيرة في تسميته.
- الضرب الثالث: التنبيه:
-
وهو فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأولى، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ٤.
-
ولا بد من معرفتنا المعنى في الأدنى، ومعرفة وجوده في الأعلى.
- vol. 2, p. 112
فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين؛ لما فهمنا منع القتل، إذ قد يقول السلطان، إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله، ولا تقل له: أف.
-
ويسمى مفهوم الموافقة، وفحوى اللفظ.
-
واختلف أصحابنا في تسميته قياسًا.
فقال أبو الحسن الجزري١ وبعض الشافعية: هو قياس؛ لأنه إلحاق المسكوت بالمنطوق في الحكم، لاجتماعهما في المقتضى، وهذا هو القياس٢.
-
وإنما ظهر فيه المعنى، فسبق إلى الفهم من غير تأمل، فأشبه القياس فيما ظهرت العلة فيه بنص أو غيره٣، مثل: قياس الجوع المفرط على الغضب في المنع من الحكم؛ لكونه يمنع كمال الفكر٤.
-
وقياس الزيت على السمن في حكم النجاسة إذا وقعت فيه، في حال جموده، أو كونه مائعًا بغير الفأرة٥.
- vol. 2, p. 113
وقال القاضي أبو يعلى، والحنفية، وبعض الشافعية، ليس بقياس١، إذ هو مفهوم من اللفظ من غير تأمل ولا استنباط، بل يسبق على الفهم حكم المسكوت مع المنطوق من غير تراخ، إذا كان هو الأصل في القصد، والباعث على النطق، وهو أولى في الحكم.
-
ومن سماه قياسًا: سلم أنه قاطع، فلا تضره تسميته قياسًا٢
وقد يلتحق بهذا الفن ما يشبهه٣ من وجه، ولا يفيد القطع، كقولهم: "إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة" فهذا ليس بقاطع، إذ لا يبعد أن يقال: الفاسق متهم في دينه، والكفار يحترز من الكذب لدينه.
-
وأما الفاسد من هذا الضرب٤: فنحو قولهم: "إذا جاز السلم في
vol. 2, p. 114المؤجل: ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد " فإنه لا بد من اشتراكهما في المقتضى، وليس المقتضى لصحة السلم المؤجل: بعده من الغرر ليلتحق به الحال، بل الغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود مقتضيه.
-
ولو كان بُعده من الغرر علة الصحة فما وجدت في الأصل، فكيف يصح الإلحاق؟
- الضرب الرابع: دليل الخطاب:
-
ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه.
-
ويسمى مفهوم المخالفة؛ لأنه فهم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق -أيضًا- مفهوم.
-
ومثاله قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} ١ و "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ" ٢ يدل على انتقال الحكم في المخطئ٣ والمعلوفة٤. وهذا حجة في قول إمامنا٥، والشافعي، ومالك، وأكثر المتكلمين٦.
vol. 2, p. 115وقالت طائفة منهم١، وأبو حنيفة٢: لا دلالة له، لأمور خمسة:
أحدها: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال: "من ضربك عامدًا فاضربه" حسن أن تقول: "فإن ضربني خاطئًا هل أضربه؟ " ولو دل على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق.
-
الثاني: أن العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه٣، كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ٤، {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} ٥، {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ٦ فالمسكوت -أيضًا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم.
- vol. 2, p. 116
الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب، والاسم العلَم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: "زيد عالم" كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته.
-
ويلزم من قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} ١ نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر.
-
الرابع: أنه كما أن للعرب طريقًا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: "رأيت الظريف، وقام الطويل" فلو قال، بعد: "والقصير" لم يكن مناقضة.
-
الخامس: أن التخصيص للمذكور بالذكر قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به:
فمنها: توسعة مجاري الاجتهاد، لينال المجتهد فضيلته٢.
-
ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص.
-
ومنها: تأكيد الحكم في المسكوت، لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه٣.
-
ومنها: معان لا يطلع عليها٤.
- vol. 2, p. 117
فلا سبيل إلى دعوى عدم الفائدة بالتحكم١
فلا ينكر الفرق بين المنطوق والمسكوت، لكن من حيث أن الأصل عدم الحكم في الكل، فبالذكر يبين ثبوته، في المذكور، وبقي المسكوت عنه على ما كان عليه، لم يوجد في اللفظ نفي له ولا إثبات له.
-
فإذًا: لا دليل في اللفظ على المسكوت بحال.
-
وعماد الفرق: نفي وإثبات.
-
فمستند الإثبات: الذكر الخاص.
-
ومستند النفي: الأصل.
-
والذهن إنما ينبه على الفرق عن الذكر الخاص، فيسبق إلى الأوهام العامية أن الاختصاص والفرق من الذكر، لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر، والآخر كان حاصلًا في الأصل.
-
وهذا دقيق لأجله غلط الأكثرون٢.
- ولنا دليلان١: