خطبة الكتاب
248 paragraphs · vol. 1, p. 21
Page 4 of 7
- vol. 1, p. 52
وَإِنَّمَا قَالُوا "مَا يُمْكِنُ" وَلَمْ يَقُولُوا مَا "يُتَوَصَّلُ" ، لِلإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَصُّلُ بِالْقُوَّةِ، لأَنَّهُ يَكُونُ دَلِيلاً، وَلَوْ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ٣.
-
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: "مَا يُمْكِنُ" مَا لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ، كَالْمَطْلُوبِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ [بِهِ] إلَيْهِ، أَوْ٤ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ "بِهِ" إلَى الْمَطْلُوبِ، لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ كَسُلُوكِ طَرِيقٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى مَطْلُوبِهِ.
- vol. 1, p. 53
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ "بِصَحِيحِ النَّظَرِ" فَاسِدُهُ١، كَكَاذِبِ الْمَادَّةِ فِي اعْتِقَادِ النَّاظِرِ.
-
وَخَرَجَ بِوَصْفِ "الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ" الْمَطْلُوبُ التَّصَوُّرِيُّ، كَالْحَدِّ وَالرَّسْمِ٢.
-
وَيَدْخُلُ فِي "الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ" مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالظَّنَّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ٣.
-
وَالْقَوْلُ الأول: أَنَّ٤ مَا٥ أَفَادَ الْقَطْعَ يُسَمَّى دَلِيلاً، وَمَا٦ أَفَادَ الظَّنَّ يُسَمَّى أَمَارَةً٧.
- vol. 1, p. 54
وَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ "عَقِبَهُ" أَيْ عَقِبَ النَّظَرِ "عَادَةً" أَيْ فِي الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَفِيضَ١ عَلَى نَفْسِ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةُ مَطْلُوبِهِ، وَصُورَةُ مَطْلُوبِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ بِنَظَرِهِ إلَى تَحْصِيلِهِ.
-
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَحْصُلُ عَقِبَ النَّظَرِ ضَرُورَةً٢. لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ٣.
-
"وَالْمُسْتَدِلُّ" : هُوَ "الطَّالِبُ لَهُ" أَيْ لِلدَّلِيلِ٤ "مِنْ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ" ، قَالَهُ الْقَاضِي٥ فِي "الْعُدَّةِ" ٦، وَأَبُو الْخَطَّابِ٧ فِي "التَّمْهِيدِ" ، وَابْنُ
vol. 1, p. 55عَقِيلٍ١ فِي "الْوَاضِحِ" ، وَذَلِكَ لأَنَّ السَّائِلَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الْمَسْئُولِ، وَالْمَسْئُولَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الأُصُولِ٢.
- إذَا عَلِمْت ذَلِكَ:
-
"فَالدَّالُّ: اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: الْقُرْآنُ، وَالْمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ، وَالْمُسْتَدِلُّ: أُولُو الْعِلْمِ، هَذِهِ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ" قَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
- vol. 1, p. 56
وَإِنَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ١، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَتَبَرُّكًا بِنَصِّ الإِمَامِ.
-
وَقَوْلُهُ "هَذِهِ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ قَوَاعِدَ الإِسْلامِ تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى قَوْلِهِ "وَهُوَ الْقُرْآنِ" ٢، وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَى عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالإِسْلامِ عَنْهَا٣. انْتَهَى.
-
"وَالْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى الشَّيْءِ بِكَوْنِهِ حَلالاً أَوْ حَرَامًا، أَوْ وَاجِبًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا "الْحُكْمُ" بِذَلِكَ٤.
-
"وَ" الْمُسْتَدَلُّ "بِهِ مَا يُوجِبُهُ" أَيْ الْعِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ.
-
"وَالْمُسْتَدَلُّ لَهُ" أَيْ لِخِلافِهِ وَقَطْعِ جِدَالِهِ "الْخَصْمُ" وَقِيلَ:
vol. 1, p. 57الْحُكْمُ١.
-
"وَالنَّظَرُ هُنَا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "فِكْرٌ يُطْلَبُ بِهِ" أَيْ بِالْفِكْرِ "عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ" ٢ وَإِنَّمَا قُلْت "هُنَا" لأَنَّ النَّظَرَ لَهُ مُسَمَّيَاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
-
"وَالْفِكْرُ هُنَا: حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ إلَى الْمَبَادِئِ، وَرُجُوعُهَا" أَيْ حَرَكَةُ النَّفْسِ "مِنْهَا إلَيْهَا" أَيْ مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطَالِبِ.
-
وَيَرْسُمُ الْفِكْرُ بِهَذَا الْمَعْنَى "بِتَرْتِيبِ أُصُولٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ؛ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ الْحَاصِلِ" .
-
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ، الَّتِي يَلِيهَا الْبَطْنُ٣ الأَوْسَطُ مِنْ الدِّمَاغِ الْمُسَمَّى بِالدُّودَةِ، وَتُسَمَّى فِي الْمَعْقُولاتِ فِكْرًا٤، وَفِي الْمَحْسُوسَاتِ تَخْيِيلاً.
- vol. 1, p. 58
"وَالإِدْرَاكُ" أَيْ إدْرَاكُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ "بِلا حُكْمِ" عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ، "تَصَوُّرٌ" لأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ سِوَى صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ. "وَبِهِ" أَيْ وَبِالْحُكْمِ؛ يَعْنِي أَنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ "تَصْدِيقٌ" أَيْ يُسَمَّى تَصْدِيقًا١.
-
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّصَوُّرَ إدْرَاكُ الْحَقَائِقِ مُجَرَّدَةً عَنْ الأَحْكَامِ، وَأَنَّ التَّصْدِيقَ "إدْرَاكٌ" نِسْبَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَيْنَ الْحَقَائِقِ بِالإِيجَابِ أَوْ السَّلْبِ.
-
وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّصَوُّرُ تَصَوُّرًا؛ لأَخْذِهِ مِنْ الصُّورَةِ، لأَنَّ حُصُولَ صُورَةِ "٢الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ. وَسُمِّيَ التَّصْدِيقُ تَصْدِيقًا: لأَنَّ فِيهِ حُكْمًا، يَصْدُقُ فِيهِ أَوْ يَكْذِبُ. سُمِّيَ بِأَشْرَفِ لازِمَيْ الْحُكْمِ٣ فِي النِّسْبَةِ" ٢.
-
"فَكُلُّ تَصْدِيقٍ مُتَضَمِّنٌ مِنْ مُطْلَقِ" ٤ التَّصَوُّرِ ثَلاثَ تَصَوُّرَاتٍ: تَصَوُّرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا٥، ثُمَّ تَصَوُّرُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ تَصَوُّرًا رَابِعًا؛ لأَنَّهُ تَصَوُّرُ تِلْكَ النِّسْبَةِ مُوجَبَةً، أَوْ تَصَوُّرُهَا مَنْفِيَّةً٦.
- vol. 1, p. 59
وَكُلٌّ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ ضَرُورِيٌّ وَنَظَرِيٌّ١. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
- vol. 1, p. 60
"فَصْلٌ"
-
"الْعِلْمُ لا يُحَدُّ١ فِي وَجْهٍ" قَالَ بَعْضُهُمْ٢: لِعُسْرِهِ٣ وَيُمَيَّزُ بِتَمْثِيلٍ٤ وَتَقْسِيمٍ٥ وَقَالَ بَعْضُهُمْ٦: لأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ٧. وَقَدْ عَلِمْت
vol. 1, p. 61مِنْ خُطْبَةِ الْكِتَابِ أَنِّي١ مَتَى قُلْت عَنْ شَيْءٍ ٢ "فِي وَجْهٍ" ٢ فَالْمُقَدَّمُ وَالْمُعْتَمَدُ غَيْرُهُ.
- إذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
-
فَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ: أَنَّهُ يُحَدُّ. وَلَهُمْ فِي حَدِّهِ عِبَارَاتٌ. "وَ" الْمُخْتَارُ مِنْهَا أَنْ يُقَالَ: "هُوَ صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا" بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ، وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ "تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا" أَيْ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ٣.
-
"فَلا يَدْخُلُ إدْرَاكُ الْحَوَاسِّ" لِجِوَازِ٤ غَلَطِ الْحِسِّ؛ لأَنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ الشَّيْءَ لا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَالْمُسْتَدِيرِ مُسْتَوِيًا، وَالْمُتَحَرِّكِ سَاكِنًا وَنَحْوِهِمَا.
-
"وَيَتَفَاوَتُ" الْعِلْمُ عَلَى الأَصَحِّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إمَامِنَا٥ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ٦ فِي "أُصُولِهِ" : الأَصَحُّ التَّفَاوُتُ؛ فَإِنَّا نَجِدُ
vol. 1, p. 62بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ، وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ، مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلاً فِيهِمَا١.
-
"كَالْمَعْلُومِ" أَيْ كَمَا تَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومَاتُ "وَ" كَمَا يَتَفَاوَتُ "الإِيمَانُ" .
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : "وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي" أُصُولِهِ" - فِي الْكَلامِ عَلَى الْوَاجِبِ-: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ٢-: وَالصَّوَابُ٣ أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ٤ تَقْبَلُ التَّزَايُدَ.
- vol. 1, p. 63
وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلَةِ فِي١ الْقَلْبِ فِي الإِيمَانِ: هل تَقَبُّلِ التَّزَايُدِ وَالنَّقْصِ؟ رِوَايَتَانِ٢. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ جُمْهُورِ٣ أَهْلِ السُّنَّةِ: إمْكَانُ٤ الزِّيَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ " انْتَهَى.
-
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ لُغَةً وَعُرْفًا عَلَى أَرْبَعَةِ٥ أُمُورٍ.
-
أَحَدُهَا: إطْلاقُهُ حَقِيقَةً عَلَى مَا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَتَقَدَّمَ.
-
الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ٦ يُطْلَقَ "وَيُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإِدْرَاكِ " يَعْنِي سَوَاءً كَانَ الإِدْرَاكُ " جَازِمًا، أَوْ مَعَ احْتِمَالٍ رَاجِحٍ، أَوْ مَرْجُوحٍ، أَوْ مُسَاوٍ" عَلَى
vol. 1, p. 64سَبِيلِ الْمَجَازِ. فَشَمِلَ الأَرْبَعَةَ قَوْله تَعَالَى: {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} ١، إذْ الْمُرَادُ: نَفْيُ كُلِّ إدْرَاكٍ.
-
الأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ "وَ" يُرَادُ بِهِ "التَّصْدِيقُ، قَطْعِيًّا" كَانَ التَّصْدِيقُ "أَوْ ظَنِّيًّا" .
-
أَمَّا التَّصْدِيقُ الْقَطْعِيُّ: فَإِطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً. وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
-
وَأَمَّا التَّصْدِيقُ الظَّنِّيُّ: فَإِطْلاقُهُ عَلَيْهِ٢ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} ٣.
-
الأَمْرُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ "وَ" يُرَادُ بِهِ "مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ" وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ٤.