خطبة الكتاب
248 paragraphs · vol. 1, p. 21
Page 6 of 7
- vol. 1, p. 74
"وَالْمُسَاوِي" وَهُوَ الَّذِي يَتَسَاوَى مُتَعَلَّقُهُ وَاحْتِمَالُ نَقِيضِهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ "شَكٌّ" ٤.
-
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالْعِلْمُ قَسِيمُهُ الاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ، وَالظَّنُّ قَسِيمُهُ الشَّكُّ وَالْوَهْمُ.
- vol. 1, p. 75
وَأَشَارَ١ بِقَوْلِهِ "وَقَدْ عَلِمْت حُدُودَهَا" إلَى أَنَّ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ، الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ الْقِسْمَةِ، لَمَّا قَيَّدَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الأَقْسَامِ: كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الأَقْسَامِ؛ لأَنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ: كُلُّ لَفْظٍ مُرَكَّبٍ يُمَيِّزُ الْمَاهِيَّةَ عَنْ أَغْيَارِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ، أَوْ بِالْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا٢.
-
فَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْعِلْمِ: مَا٣ عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، لا يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ؛ لا فِي الْوَاقِعِ، وَلا عِنْدَ٤ الذَّاكِرِ، وَلا بِالتَّشْكِيكِ٥.
-
وَيَكُونُ حَدُّ الاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، لا٦ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكٍ مُشَكِّكٍ إيَّاهُ، وَلا يَحْتَمِلُهُ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ٧.
- vol. 1, p. 76
وَيَكُونُ حَدُّ الاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ١: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ لا٢ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكٍ مُشَكِّكٍ، لا بِتَقْدِيرِ٣ الذَّاكِرِ إيَّاهُ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ٤.
-
وَالظَّنُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِتَقْدِيرِهِ٥، مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا٦.
-
وَالْوَهْمُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِتَقْدِيرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا.
-
وَالشَّكُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ٧، مَعَ تَسَاوِي طَرَفَيْهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ٨.
- vol. 1, p. 77
وَلَمَّا انْتَهَى١ الْكَلامَ عَلَى الْعِلْمِ، وَكَانَ الْجَهْلُ ضِدًّا لَهُ، اسْتَطْرَدَ الْكَلامَ إلَى ذِكْرِهِ، وَذَكَرَ مَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهِ، فَقَالَ: "وَالاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ" مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ: "تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ. وَ" مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتُهُ: "هُوَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ" لأَنَّهُ مَرْكَبٌ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ، وَمِنْ الاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَا فِي الْخَارِجِ.
-
٢وَالْجَهْلُ نَوْعَانِ:
مُرَكَّبٌ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ٢.
-
"وَ" الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْجَهْلِ هُوَ "الْبَسِيطُ" : وَهُوَ "عَدَمُ الْعِلْمِ" وَهُوَ انْتِفَاءُ إدْرَاكِ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ.
-
فَمَنْ سُئِلَ: هَلْ تَجُوزُ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ؟ فَقَالَ: لا، كَانَ ذَلِكَ جَهْلاً مُرَكَّبًا مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، وَمِنْ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الْبَاطِلِ٣. وَإِنْ قَالَ: لا أَعْلَمُ، كَانَ ذَلِكَ٤ جَهْلاً بَسِيطًا.
-
"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ "سَهْوٌ، وَغَفْلَةٌ، وَنِسْيَانٌ" وَالْجَمِيعُ "بِمَعْنًى" وَاحِدٍ عِنْدَ كَثِيرٍ٥ مِنْ الْعُلَمَاءِ "وَ" ذَلِكَ الْمَعْنَى "هُوَ ذُهُولُ الْقَلْبِ عَنْ مَعْلُومٍ" ٦.
vol. 1, p. 78قَالَ الْجَوْهَرِيُّ١: السَّهْوُ الْغَفْلَةُ٢، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: سَهَا فِي الأَمْرِ: نَسِيَهُ وَغَفَلَ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَلْبُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ سَاهٍ وَسَهْوَانُ٣، وَقَالَ: غَفَلَ عَنْهُ غُفُولاً: تَرَكَهُ وَسَهَا عَنْهُ٤، انْتَهَى.
- vol. 1, p. 79
"فَصْلٌ"
-
لَمَّا كَانَتْ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَالنَّظَرِيَّةُ لا تُدْرَكُ بِدُونِ الْعَقْلِ، أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
"الْعَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ" أَيْ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ، قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : قَالَهُ صَاحِبُ "رَوْضَةِ الْفِقْهِ" مِنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ شَامِلٌ لأَكْثَرِ الأَقْوَالِ الآتِيَةِ١.
- vol. 1, p. 80
وَعَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ١رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: آلَةُ التَّمْيِيزِ وَالإِدْرَاكِ٢.
-
"وَهُوَ غَرِيزَةٌ" نَصًّا. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ٣. وَقَالَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ٤، فَقَالَ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ، لَيْسَ مُكْتَسَبًا٥، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُفَارِقُ بِهِ الإِنْسَانُ الْبَهِيمَةَ، وَيَسْتَعِدُّ بِهِ لِقَبُولِ الْعِلْمِ، وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ
vol. 1, p. 81فِي الْقَلْبِ، كَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَالصِّبَا١ وَنَحْوُهُ حِجَابٌ لَهُ٢.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: إنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ، كَالضَّرُورِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرْبَهَارِيُّ٣ - مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا-: لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلا عَرَضٍ وَلا اكْتِسَابٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى٤، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "هَذَا٥ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْقُوَّةُ الْمُدْرِكَةُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ أَحْمَدَ، لا الإِدْرَاكُ٦" .
-
"وَ" هُوَ أَيْضًا "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالأَكْثَرُ٧. قَالَ فِي: "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. يُسْتَعَدُّ بِهَا لِفَهْمِ دَقِيقِ الْعُلُومِ، وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ" .
- vol. 1, p. 82
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ١، وَابْنُ الصَّبَّاغِ٢، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ٣. فَخَرَجَتْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ٤، لأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلاً، مَعَ انْتِفَاءِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ.
-
وَإِنَّمَا قَالُوا: "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ" . لأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ٥ بِالْمُدْرَكَاتِ، - لِعَدَمِ الإِدْرَاكِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا- غَيْرَ
vol. 1, p. 83عَاقِلٍ١.
-
"وَمَحَلُّهُ" ٢ أَيْ مَحَلُّ الْعَقْلِ "الْقَلْبُ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٣ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَطِبَّاءِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ٤ أَيْ عَقْلٌ. فَعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنْ الْعَقْلِ، لأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ٥ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} ٦ فَجَعَلَ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ٧. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ
vol. 1, p. 84بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ: لا تَكُونُ إلاَّ فِي الْقَلْبِ.
-
"وَ" مَعَ هَذَا "لَهُ اتِّصَالٌ١ بِالدِّمَاغِ" قَالَهُ التَّمِيمِيُّ٢ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي "شَرْحِ٣ التَّحْرِيرِ" : وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِي الدِّمَاغِ٤. وَقَالَهُ الطُّوفِيُّ٥ وَالْحَنَفِيَّةُ.
- vol. 1, p. 85
وَقِيلَ١: إنْ قُلْنَا جَوْهَرٌ، وَإِلاَّ فِي الْقَلْبِ٢.
-
"وَيَخْتَلِفُ" "الْعَقْلُ " كَالْمُدْرَكِ "٣ بِهِ" أَيْ بِالْعَقْلِ، لأَنَّا نُشَاهِدُ قَطْعًا آثَارَ الْعُقُولِ فِي الآرَاءِ، وَالْحِكَمِ وَالْحِيَلِ وَغَيْرِهَا مُتَفَاوِتَةً٤، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى "تَفَاوُتِ الْعُقُولِ فِي نَفْسِهَا. وَأَجْمَعَ الْعُقَلاءُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: " فُلانٌ أَعْقَلُ مِنْ فُلانٍ أَوْ٥ أَكْمَلُ عَقْلاً " وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى" ٦ اخْتِلافِ مَا يُدْرَكُ بِهِ٧.
- vol. 1, p. 86
وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ١ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنِّسَاءِ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ مِثْلَ ٢ نِصْفِ شَهَادَةِ ٢ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا" ٣.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ لا يَخْتَلِفُ، لأَنَّهُ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إلَيْهَا النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلافِهِمْ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ٤.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ٥ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ-: "إنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ
vol. 1, p. 87لا يَخْتَلِفُ، وَإِنَّ التَّجَرُّبِيَّ١ يَخْتَلِفُ "٢. وَحَمَلَ الطُّوفِيُّ الْخِلافَ عَلَى ذَلِكَ٣.
-
وَ "لا " يَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ " بِالْحَوَاسِّ. وَلا " ٤يَخْتَلِفُ أَيْضًا " الإِحْسَاسُ٤ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "الإِحْسَاسُ وَمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ
vol. 1, p. 88لا١ يَخْتَلِفُ، بِخِلافِ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ٢. فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ بِهِ. وَهُوَ التَّمْيِيزُ وَالْفِكْرُ. [فَيَقِلُّ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ، وَيَكْثُرُ فِي حَقِّ بَعْضٍ] ٣ فَلِهَذَا يَخْتَلِفُ "٤ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: [وَهَذَا] ٥ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْحِسِّيَّ لَيْسَ مِنْ الْعَقْلِ". قَالَ: "وَلَنَا فِي الْمَعْرِفَةِ الإِيمَانِيَّةِ فِي الْقَلْبِ: هَلْ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ؟ رِوَايَتَانِ.
-
فَإِذَا قِيلَ: إنَّ النَّظَرِيَّ لا يَخْتَلِفُ. فَالضَّرُورِيُّ أَوْلَى.
-
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ جِنْسِ مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ، وَإِنَّ الأَصْوَبَ: أَنَّ الْقُوَى الَّتِي هِيَ الإِحْسَاسُ٦ وَسَائِرُ الْعُلُومِ وَالْقُوَى تَخْتَلِفُ"٧ انْتَهَى.
- vol. 1, p. 89
"فَصْلٌ"
-
"الْحَدُّ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ "الْمَنْعُ" وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا؛ لأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ، وَالْحُدُودُ حُدُودًا، لأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِحْدَادُ الْمَرْأَةِ فِي عِدَّتِهَا، لأَنَّهَا١ تُمْنَعُ٢ مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ، وَسُمِّيَ التَّعْرِيفُ حَدًّا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ مِنْ الْخُرُوجِ، وَالْخَارِجَ مِنْ الدُّخُولِ٣.
-
"وَ" الْحَدُّ "اصْطِلاحًا" أَيْ فِي الاصْطِلاحِ: "الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَوْصُوفِهِ" . وَفِي "التَّحْرِيرِ" : "الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ" ، أَيْ بِمَعْنَى الْمَحْدُودِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَدُّ الشَّيْءِ الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ "الْمُمَيِّزُ لَهُ" أَيْ لِلْمَحْدُودِ "عَنْ غَيْرِهِ" ٤. وَكِلا اللَّفْظَيْنِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ. لَكِنْ مَا قُلْنَاهُ أَوْضَحُ. وَمَا فِي "التَّحْرِيرِ" حَكَاهُ عَنْ الْعَسْقَلانِيِّ٥ شَارِحِ الطُّوفِيِّ٦.
vol. 1, p. 90وَقَالَ الْغَزَالِيُّ١: "قِيلَ حَدُّ الشَّيْءِ نَفْسُهُ٢ وَذَاتُهُ. وَقِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُفَسِّرُ لِمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ" ٣. انْتَهَى.
-
وَقِيلَ: هُوَ شَرْحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الإِجْمَالِ٤. وَقَدَّمَ٥ فِي٦ "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" : أَنَّهُ قَوْلٌ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ وَذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ٧.
-
"وَهُوَ" أَيْ الْحَدُّ "أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ" قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ٨ - مِنْ أَصْحَابِنَا-: الْحَدُّ عَلَى٩ الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لا
vol. 1, p. 91وَقَالَ الْغَزَالِيُّ١: "قِيلَ حَدُّ الشَّيْءِ نَفْسُهُ٢ وَذَاتُهُ. وَقِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُفَسِّرُ لِمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ" ٣. انْتَهَى.
-
وَقِيلَ: هُوَ شَرْحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الإِجْمَالِ٤. وَقَدَّمَ٥ فِي٦ "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" : أَنَّهُ قَوْلٌ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ وَذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ٧.
-
"وَهُوَ" أَيْ الْحَدُّ "أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ" قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ٨ - مِنْ أَصْحَابِنَا-: الْحَدُّ عَلَى٩ الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لا
vol. 1, p. 92الدِّينِ "، وَالطُّوفِيُّ فِي " شَرْحِهِ "١. فَقَالُوا: كَوْنُهُ مُطَّرِدًا هُوَ الْجَامِعِ. وَكَوْنُهُ مُنْعَكِسًا هُوَ الْمَانِعُ٢.
-
وَيَجِبُ مُسَاوَاةُ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ، لأَنَّهُ إنْ كَانَ أَعَمَّ فَلا دَلالَةَ لَهُ عَلَى الأَخَصِّ وَلا يُفِيدُ التَّمْيِيزَ. وَإِنْ كَانَ أَخَصَّ فَلأَنَّهُ أَخْفَى. لأَنَّهُ أَقَلُّ وُجُودًا مِنْهُ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لا يَكُونَ فِي لَفْظِهِ مَجَازٌ وَلا مُشْتَرَكٌ، لأَنَّ الْحَدَّ مُمَيِّزٌ لِلْمَحْدُودِ، وَلا يَحْصُلُ الْمَيْزُ٣ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا٤.
- "وَهُوَ " أَيْ: الْحَدُّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
-
الأَوَّلُ: "حَقِيقِيٌّ تَامٌّ "٥ وَهُوَ الأَصْلُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ حَقِيقًا تَامًّا " إنْ
vol. 1, p. 93أَنْبَأَ عَنْ ذَاتِيَّاتِ١ الْمَحْدُودِ الْكُلِّيَّةِ٢ الْمُرَكَّبَةِ٣ " كَقَوْلِك: مَا الإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ٤. " وَلِذَا " أَيْ وَلِهَذَا الْقِسْمِ " حَدٌّ وَاحِدٌ" لأَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ لا يَكُونُ لَهَا حَدَّانِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِ الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ، وَالشَّيْءُ لا يُفَسِّرُ نَفْسَهُ؟