باب المنطوق والمفهوم
160 paragraphs · vol. 4, p. 473
Page 2 of 4
- vol. 4, p. 482
فَتَحْرِيمُ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ٧ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَدْنَى، وَهُوَ التَّأْفِيفُ، عَلَى الأَعْلَى، وَهُوَ الضَّرْبُ،
vol. 4, p. 483وَتَأْدِيَةُ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ} ١ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَعْلَى، وَهُوَ تَأْدِيَةُ الْقِنْطَارِ، عَلَى الأَدْنَى وَهُوَ تَأْدِيَةُ مَا دُونَهُ٢.
-
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ "حُجَّةٌ" ٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا؛ لِتَبَادُرِ فَهْمِ الْعُقَلاءِ إلَيْهِ٤, وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ دَاوُد.
-
"وَدَلالَتُهُ لَفْظِيَّةٌ" عَلَى الصَّحِيحِ.
-
نَصَّ٥ عَلَيْهِ٦ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ٧ أَصْحَابِنَا٨، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْحَنَفِيَّةُ٩ وَالْمَالِكِيَّةُ١٠ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ١١ وَجَمَاعَةٌ مِنْ
vol. 4, p. 484الْمُتَكَلِّمِينَ١.
-
وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ دَلالَةَ النَّصِّ٢،
وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُفْهَمُ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ؛ وَلانْدِرَاجِ٣ أَصْلِهِ٤ فِي فَرْعِهِ، نَحْوَ لا تُعْطِهِ ذَرَّةً٥، وَيَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهِ اللُّغَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِلا قَرِينَةٍ.
-
وَقِيلَ: إنَّ دَلالَتَهُ قِيَاسِيَّةٌ٦،
وَعَلَى كَوْنِهَا لَفْظِيَّةً، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا "فُهِمَتْ مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ" وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ٧ وَالآمِدِيِّ٨.
-
وَالْمُرَادُ٩ بِالْقَرَائِنِ هُنَا: الْمُفِيدَةُ لِلدَّلالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، لا الْمَانِعَةُ مِنْ إرَادَتِهِ؛ لأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {فَلا ١٠ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ١١
vol. 4, p. 485١وَنَحْوَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ غَايَتُهُ أَنَّهُ٢ عُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ الضَّرْبِ بِقَرَائِنِ الأَحْوَالِ وَسِيَاقِ الْكَلامِ٣.
-
وَاللَّفْظُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا كَالتَّعْرِيضِ٤.
-
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمَعْنَى الالْتِزَامِيِّ٥ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى٦: {فَلا ٧ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} .
قَالَ الْكُورَانِيُّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: إنَّهُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْمُفْرَدَاتِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ بِلا رَيْبٍ، مَعَ٨ إجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى٩ أَنَّ فِي الأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِأَصْلٍ١٠، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي أَنَّ١١ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ١٢ أَوْ بِاللُّغَةِ.
-
وَ١٣عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا: قِيَاسٌ جَلِيٌّ١٤؛ لأَنَّهُ لَمْ
vol. 4, p. 486يَلْفِظْ بِهِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، قِيسَ١ الْمَسْكُوتُ عَلَى الْمَذْكُورِ قِيَاسًا جَلَّيَا، فَإِنَّهُ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا شَرْعِيًّا٢ لِصِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، كَمَا سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ.
-
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلافِ: أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ دَلالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: قِيَاسِيَّةٌ فَلا.
-
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ "قَطْعِيٌّ، كَرَهْنِ مُصْحَفٍ عِنْدَ ذِمِّيٍّ" .
-
احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ عِنْدَ الذِّمِّيِّ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ٣ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ٤ فَهَذَا قَاطِعٌ٥.
-
وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الأَمْثِلَةِ، فَإِنَّهَا قَطْعِيَّةٌ.
-
وَالْقَطْعِيُّ كَوْنُ التَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى، وَكَوْنُهُ٦ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْفَرْعِ٧، وَكَوْنُهُمَا قَطْعِيَّيْنِ٨.
- vol. 4, p. 487
"وَ" نَوْعٌ "ظَنِّيٌّ" ١ كَ "إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، فَكَافِرٌ أَوْلَى" بِرَدِّ شَهَادَتِهِ، إذْ الْكُفْرُ فِسْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَكَوْنُ هَذَا ظَنِّيًّا٢ هُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٣ وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٤ وَشَرْحِهِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ؛ لأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الاجْتِهَادِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ عَدْلاً فِي دَيْنِهِ، فَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالأَمَانَةَ، بِخِلافِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ الْعَدَالَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْكَذِبِ، إذْ لا وَازِعَ لَهُ عَنْهُ٥، فَهَذَا٦ ظَنِّيٌّ غَيْرُ قَاطِعٍ٧.
-
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْمِثَالَ فَاسِدٌ؛ لأَنَّ التَّعْلِيلَ بِكَوْنِ الْكَافِرِ أَوْلَى بِالرَّدِّ مَمْنُوعٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
-
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الظَّنِّيِّ أَيْضًا: مَا احْتَجَّ بِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي٨ أَنَّهُ لا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ٩ {وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ
vol. 4, p. 488فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ١ " فَهَذَا مَظْنُونٌ٢.
-
وَزَعَمَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ الْبَغْدَادِيُّ٣ مِنْ أَصْحَابِنَا٤ فِي جَدَلِهِ٥: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَطْعِيٌّ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ غَيْرَ مَا عَلَّلُوهُ بِهِ، وَالأَكْثَرُ عَلَى خِلافِهِ.
-
"وَمِثْلُ " قَوْلِ الْقَائِلِ " إذَا جَازَ سَلَمٌ مُؤَجَّلاً، فَحَالٌّ أَوْلَى، لِبُعْدٍ غَرَرٍ٦، وَ٧هُوَ الْمَانِعُ: فَاسِدٌ " مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الْعُقُودِ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ لا مُقْتَضٍ لَهَا " إذْ لا يَثْبُتُ حُكْمٌ لانْتِفَاءِ مَانِعِهِ "؛ لأَنَّ الْمَانِعَ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ٨ وَلا عَدَمٌ.
-
"بَلْ " إنَّمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ " لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ " أَيْ مُقْتَضِي الْحُكْمِ " وَ " الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ " هُوَ الارْتِفَاقُ بِالأَجَلِ " عَلَى مَا قُرِّرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، -كَالأَجَلِ فِي الْكِتَابَةِ-، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْحَالِ، وَالْغَرَرُ مَانِعٌ لَهُ، لَكِنَّهُ احْتَمَلَ فِي الْمُؤَجَّلِ رُخْصَةً وَتَحْقِيقًا لِلْمُقْتَضِي، وَهُوَ الارْتِفَاقُ٩، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
"وَإِنْ خَالَفَ " مَعْطُوفٌ١٠ عَلَى قَوْلِهِ١١ فَإِنْ وَافَقَ " يَعْنِي، وَإِنْ
vol. 4, p. 489خَالَفَ الْمَفْهُومُ -وَهُوَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ- حُكْمَ الْمَنْطُوقِ "فَ" هُوَ "مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ" ١ وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ.
-
وَإِنَّمَا سُمِّيَ٢ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ دَلالَتَهُ مِنْ جِنْسِ دَلالاتِ٣ الْخِطَابِ، أَوْ لأَنَّ الْخِطَابَ دَالٌّ عَلَيْهِ، أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ٤ مَنْظُوم٥ الْخِطَابِ.
-
وَلِلْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ شُرُوطٌ، بَعْضُهَا رَاجِعٌ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَبَعْضُهَا رَاجِعٌ لِلْمَذْكُورِ.
-
فَمِنْ الأَوَّلِ: مَا أَشَارَ٦ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَشَرْطُهُ: أَنْ لا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةٌ" بِالْحُكْمِ مِنْ٧ الْمَذْكُورِ "وَلا مُسَاوَاةٌ فِي مَسْكُوتٍ عَنْهُ" إذْ لَوْ ظَهَرَتْ٨ فِيهِ أَوْلَوِيَّةٌ أَوْ مُسَاوَاةٌ، كَانَ حِينَئِذٍ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ٩،
vol. 4, p. 490وَمِنْ الثَّانِي: مَا أَشَارَ١ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَلا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ" فَأَمَّا إنْ خَرَجَ مَخْرَجَ٢ الْغَالِبِ فَلا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ٣.
-
نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ ٤مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ٥ فَإِنَّ تَقْيِيدَ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِكَوْنِهَا فِي حِجْرِهِ -لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ- لا يَدُلُّ عَلَى حِلِّ الرَّبِيبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٦.
-
وَمِنْهُ٧ قَوْله سبحانه وتَعَالَى٨ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} ٩
vol. 4, p. 491وقَوْله تَعَالَى: ١ {فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ٢ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ دَاوُد: إنَّهُ شَرْطٌ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ بِاعْتِبَارِهِ، فَلَمْ يُحَرِّمْ٣ الرَّبِيبَةَ الْكَبِيرَةَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ بِأُمِّهَا فِي قَوْلٍ لَهُ؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ٤.
-
وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ٥.
-
"فَ" عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لا يَكُونُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ "لا يَعُمُّ" وَلِهَذَا احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ٦ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى٧ اخْتِصَاصِ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِالْحِجْرِ بِالآيَةِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهَا، لِخُرُوجِهَا عَلَى الْغَالِبِ.
- vol. 4, p. 492
"وَ" مِنْ شَرْطِهِ أَيْضًا: أَنْ "لا" يَكُونَ خَرَجَ "مَخْرَجَ تَفْخِيمٍ" ١ كَحَدِيثِ: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ" الْحَدِيثَ٢ فَقَيَّدَ "الإِيمَانَ" لِلتَّفْخِيمِ فِي الأَمْرِ، وَأَنَّ هَذَا لا يَلِيقُ بِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا٣.
-
"وَلا" خَرَجَ اللَّفْظُ٤ "جَوَابًا لِسُؤَالٍ" يَعْنِي أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اللَّفْظُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَمْ يُعْمَلْ بِمَفْهُومِهِ٥
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ اتِّفَاقًا٦.
-
مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ؟ فَلا يَلْزَمُ مِنْ جَوَابِ السُّؤَالِ عَنْ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَلَى الضِّدِّ فِي الأُخْرَى، لِظُهُورِ فَائِدَةٍ فِي الذِّكْرِ غَيْرِ الْحُكْمِ بِالضِّدِّ.
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا كَالأَوَّلِ.
- vol. 4, p. 493
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ بَابِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ صَارِفًا لَهُ عَنْ عُمُومِهِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جَعَلُوا هُنَا١ السُّؤَالَ وَالْحَادِثَةَ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ الْقَوْلِ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ فِي وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ صَارِفًا لَهُ عَنْ عُمُومِهِ عَلَى الأَرْجَحِ، بَلْ لَمْ يُجْرُوا هُنَا مَا أَجْرَوْهُ هُنَاكَ مِنْ الْخِلافِ فِي أَنَّ٢ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ٣ السَّبَبِ؟
-
أُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَمَّا ضَعُفَ عَنْ الْمَنْطُوقِ فِي الدَّلالَةِ انْدَفَعَ بِذَلِكَ وَنَحْوِهِ, وَقُوَّةُ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ تُخَالِفُ ذَلِكَ٤، وَلِقُوَّةِ٥ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ ادَّعَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ دَلالَتَهُ عَلَى كُلِّ فَرَدٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ.
-
وَمِنْ شَرْطِ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا: أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ "لِزِيَادَةِ امْتِنَانٍ" عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ٦، نَحْوَ قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلا- {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ ٧ لَحْمًا طَرِيًّا} ٨ فَلا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْقَدِيدِ مِنْ لَحْمِ مَا يُؤْكَلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ كَغَيْرِهِ٩
vol. 4, p. 494"وَلا لِحَادِثَةٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ: أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ خَرَجَ لِبَيَانِ حُكْمِ حَادِثَةٍ اقْتَضَتْ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ١.
-
كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةِ لمَيْمُونَةَ٢ فَقَالَ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا" ٣.
-
وَكَمَا لَوْ قِيلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ٤ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِزَيْدٍ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَقَالَ: "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" ٥ إذْ الْقَصْدُ٦ الْحُكْمُ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ، لا النَّفْيُ٧ عَمَّا عَدَاهَا.