فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها
134 paragraphs · vol. 2, p. 109
Page 2 of 4
- vol. 2, p. 118
أحدهما: أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق الحكم على شرط، أو وصف: انتفاء الحكم بدونه، بدليل: ما روى يعلى بن أمية٢ قال: قلت لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: ألم يقل، تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ٣، فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" رواه مسلم٤.
-
فهما٥ من تعليق إباحة القصر على حالة الخوف: وجوب الإتمام حال الأمن، وعجبا من ذلك.
- vol. 2, p. 119
فإن قيل: الإتمام واجب بحكم الأصل فلما استثنى حالة الخوف: بقيت حالة الأمن على مقتضاه، فلذلك عجبا؛ حيث خولف الأصل.
-
ثم الآية حجة لنا١، فإنه لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فدل على انتفاء الدليل٢.
-
قلنا: ليس في القرآن آية تدل على وجوب التمام، بل قد روي عن عمر -رضي الله عنه- وهو صاحب القصة، وعائشة، وابن عباس: "أن الصلاة إنما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" ٣.
-
فدل على أن فهمهم: وجوب الإتمام وتعجبهم إنما كان لمخالفة دليل الخطاب، وإنما ترك دليل الخطاب لدليل آخر كما قد يخالف العموم.
-
ولما قال النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الأَسْوَدُ" قال عبد الله بن الصامت٤ لأبي ذر٥: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟
vol. 2, p. 120فقال: سألت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- كما سألتني فقال: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" ١. ففهما من تعليق الحكم على الموصوف بالسواد: انتفاءه عما سواه.
-
ولأن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: "لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلاتِ وَلَا الْبَرانِسَ" ٢. فلولا أن تخصيصه المذكور بالذكر يدل على إباحة لبس ما سواه: لم يكن جوابًا للسائل عما يجوز للمحرم لبسه.
-
الدليل الثاني: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة: فلم خص السائمة بالذكر، مع عموم الحكم، والحاجة إلى البيان شاملة للقسمين؟
- vol. 2, p. 121
بل لو قال: "في الغنم الزكاة" لكان أخصر في اللفظ، وأعم في بيان الحكم، فالتطويل لغير فائدة يكون لكنة في الكلام وعيًّا، فكيف إذا تضمن تفويت بعض المقصود؟!
-
فظهر أن القسم المسكوت عنه غير مساو للمذكور في الحكم.
- اعترضوا عليه من أربعة وجوه:
-
أحدها: أنكم جعلتم طلب الفائدة طريقًا إلى معرفة الوضع١.
-
وينبغي أن يعرف الوضع، ثم تترتب عليه الفائدة، أما أن يكون الوضع يتبع معرفة الفائدة: فلا.
-
الثاني: لِمَ قلتم: إنه لا فائدة سوى اختصاص الحكم؟
-
فلئن قلتم: ما علمنا له فائدة.
-
قلنا: فلعل ثَمَّ فائدة لم يعثروا عليها، وعدم العلم بعدم الفائدة ليس علمًا بعدمها.
-
الثالث: يبطل بمفهوم اللقب، فلِمَ لم يقولوا: إن تخصيص الأشياء الستة٢ في الربا يوجب اختصاصها به، وإن تخصيص سائمة الغنم يمنع وجوبها في بقية المواشي؟
-
الرابع: أن من التخصيص فائدة سوى ما ذكرتم، على ما قدمناه٣.
-
ويحتمل أن السؤال وقع عنها، أو اتفقت المعاملة فيها، أو غير ذلك من أسباب لا يطلع عليها.
- الجواب:
-
أما الأول: فغير صحيح، فإن الاستدلال على الشيء بآثاره وثمراته جائز غير ممتنع في طرف النفي والإثبات، فإننا استدللنا على عدم الاشتراك في الصور المتنازع فيها بإخلاله بمقصود الوضع، وهو التفاهم.
-
واستدللنا على عدم إلهٍ ثان بعدم وقوع الفساد١.
-
فإذ قد علمنا: أن كلام الله -تعالى- لا يخلو من فائدة، وأنه لا فائدة للتخصيص سوى اختصاصه بالحكم، فيلزم منه ذلك ضرورة.
-
وأما الثاني٢: فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم يحتمل العدم والوجود، فلا يترك المتيقن لأمر موهوم، كيف والظاهر عدمها؟ إذ لو كان ثم فائدة لم تخف على الفطن العالم بدقائق الكلام مع بحثه وشدة عنايته، فجرى هذا مجرى الاستدلال باستصحاب الحال المشروط بعدم الدليل الشرعي.
-
وأما مفهوم اللقب: فقد قيل: إنه حجة٣.
-
ثم الفرق بينهما ظاهر، وهو: أن تخصيص اللقب يحتمل حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه٤.
-
وهذا يبعد فيما إذا ذكر أحد الوصفين المتضادين؛ لأن ذكر الصفة يذكر ضدها، وهو منتف بالكلية فيما إذا ذكر الوصف العام، ثم وصفه بالخاص، فظهر احتمال المفهوم.
- vol. 2, p. 123
وأما الثالث١: فباطل؛ فإن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بعث للبيان والتعليم٢، والتبيين للأحكام من المقاصد الأصيلة التي بعث لها، والاجتهاد ثبت ضرورة، لعدم إمكان بناء كل الأحكام على النصوص، فلا تظن أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- ترك ما بعث له، لتوسعة مجاري الضرورات، ثم يفضي إلى محذور، وهو نفي الحكم في الصورة التي هو ثابت فيها.
-
وأما الفائدة الثانية والثالثة٣: فلا تحصل؛ لأن الكلام فيما إذا كان المسكوت أدنى في المعنى من المنطوق في المقتضى، أو مماثلًا له.
-
فالتخصيص إذًا يكون بعيدًا.
-
وأما إذا كان المسكوت أعلى في المعنى: فهو التنبيه، وقد سبق الكلام فيه.
-
وأما الرابع٤: فأمور موهومة، فلا يترك لها المتيقن، لما ذكرنا٥. وقولهم: "يحسن الاستفهام عنه" ممنوع٦.
- vol. 2, p. 124
وأما إذا قال: "من ضربك متعمدًا فاضربه" فلا يحسن أن يقال: "من ضربني خاطئًا، هل أضربه؟ " لكن يحسن أن يقال: "فالخاطئ ما حكمه" ؟
-
أو ما أصنع به "؟ وهذا غير ما دل عليه الخطاب.
-
ولو سلمنا: فيحسن الاستفهام، ليستفد التأكيد في معرفة الحكم، كما يحسن الاستفهام في بعض صور العموم١.
-
وقولهم: "إن العرب تعلق الحكم على ما لا ينتفي عند عدمه"٢.
-
قلنا: لا ننكر هذا إذا ظهر للتخصيص فائدة سوى اختصاص الحكم به: إما لكونه الأغلب، أو غير ذلك.
-
والكلام فيما إذا لم يظهر له فائدة. والله أعلم.
-
فصل في درجات أدلة الخطاب
اعلم أن ههنا صورًا أنكرها منكرو المفهوم، بناء على أنها منه، وليست منه، وهي ثلاثة:
vol. 2, p. 125الأولى: قوله: "لا عَالم إلا زيد" ١ فهذه أنكرها غلاة منكري المفهوم٢.
وقالوا: هو نطق بالمستثنى، وسكوت عن المستثنى منه، فما خرج بقوله: "إلا" فمعناه: أنه لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورًا على الباقي، والمستثنى غير متعرض له بنفي ولا إثبات.