فصل في أنواع المجاز
94 paragraphs · vol. 1, p. 157
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 173
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ لِشَيْءٍ مِثْلٌ، وَلِذَلِكَ الْمِثْلِ مِثْلٌ، كَانَ كِلاهُمَا مِثْلاً لِلأَصْلِ، فَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ: نَفْيُهُمَا مَعًا، وَيَبْقَى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَدَّرٌ مِثْلِيَّتُهُ. وَقَدْ نُفِيَا عَنْهُ.
vol. 1, p. 174قَالَ شَرَفُ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ١: اجْعَلْ الْكَافَ أَصْلِيَّةً، وَلا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ. قَالَ: لأَنَّ نَفْيَ الْمِثْلِ لَهُ طَرِيقَانِ: إمَّا بِنَفْيِ الشَّيْءِ، أَوْ بِنَفْيِ لازِمِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ اللاَّزِمِ نَفْيُ الْمَلْزُومِ، وَمِنْ لَوَازِمِ الْمِثْلِ: أَنَّ لَهُ مِثْلاً فَإِذَا نَفَيْنَا مِثْلَ الْمِثْلِ، انْتَفَى لازِمُ الْمِثْلِ، فَيَنْتَفِي الْمِثْلُ لِنَفْيِ لازِمِهِ.
-
الْخَامِسُ: قَالَ يَحْيَى بْنُ إبْرَاهِيمَ السَّلامِاسِيُّ٢ فِي كِتَابِهِ "الْعَدْلِ فِي مَنَازِلِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ" : إنَّ الْكَافَ لِتَشْبِيهِ الصِّفَاتِ، وَ "مِثْلَ" لِتَشْبِيهِ الذَّوَاتِ. فَنَفَى٣ الشَّبِيهَيْنِ كِلاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ تَعَالَى. فَقَالَ تَعَالَى٤: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلا كَهُوَ شَيْءٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ٥ - مِنْ أَصْحَابِنَا-: آلَتَا٦ التَّشْبِيهِ فِي كَلامِ الْعَرَبِ:
vol. 1, p. 175الْكَافُ، وَمِثْلُ، تَقُولُ هَذَا مِثْلُ هَذَا، وَهَذَا كَهَذَا، فَجَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آلَتَيْ١ التَّشْبِيهِ وَنَفَى عَنْهُ بِهِمَا الشَّبِيهَ٢.
-
٣ "وَ" النَّوْعُ الْعِشْرُونَ
أَنْ٤ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ "نَقْصِ" لَفْظٍ مِنْ الْكَلامِ الْمُرَكَّبِ
وَيَكُونُ مَا نَقَصَ كَالْمَوْجُودِ لِلافْتِقَارِ إلَيْهِ. سَوَاءٌ كَانَ النَّاقِصُ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا، جُمْلَةً أَوْ غَيْرَهَا٥. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} ٦ أَيْ يُحَارِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ دِينِهِ. وَمِثْلُهُ {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} ٧ أَيْ: مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَبِهِ قُرِئَ شَاذًّا، وَمِثْلُهُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ٨ أَيْ فَأَفْطَرَ. وَمِثْلُهُ {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ} ٩ وَاسْأَلْ الْعِيرَ١٠، أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَأَهْلَ الْعِيرِ. {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ} ١١ أَيْ حُبَّ١٢ الْعِجْلِ
vol. 1, p. 176"وَ" النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مُشَابَهَةِ "شَكْلٍ١"
-
كَإِطْلاقِ لَفْظِ الأَسَدِ عَلَى مَا هُوَ بشَكْلِهِ٢، مِنْ مُجَسَّدٍ أَوْ مَنْقُوشٍ، وَرُبَّمَا تُوجَدُ الْعَلاقَتَانِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} ٣.
-
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مُشَابَهَةٍ فِي الْمَعْنَى فِي "صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ"
-
كَإِطْلاقِ الأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا "ظَاهِرَةٍ" الصِّفَةُ الْخَفِيَّةُ، كَالْبَخَرِ، فَلا يُطْلَقُ أَسَدٌ عَلَى الأَبْخَرِ، لأَنَّ الْبَخَرَ فِي الأَسَدِ خَفِيٌّ٤.
-
"وَ" النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ إطْلاقِ "اسْمِ" الْبَدَلِ عَلَى الْمُبْدَلِ٥
كَتَسْمِيَةِ الدِّيَةِ دَمًا، لِقَوْلِهِ٦ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَحْلِفُونَ٧ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ" ٨!
- vol. 1, p. 177
"وَ" النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ إطْلاقِ اسْمٍ مُقَيَّدٍ عَلَى ١ مُطْلَقٍ ١
كَقَوْلِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ٢: "أَصْبَحْت وَنِصْفُ النَّاسِ عَلَيَّ غَضْبَانُ" الْمُرَادُ: مُطْلَقُ الْبَعْضِ لا خُصُوصُ النِّصْفِ٣.
-
أَوْ بِاعْتِبَارِ إطْلاقِ اسْمِ "ضِدٍّ" عَلَى ضِدِّهِ٤، وَتُسَمَّى الْعَلاقَةُ هُنَا عَلاقَةَ الْمُضَادَّةِ كَإِطْلاقِ الْبَصِيرِ عَلَى الأَعْمَى، وَالسَّلِيمِ عَلَى اللَّدِيغِ، وَالْمَفَازَةِ عَلَى الْمَهْلَكَةِ.
- vol. 1, p. 178
"وَ" النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ
أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ نَقْلِ اسْمٍ لِعَلاقَةِ١ "مُجَاوَرَةٍ"
-
كَإِطْلاقِ لَفْظِ "الرَّاوِيَةِ" عَلَى ظَرْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الأَصْلِ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ٢.
-
"وَنَحْوِهِ" أَيْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ٣، وَذَكَرُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى} ٤ وَالْغُثَاءُ: مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنْ الْحَشِيشِ، وَالأَحْوَى: الشَّدِيدُ الْخُضْرَةِ. وَذَلِكَ سَابِقٌ فِي الْوُجُودِ٥.
-
وَكَذَا الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ بِتَأْوِيلِهِ بِدُخُولِهِ تَحْتَ الْجِنْسِ يَكُونُ مِنْ مَجَازِ الْمُشَابَهَةِ.
-
وَمِنْهَا: وُرُودُ الأَمْرِ بِصُورَةِ الْخَبَرِ وَعَكْسِهِ٦، نَحْوُ {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} ٧ وقَوْله تَعَالَى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} ٨ وَقَدْ يُقَالُ:
vol. 1, p. 179إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ أَوْ الْمُضَادَّةِ، بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ١ حَقِيقَةً بِسَبَبِ اعْتِقَادِهِ.
-
"وَشُرِطَ" لِصِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ "نَقْلٌ" عَنْ الْعَرَبِ "فِي" كُلِّ "نَوْعٍ" مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ "لا" فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ "آحَادِ" الْمَجَازِ، بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ صُورَةٍ ظُهُورُ نَوْعٍ مِنْ الْعَلاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ٢.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إطْلاقُ اسْمٍ عَلَى مُسَمَّاهُ الْمَجَازِيِّ لا يَفْتَقِرُ فِي الآحَادِ إلَى النَّقْلِ عَنْ "الْعَرَبِ، بَلْ" ٣ الْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْعَلاقَةِ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَمَّا فِي الأَنْوَاعِ: فَمُعْتَبَرٌ وِفَاقًا. انْتَهَى.
-
"وَهُوَ" أَيْ الْمَجَازُ، ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ٤.
-
- قِسْمٌ "لُغَوِيٌّ: كَأَسَدٍ لِشُجَاعٍ" لِعَلاقَةِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْجُرْأَةُ٥، فَكَأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ بِاعْتِبَارِهِمْ النَّقْلِ لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ وَضَعُوا الاسْمَ ثَانِيًا لِلْمَجَازِ.
- - "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: مَجَازٌ "عُرْفِيٌّ" وَهُوَ نَوْعَانِ:
-
نَوْعٌ "عَامٌّ، كَدَابَّةٍ لِمَا دَبَّ" فَإِطْلاقُهَا٦ عَلَى ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي اللُّغَةِ، مَجَازٌ فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الدَّابَّةِ فِي الْعُرْفِ لِذَاتِ الْحَافِرِ، فَإِطْلاقُهَا عَلَى كُلِّ مَا دَبَّ مَجَازٌ فِيهِ.
- vol. 1, p. 180
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ: مَجَازٌ خَاصٌّ، كَإِطْلاقِ لَفْظِ "جَوْهَرٍ" فِي الْعُرْفِ "لِـ" كُلِّ "نَفِيسٍ" انْتِقَالاً فِي الْعُرْفِ مِنْ ذَاتِ الْحَافِرِ، وَمِنْ النَّفَاسَةِ لِلْمَعْنَى الْمُتَضَمِّنِ لِذَاتِ الْحَافِرِ مِنْ الدَّبِّ فِي الأَرْضِ، وَلِلشَّيْءِ النَّفِيسِ مِنْ غُلُوِّ الْقِيمَةِ الَّتِي فِي الْجَوْهَرِ١ الْحَقِيقِيِّ.
-
- "وَ" الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَجَازٌ "شَرْعِيٌّ: كَـ" إطْلاقِ "صَلاةٍ" فِي الشَّرْعِ "لِـ" مُطْلَقِ "دُعَاءٍ" انْتِقَالاً مِنْ ذَاتِ الأَرْكَانِ لِلْمَعْنَى الْمُتَضَمِّنِ٢ لَهَا مِنْ الْخُضُوعِ وَالسُّؤَالِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ، فَكَأَنَّ الشَّارِعَ بِهَذَا الاعْتِبَارِ وَضَعَ الاسْمَ ثَانِيًا لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّغَوِيِّ٣ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، فَكُلُّ مَعْنًى حَقِيقِيٍّ فِي وَضْعٍ هُوَ٤ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعٍ آخَرَ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا بِاعْتِبَارين٥.
-
"وَيُعْرَفُ" الْمَجَازُ "بِصِحَّةِ نَفْيِهِ" كَقَوْلِكَ٦ "الشُّجَاعُ لَيْسَ بِأَسَدٍ" ، وَ "الْجَدُّ لَيْسَ بِأَبٍ" ، وَ "الْبَلِيدُ لَيْسَ بِحِمَارٍ" ؛ لأَنَّ الْحَقِيقَةَ لا تُنْفَى. فَلا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحِمَارَ لَيْسَ بِحِمَارٍ، وَإِنَّ الأَبَ لَيْسَ بِأَبٍ، وَإِنَّ الْبَلِيدَ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ٧
vol. 1, p. 181"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا "بِتَبَادُرِ غَيْرِهِ" . أَيْ تَبَادُرِ١ غَيْرِ الْمَجَازِ إلَى ذِهْنِ السَّامِعِ "لَوْلا الْقَرِينَةُ" الْحَاضِرَةُ٢.
-
"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا بِـ "عَدَمِ وُجُوبِ٣ اطِّرَادِهِ٤" أَيْ اطِّرَادِ٥ عَلاقَتِهِ، فَالْعَلاقَةُ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ} ٦ لا تَطَّرِدُ، فَلا يُقَالُ: اسْأَلْ الْبِسَاطَ وَلا الْحَصِيرَ٧.
-
"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا بِـ "الْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ" كَجَنَاحِ الذُّلِّ، وَنَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ "الْجَنَاحَ وَالنَّارَ" يُسْتَعْمَلانِ فِي مَدْلُولِهِما٨ الْحَقِيقِيِّ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ٩.
-
وَإِنَّمَا قِيلَ بِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ، وَلَمْ يُقَلْ بِتَقْيِيدِهِ، لأَنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ يقيد١٠ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَقَوْلِك: "عَيْنٌ جَارِيَةٌ" ، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ التَّقْيِيدُ فِيهِ.
- vol. 1, p. 182
"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا١ بِـ "تَوَقُّفِهِ" أَيْ تَوَقُّفِ اسْتِعْمَالِهِ "عَلَى مُقَابِلِهِ" أَيْ عَلَى الْمُسَمَّى٢ الآخَرِ الْحَقِيقِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ:
-مَلْفُوظًا بِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} ٣ أَيْ جَازَاهُمْ٤ عَلَى مَكْرِهِمْ، حَيْثُ تَوَاطَئُوا عَلَى قَتْلِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ أَلْقَى، شَبَهَهُ عَلَى مَنْ وَكَلُوا٥ بِهِ قَتْلَهُ، وَرَفَعَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَتَلُوا الْمُلْقَى عَلَيْهِ الشَّبَهُ. ظَنًّا أَنَّهُ عِيسَى. وَلَمْ يَرْجِعُوا لِقَوْلِهِ "أَنَا صَاحِبُكُمْ" ثُمَّ شَكُّوا فِيهِ لَمَّا لَمْ يَرَوْا الآخَرَ، فَلا يُقَالُ: "مَكَرَ اللَّهُ" ابْتِدَاءً.
-
- أَوْ كَانَ مُقَدَّرًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} ٦، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِمَكْرِهِمْ ذِكْرٌ فِي اللَّفْظِ، لَكِنْ تَضَمَّنَهُ الْمَعْنَى، وَالْعَلاقَةُ الْمُصَاحَبَةُ فِي الذِّكْرِ٧.
-
"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا بِـ "إضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ قَابِلٍ" * كَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَاسْأَلْ الْعِيرَ وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالإِطْلاقِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ فَإِنَّ الاسْتِحَالَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٌ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا٨.
- vol. 1, p. 183
"وَ" يُعْرَفُ أَيْضًا ١ بِـ "كَوْنِهِ لا يُؤَكَّدُ" ٢ أَيْ بِالْمَصْدَرِ ٢؛ لأَنَّ التَّأْكِيدَ يَنْفِي احْتِمَالَ الْمَجَازِ٣.
-
"وَفِي قَوْلٍ، وَ" وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالْغَزَالِيِّ، وَالْمُوَفَّقِ٤، وَالطُّوفِيِّ، وَابْنِ مُفْلِحٍ، وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ: إنَّ الْمَجَازَ "لا يُشْتَقُّ مِنْهُ" ٥.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} ٦ بِمَعْنَى الشَّأْنِ مَجَازٌ٧، فَلا يُشْتَقُّ مِنْهُ آمِرٌ وَلا مَأْمُورٌ، وَلا غَيْرُهَا٨.
-
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ الأَكْثَرِ وَيَدُلُّ لَهُ٩ إجْمَاعُ الْبَيَانِيِّينَ عَلَى صِحَّةِ الاسْتِعَارَةِ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمَجَازِ، لأَنَّ الاسْتِعَارَةَ تَكُونُ فِي الْمَصْدَرِ. ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ١٠.
- vol. 1, p. 184
وَاسْتُدِلَّ عَلَى صِحَّةِ الاشْتِقَاقِ مِنْ الْمَجَازِ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ: "نَطَقَتْ الْحَالُ بِكَذَا" ، أَيْ دَلَّتْ؛ لأَنَّ النُّطْقَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الدَّلالَةِ أَوَّلاً، ثُمَّ اُشْتُقَّ مِنْهُ اسْمُ الْفَاعِلِ١ عَلَى مَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي الاسْتِعَارَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ فِي الْمُشْتَقَّاتِ.
-
"وَيُثَنَّى" الْمَجَازُ "وَيُجْمَعُ" وَمَنَعَهُمَا بَعْضُهُمْ وَأَبْطَلَهُ الآمِدِيُّ. بِأَنَّ لَفْظَ الْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ إجْمَاعًا٢.
-
"وَيَكُونُ" الْمَجَازُ "فِي مُفْرَدٍ" كَإِطْلاقِ لَفْظِ الأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ عَلَى الْبَلِيدِ، وَالْبَحْرِ عَلَى الْعَالِمِ، "وَ" يَكُونُ أَيْضًا فِي "إسْنَادٍ" عَلَى الصَّحِيحِ٣، وَعَلَيْهِ الْمُعْظَمُ. فَيَجْرِي فِيهِ، وَإِنْ لِمَ يَكُنْ فِي لَفْظَيْ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إلَيْهِ تَجَوُّزٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنَدَ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ بِلا وَاسِطَةِ وَضْعٍ. كَقَوْلِ الشَّاعِرِ٤:
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِـ ... ـيَرَ كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيْ
فَلَفْظُ "الإِشَابَةِ" حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ، - وَهُوَ تَبْيِيضُ الشَّعْرِ-، وَالزَّمَانُ الَّذِي هُوَ مُرُورُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ أَيْضًا، لَكِنْ إسْنَادُ الإِشَابَةِ إلَى الزَّمَانِ
vol. 1, p. 185مَجَازٌ، إذْ الْمُشَيِّبُ١ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَهَذَا مَجَازٌ فِي الإِسْنَادِ، لا فِي نَفْسِ مَدْلُولاتِ الأَلْفَاظِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا} ٢ {إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ} ٣، فَكُلٌّ مِنْ طَرَفَيْ الإِسْنَادِ حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَجَازُ فِي إسْنَادِ الزِّيَادَةِ إلَى الآيَاتِ، وَالإِضْلالِ إلَى الأَصْنَامِ٤، وَكَذَا {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} ٥ وَالْفَاعِلُ ٦ لِذَلِكَ فِي الْكُلِّ ٦ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
-
"وَ" يَكُونُ الْمَجَازُ "فِيهِمَا" أَيْ فِي الْمُفْرَدِ وَفِي الإِسْنَادِ "مَعًا" أَيْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك" إذْ٧ حَقِيقَتُهُ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ، لَكِنْ٨ أَطْلَقَ لَفْظَ "الإِحْيَاءِ" عَلَى "السُّرُورِ" "مَجَازًا إفْرَادِيًّا" ٩. لأَنَّ الْحَيَاةَ شَرْطُ صِحَّةِ السُّرُورِ وَهُوَ مِنْ آثَارِهَا.
-
وَكَذَا لَفْظُ "الاكْتِحَالِ" ١٠ عَلَى الرُّؤْيَةِ مَجَازٌ إفْرَادِيٌّ؛ لأَنَّ الاكْتِحَالَ ١٠: جَعْلُ الْعَيْنِ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْكُحْلِ، كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ: جَعْلُ الْعَيْنِ مُشْتَمِلَةً عَلَى صُورَةِ الْمَرْئِيِّ.
- vol. 1, p. 186
فَلَفْظُ "الإِحْيَاءِ وَالاكْتِحَالِ" حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِمَا، وَهُوَ سُلُوكُ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ، وَوَضْعُ الْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ "الإِحْيَاءِ وَالاكْتِحَالِ" فِي السُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ مَجَازٌ إفْرَادِيٌّ١، وَإِسْنَادُ الإِحْيَاءِ إلَى الاكْتِحَالِ مَجَازٌ تَرْكِيبِيٌّ. لأَنَّ لَفْظَ "الإِحْيَاءِ" لَمْ يُوضَعْ لِيُسْنَدَ إلَى الاكْتِحَالِ، بَلْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّ الإِحْيَاءَ وَالإِمَاتَةَ الْحَقِيقِيَّتَيْنِ٢ مِنْ خَوَاصِّ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
-
"وَ" يَكُونُ الْمَجَازُ فِي "فِعْلٍ" تَارَةً بِالتَّبَعِيَّةِ. كَصَلَّى بِمَعْنَى دَعَا، تَبَعًا لإِطْلاقِ الصَّلاةِ مَجَازًا عَلَى الدُّعَاءِ، وَتَارَةً بِدُونِ التَّبَعِيَّةِ، كَإِطْلاقِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِمَعْنَى الاسْتِقْبَالِ٣ نَحْوِ {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} ٤ وَ {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ٥ وَ {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} ٦ أَيْ: وَيُنْفَخُ، وَيَأْتِي، وَيُنَادِي.
-
وَإِطْلاقُ الْمُضَارِعِ٧ بِمَعْنَى الْمَاضِي٨، نَحْوُ {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} ٩، وَ {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ؟} ١٠ أَيْ مَا تَلَتْهُ، وَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟