خطبة الكتاب
248 paragraphs · vol. 1, p. 21
Page 3 of 7
- vol. 1, p. 41
وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الشَّرْعِيَّةِ - دُونَ الْعَقْلِيَّةِ- مِنْ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٥. وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ كَثِيرٍ مِنْ الأَحْكَامِ عُرْفًا.
-
وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ٦ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ عُرْفًا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الْعِلْمِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْحَاصِلَةِ بِهَا. وَقِيلَ: الْعِلْمُ بِهَا عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالاسْتِدْلالِ.
-
وَكُلُّ هَذِهِ الْحُدُودِ لا تَخْلُو عَنْ مُؤَاخَذَاتٍ وَأَجْوِبَةٍ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ٧.
- vol. 1, p. 42
ثُمَّ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْفَرْعِيُّ: هُوَ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالْخَطَإِ فِي اعْتِقَادِ مُقْتَضَاهُ، وَلا فِي الْعَمَلِ بِهِ قَدْحٌ فِي الدِّينِ، وَلا وَعِيدٌ فِي الآخِرَةِ، كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالنِّكَاحِ بِلا وَلِيٍّ وَنَحْوِهِمَا.
-
"وَالْفَقِيهُ" فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً غَالِبَةً" أَيْ كَثِيرَةً "مِنْهَا" أَيْ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ١ الْفَرْعِيَّةِ "كَذَلِكَ" أَيْ بِالْفِعْلِ، أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ، - وَهِيَ التَّهَيُّؤُ لِمَعْرِفَتِهَا- عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. فَلا يُطْلَقُ الْفَقِيهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ، كَمَا لا يُطْلَقُ الْفَقِيهُ عَلَى مُحَدِّثٍ وَلا مُفَسِّرٍ، وَلا مُتَكَلِّمٍ وَلا نَحْوِيٍّ وَنَحْوِهِمْ.
-
وَقِيلَ: الْفَقِيهُ٢ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ، يَعْرِفُ الْحُكْمَ بِهَا إذَا شَاءَ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ٣ جُمَلاً كَثِيرَةً مِنْ الأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، وَحُضُورِهَا عِنْدَهُ بِأَدِلَّتِهَا الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ٤.
-
فَخَرَجَ بِقَيْدِ "الأَحْكَامِ" الذَّوَاتُ وَالصِّفَاتُ وَالأَفْعَالُ٥.
- vol. 1, p. 43
وَالْحُكْمُ هُوَ النِّسْبَةُ بَيْنَ الأَفْعَالِ وَالذَّوَاتِ؛ إذْ كُلُّ مَعْلُومٍ إمَّا أَلاَّ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، فَهُوَ الْجَوْهَرُ، كَجَمِيعِ الأَجْسَامِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا. فَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلتَّأْثِيرِ فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ الْفِعْلُ، كَالضَّرْبِ مَثَلاً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا. فَإِنْ كَانَ لِنِسْبَةٍ بَيْنَ الأَفْعَالِ وَالذَّوَاتِ، فَهُوَ الْحُكْمُ، وَإِلاَّ فَهُوَ الصِّفَةُ، كَالْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ.
-
وَخَرَجَ بِقَيْدٍ "الْفِعْلُ" الَّذِي هُوَ الاسْتِدْلال: عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرُسُلِهِ فِيمَا لَيْسَ عَنْ اجْتِهَادِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ١؛ لِجَوَازِ اجْتِهَادِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ الاجْتِهَادِ.
-
وَخَرَجَ بِقَيْدِ "الْفَرْعِيَّةِ" الأَدِلَّةُ الأُصُولِيَّةُ الإِجْمَالِيَّةُ، الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي فَنِّ الْخِلافِ، نَحْوُ: "ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالْمُقْتَضَى، وَانْتَفَى بِوُجُودِ النَّافِي" . فَإِنَّ هَذِهِ قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ إجْمَالِيَّةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي غَالِبِ الأَحْكَامِ؛ إذْ يُقَالُ مَثَلاً: وُجُوبُ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَى، وَهُوَ تَمْيِيزُ٢ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: عَدَمُ وُجُوبِهَا، وَالاقْتِصَارُ عَلَى مَسْنُونِيَّتِهَا: حُكْمٌ٣ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَيْ. وَهُوَ أَنَّ الْوُضُوءَ مِفْتَاحُ الصَّلاةِ. وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ بِدُونِ النِّيَّةِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي فَنِّ الْخِلافِ٤: إمَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ، فَهُوَ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ، أَوْ نَفْيُهُ فَهُوَ بِالدَّلِيلِ النَّافِي. أَوْ بِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ، أَوْ بِوُجُودِ الْمَانِعِ، أَوْ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ قَوَاعِدَ ضَابِطَةٌ لِمَجَارِي الْكَلامِ عَلَى تَعَدُّدِ جَرَيَانِهَا وَكَثْرَةِ مَسَائِلِهَا.
- vol. 1, p. 44
وَخَرَجَ بِقَيْدِ "الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ" عِلْمُ الْمُقَلِّدِ؛ لأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِبَعْضِ الأَحْكَامِ لَيْسَتْ عَنْ دَلِيلٍ أَصْلاً، لا إجْمَالِيٍّ وَلا تَفْصِيلِيٍّ١.
-
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى تَعْرِيفِ "أُصُولِ الْفِقْهِ" مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ الإِضَافِيُّ: شَرَعَ فِي تَعْرِيفِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عِلْمًا، فَقَالَ: "وَأُصُولُ الْفِقْهِ عِلْمًا" أَيْ: مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا صَارَتْ٢ لَقَبًا لِهَذَا الْعِلْمِ: "الْقَوَاعِدُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ" أَيْ يُقْصَدُ الْوُصُولُ "بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ" ٣.
-
وَقِيلَ: مَجْمُوعُ طُرُقِ الْفِقْهِ إجْمَالاً، وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، وَحَالُ الْمُسْتَفِيدِ. وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ دَلائِلِ الْفِقْهِ إجْمَالاً، وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، وَحَالُ الْمُسْتَفِيدِ. وَقِيلَ: مَا تُبْنَى٤ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْفِقْهِ، وَتُعْلَمُ أَحْكَامُهَا بِهِ. وَقِيلَ: هِيَ أَدِلَّتُهُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تُفِيدُهُ بِالنَّظَرِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ.
- إذَا عَلِمْت ذَلِكَ:
-
فَالْقَوَاعِدُ: جَمْعُ قَاعِدَةٍ. وَهِيَ هُنَا عِبَارَةٌ عَنْ صُوَرٍ٥ كُلِّيَّةٍ تَنْطَبِقُ
vol. 1, p. 45كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا الَّتِي تَحْتَهَا. وَلِذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ إلَى تَقْيِيدِهَا١ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لأَنَّهَا لا تَكُونُ إلاَّ كَذَلِكَ. وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا: "حُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ" وَكَقَوْلِنَا: "الْحِيَلُ فِي الشَّرْعِ بَاطِلَةٌ" . فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ يُتَعَرَّفُ بِالنَّظَرِ فِيهَا قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٌ.
-
فَمِمَّا يُتَعَرَّفُ بِالنَّظَرِ فِي الْقَضِيَّةِ الأُولَى: أَنَّ عُهْدَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ: حَنِثَ. وَأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ: لَمْ يَصِحَّ.
-
وَمِمَّا يُتَعَرَّفُ بِالنَّظَرِ٢ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ: عَدَمُ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَبَيْعِ الْعِينَةِ، وَعَدَمُ سُقُوطِ الشُّفْعَةِ بِالْحِيلَةِ عَلَى إبْطَالِهَا، وَعَدَمُ حِلِّ الْخَمْرِ٣ بِتَخْلِيلِهَا عِلاجًا٤.
-
وَكَذَا قَوْلُنَا - وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا-: "الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ٥" وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ "إلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ" عَنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ غَيْرِ٦ الأَحْكَامِ، مِنْ الصَّنَائِعِ وَالْعِلْمِ بِالْهَيْئَاتِ وَالصِّفَاتِ.
- vol. 1, p. 46
وَ "بِالشَّرْعِيَّةِ" عَنْ الاصْطِلاحِيَّةِ١، وَالْعَقْلِيَّةِ: كَقَوَاعِدِ عِلْمِ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ.
-
وَ "بِالْفَرْعِيَّةِ" عَنْ الأَحْكَامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الأُصُولِ، كَمَعْرِفَةِ وُجُوبِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَمْرِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ} ٢.
-
"وَالأُصُولِيُّ" فِي عُرْفِ أَهْلِ٣ هَذَا الْفَنِّ: "مَنْ عَرَفَهَا" أَيْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ. لأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى الأُصُولِ، كَنِسْبَةِ الأَنْصَارِيِّ إلَى الأَنْصَارِ وَنَحْوِهِ؛ وَلا تَصِحُّ النِّسْبَةُ إلاَّ مَعَ قِيَامِ مَعْرِفَتِهِ٤ بِهَا وَإِتْقَانِهِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ أَتْقَنَ الْفِقْهَ يُسَمَّى فَقِيهًا، وَمَنْ أَتْقَنَ الطِّبَّ يُسَمَّى طَبِيبًا وَنَحْوُ ذَلِكَ٥.
-
"وَغَايَتُهَا" أَيْ غَايَةُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ، إذَا صَارَ الْمُشْتَغِلُ بِهَا قَادِرًا عَلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا: "مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلُ بِهَا" أَيْ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٦؛ لأَنَّ ذَلِكَ مُوَصِّلٌ إلَى الْعِلْمِ، وَبِالْعِلْمِ يَتَمَكَّنُ الْمُتَّصِفُ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ الْمُوَصِّلِ إلَى خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ٧.
- vol. 1, p. 47
"وَمَعْرِفَتُهَا" أَيْ: مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفِقْهِ "فَرْضُ كِفَايَةٍ١، كَالْفِقْهِ" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ٢" : وَهَذَا٣ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ. قَالَ فِي "آدَابِ الْمُفْتِي" ٤: "وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْفِقْهِ" ٥ اهـ.
-
وَقِيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ٦ فِي "أُصُولِهِ" - لَمَّا حَكَى هَذَا الْقَوْلَ-: وَالْمُرَادُ لِلاجْتِهَادِ. فَعَلَى هَذَا الْمُرَادِ يَكُونُ الْخِلافُ لَفْظِيًّا.
-
"وَالأَوْلَى" وَقِيلَ: يَجِبُ "تَقْدِيمُهَا" أَيْ تَقْدِيمُ تَعَلُّمِ أُصُولِ الْفِقْهِ
vol. 1, p. 48"عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى تَعَلُّمِ الْفِقْهِ، لِيُتَمَكَّنَ بِمَعْرِفَةِ١ الأُصُولِ إلَى اسْتِفَادَةِ مَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ٢.
قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ٣: "أَبْلَغُ٤ مَا يُتَوَصَّلُ٥ بِهِ إلَى إحْكَامِ الأَحْكَامِ: إتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ" ٦.
-
"وَيُسْتَمَدُّ" عِلْمُ أُصُول الْفِقْهِ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: "مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَ" مِنْ "الْعَرَبِيَّةِ، وَ" مِنْ "تَصَوُّرِ الأَحْكَامِ" . وَوَجْهُ الْحَصْرِ: الاسْتِقْرَاءُ٧.
-
وَأَيْضًا: فَالتَّوَقُّفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ الأَدِلَّةِ٨. فَهُوَ أُصُولُ الدِّينِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ مِنْ جِهَةِ دَلالَةِ الأَلْفَاظِ عَلَى الأَحْكَامِ، فَهُوَ الْعَرَبِيَّةُ بِأَنْوَاعِهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ مِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ مَا يَدُلُّ بِهِ
vol. 1, p. 49عَلَيْهِ، فَهُوَ١ تَصَوُّرُ الأَحْكَامِ.
-
أَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ الأَدِلَّةِ: فَلِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ كَوْنِ الأَدِلَّةِ٢ الْكُلِّيَّةِ حُجَّةً شَرْعًا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ٣، وَصِدْقِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ٤ وَيَتَوَقَّفُ صِدْقُهُ عَلَى دَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ.
-
أَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ دَلالَةِ الأَلْفَاظِ عَلَى الأَحْكَامِ: فَلِتَوَقُّفِ٥ فَهْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْمَدْلُولُ: فَهُوَ عِلْمُ اللُّغَةِ٦، أَوْ مِنْ أَحْكَامِ تَرْكِيبِهَا٧: فَعِلْمُ النَّحْوِ٨، أَوْ مِنْ أَحْكَامِ أَفْرَادِهَا: فَعِلْمُ التَّصْرِيفِ٩، أَوْ مِنْ جِهَةِ مُطَابِقَتِهِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ،
vol. 1, p. 50وَسَلامَتِهِ مِنْ التَّعْقِيدِ، وَوُجُوهِ الْحُسْنِ: فَعِلْمُ الْبَيَانِ١ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلاثَةِ٢.
-
وَأَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ مَا يَدُلُّ بِهِ عَلَيْهِ، مِنْ تَصَوُّرِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ٣: فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إثْبَاتِهَا، وَلا مِنْ نَفْيِهَا٤. لأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ عِلْمًا أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا، وَيَعْرِفَ غَايَتَهُ وَمَادَّتَهُ: ذَكَرَ فِي أَوَّلِ٥ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ حَدَّ٦ أُصُولَ الْفِقْهِ، مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ، وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عِلْمًا. وَحَدُّ الْمُتَّصِفَ بِمَعْرِفَتِهِ. لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ، مِنْ جِهَةِ تَعْرِيفِهِ بِحَدِّهِ، لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ غَايَتَهُ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِهِ عَبَثًا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ؛ لِيُرْجَعَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ إلَى مَحَلِّهَا "وَبِهِ خُتِمَ هَذَا الْفَصْلُ" ٧.
- vol. 1, p. 51
"فَصْلٌ"
-
الْفَصْلُ لُغَةً: الْحَجْزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَمِنْهُ فَصْلُ الرَّبِيعِ؛ لأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَهُوَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَسَائِلِ وَأَنْوَاعِهَا١.
-
وَلَمَّا كَانَ مَوْضُوعُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ: الأَدِلَّةَ الْمُوَصِّلَةَ إلَى الْفِقْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الدَّلِيلِ، وَلا عَلَى نَاصِبِهِ، أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
"الدَّالُّ: النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ" ٢ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَنَّ الدَّلِيلَ الْقُرْآنُ٣.
-
وَقِيلَ: إنَّ الدَّالَّ وَالدَّلِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَإِنَّ "دَلِيلَ" فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، كَعَلِيمٍ وَسَمِيعٍ، بِمَعْنَى عَالِمٍ وَسَامِعٍ٤.
-
"وَهُوَ" أَيْ وَالدَّلِيلُ "لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ: "الْمُرْشِدُ" يَعْنِي أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُرْشِدِ حَقِيقَةً "وَ" عَلَى "مَا" يَحْصُلُ "بِهِ الإِرْشَادُ" مَجَازًا. فَالْمُرْشِدُ: هُوَ النَّاصِبُ لِلْعَلامَةِ أَوْ الذَّاكِرُ لَهَا. وَاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الإِرْشَادُ هُوَ الْعَلامَةُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلتَّعْرِيفِ٥.
- vol. 1, p. 52
"وَ" الدَّلِيلُ "شَرْعًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ عُلَمَاءِ١ الشَّرِيعَةِ: "مَا" أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي "يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ" - مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ- أَيْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ "فِيهِ" أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ "إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ" ٢ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ.
-
وَقَوْلُهُ "خَبَرِيٍّ" أَيْ تَصْدِيقِيٍّ.