فصل في الكلي والجزئي
55 paragraphs · vol. 1, p. 132
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 145
"وَهُوَ" أَيْ التَّابِعُ "عَلَى زِنَةِ مَتْبُوعِهِ" حَتَّى لَوْ وُجِدَ مَا لَيْسَ عَلَى زِنَتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ "وَ" اللَّفْظُ "الْمُؤَكِّدُ" لِمَتْبُوعِهِ "يُقَوِّي" مَتْبُوعَهُ، لأَنَّ التَّأْكِيدَ هُوَ التَّقْوِيَةُ بِاللَّفْظِ "وَ" يَزِيدُ عَلَى التَّقْوِيَةِ بِكَوْنِهِ "يَنْفِي احْتِمَالَ الْمَجَازِ" ٢.
-
وَأَنْكَرَتْ الْمَلاحِدَةُ كَوْنَ الْقُرْآنِ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ وُقُوعِ التَّوْكِيدِ فِيهِ، لِزَعْمِهِمْ الْقُصُورَ عَنْ تَأْدِيَةِ٣ مَا فِي النَّفْسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَجَهِلُوا٤ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ خَاطَبَ عِبَادَهُ عَلَى نَهْجِ لُغَةِ الْعَرَبِ.
-
"وَيَقُومُ كُلُّ مُتَرَادِفٍ" مِنْ مُتَرَادِفَيْنِ٥ "مَقَامَ الآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ" لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّرْكِيبِ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. فَإِذَا صَحَّ الْمَعْنَى مَعَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مَعَ الآخَرِ؛ لاتِّحَادِ مَعْنَاهُمَا٦. وَلا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا تُعُبِّدَ٧ بِلَفْظِهِ، كَالتَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ؛ لأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِعَارِضٍ شَرْعِيٍّ٨. وَالْبَحْثُ هُنَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ.
- vol. 1, p. 146
"فَائِدَةٌ"
-
الْفَائِدَةُ فِي الأَصْلِ: الزِّيَادَةُ تَحْصُلُ لِلإِنْسَانِ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِك "فَادَتْ لَهُ فَائِدَةٌ" مِنْ بَابِ بَاعَ، وَأَفَدْته إفَادَةً أَعْطَيْتُهُ، وَأَفَدْت١ مِنْهُ مَالاً أَخَذْتُهُ. وَفَائِدَةُ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ مِنْ هَذَا.
-
"الْعَلَمُ" مِنْ أَقْسَامِ الْجُزْئِيِّ لا الْكُلِّيِّ، وَهُوَ "اسْمٌ يُعَيِّنُ مُسَمَّاهُ" .
-
فَقَوْلُنَا "اسْمُ" جِنْسٍ مُخْرِجٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ الأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ. وَقَوْلُنَا "يُعَيِّنُ مُسَمَّاهُ" فَصْلٌ مُخْرِجٌ لِلنَّكِرَاتِ. وَقَوْلُنَا "مُطْلَقًا" مُخْرِجٌ لِمَا سِوَى الْعَلَمِ مِنْ الْمَعَارِفِ. فَإِنَّهُ لا يُعَيِّنُهُ إلاَّ بِقَرِينَةٍ: إمَّا لَفْظِيَّةٍ، مِثْلُ "أَلْ" أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ، كَالْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ، "فِي أَنْتَ" ٢ وَهُوَ. وَهَذَا الْحَدُّ لابْنِ مَالِكٍ٣.
- وَهُوَ قِسْمَانِ:
-
- قِسْمٌ شَخْصِيٌّ: وَهُوَ الْمَوْضُوعُ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ الشَّخْصِ الْخَارِجِيِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ خَارِجِيًّا فَعَلَمُ شَخْصٍ" كَجَعْفَرٍ: عَلَمُ رَجُلٍ، وَخِرْنَقَ: عَلَمَ امْرَأَةٍ.
-
- وَأُشِيرَ٤ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ خَارِجِيًّا، بِأَنْ لَمْ يُوضَعْ عَلَى شَخْصٍ مَوْجُودٍ٥ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ
vol. 1, p. 147لِلْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الشَّخْصِ١ الذِّهْنِيِّ "فَـ" عَلَمُ "جِنْسٍ" كَأُسَامَةَ، فَإِنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الأَسَدِ بِقَيْدِ تَشَخُّصِ مَاهِيَّتِه فِي ذِهْنِ الْوَاضِعِ. وَكَذَا ثُعَالَةُ عَلَى الثَّعْلَبِ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا لَمْ يُوضَعْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ٢ بِعَيْنِهِ. "فَتَشْمَلُ الْمَاهِيَّةُ كُلَّ" ٣ أَفْرَادِ الْجِنْسِ، وَلا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا لا يُؤْلَفُ مِنْ الْوُحُوشِ، بَلْ يَكُونُ أَيْضًا لِبَعْضِ الْمَأْلُوفَاتِ. كَأَبِي الْمَضَاءِ لِجِنْسِ الْفَرَسِ٤.
-
"وَ" الاسْمُ "الْمَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ" أَيْ لا بِقَيْدِ تَشَخُّصِهَا٥ فِي الذِّهْنِ، وَلا عَدَمِ تَشَخُّصِهَا٦. - كَأَسَدٍ- فَهُوَ "اسْمُ جِنْسٍ" ٧.
-
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَعَلَمُ الْجِنْسِ يُسَاوِي عَلَمَ الشَّخْصِ فِي أَحْكَامِهِ اللَّفْظِيَّةِ: مِنْ كَوْنِهِ لا يُضَافُ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وَلا يُنْعَتُ بِنَكِرَةٍ، وَلا يَقْبُحُ مَجِيئُهُ مُبْتَدَأً، وَلا انْتِصَابُ النَّكِرَةِ بَعْدَهُ عَلَى الْحَالِ، وَلا يُصْرَفُ مِنْهُ مَا فِيهِ سَبَبٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَلَمِيَّةِ.
-
وَيُفَارِقُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِعُمُومِهِ، إذْ هُوَ خَاصٌّ شَائِعٌ فِي حَالَةٍ٨ وَاحِدَةٍ. فَخُصُوصُهُ بِاعْتِبَارِ تَعْيِينِهِ الْحَقِيقَةَ فِي الذِّهْنِ، وَشِيَاعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِ نَوْعِهِ قِسْطًا مِنْ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ فِي الْخَارِجِ٩.
- vol. 1, p. 148
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ أَسَدٌ: مَوْضُوعٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ لا١ بِعَيْنِهِ، فَالتَّعَدُّدُ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَإِنْ عَلَمَ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أُسَامَةُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ. فَإِذَا أَطْلَقْت أَسَدًا عَلَى وَاحِدٍ أَطْلَقْتَهُ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ، وَإِذَا أَطْلَقْت أُسَامَةَ عَلَى الْوَاحِدِ٢ فَإِنَّمَا أَرَدْت الْحَقِيقَةَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّعَدُّدُ فِي الْخَارِجِ. فَالتَّعَدُّدُ٣ فِيهِ ضِمْنًا لا قَصْدًا بِالْوَضْعِ.
-
وَيَتَسَاوَيَانِ فِي صِدْقِهِمَا عَلَى صُورَةِ الأَسَدِ، إلاَّ أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ وُضِعَ لَهَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا بِاسْتِحْضَارِهَا فِي الذِّهْنِ، وَاسْمَ الْجِنْسِ وُضِعَ لَهَا مِنْ حَيْثُ عُمُومُهَا.