مقدمة عمدة الطالب

360 paragraphs · vol. 2, p. 23

Page 2 of 9

  1. و "الله" علَمٌ

    خطأً مِن القولِ بخَلْق القرآن.

    vol. 2, p. 30
  2. (وهو العلوُّ) أي: لأنه يدلُّ على مسمَّاه فيُعليه ويُظهِره بعد خفائِه، أو لعلوِّه على قَسِيْمَيْه (١) ، أو لكونِه يُسنَد ولا يُسنَد إليه، أو لإمكانِ انعقادِ الكلامِ مِن نوعِه وَحْدَه.

  3. ومعناه لغةً: العَلَامةُ. وعُرفًا: ما انتقلَ بالمفهوميَّة مجرَّدًا عن الزمانِ المعيَّن وَضْعًا. والله أعلم.

  4. (و "الله، عَلَمٌ" أي: بالغلبةِ التقديريَّة لا التحقيقيَّة، والفرقُ بينهما؛ أنَّ الأولى استعمالُ اللفظِ في مفهومٍ كلِّيٍّ منحصرٍ في فردِ مع إمكانِ غيرِه، كالشمسِ من أنه كوكب نهاريٌّ ينسخ وجودُه وجودَ الليل، وليس المراد بالشمس هذا الكوكبَ الموجودَ، ولكن يُقدَّر استعمالُه في غيرِه ليصحَّ إطلاقُ الغَلبَة عليه، ولهذا سمِّيت تقديريَّةً، وهي في هذا الاسمِ كذلك، فإنَّه لم يَرِدْ إطلاقُه على فردٍ آخرَ، وأمَّا الثانية فهي استعمالُ اللفظِ في أفرادٍ كثيرةٍ لكن يغلبُ على فردٍ مِن تلك الأفرادِ، كالإِلَهِ فإنَّه في الأصلِ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غلَبَ استعمالُه على المعبودِ بحقٍّ، وسمِّيت تحقيقيَّةً؛ لتحقُّق استعمالِه في تلك الأفرادِ، ونظيرُه النَّجْمُ، فهو في الأصلِ يُطلَق على كلِّ نجمٍ، ثم غلبَ على الثريا، قال حفيدُ السَّعْدِ (٢) : وليس هذا تعريفًا، إذ لو كان كذلك لَورَد عليه أنَّه غيرُ مانعٍ؛ لأنَّه يَدخل فيه حينئذٍ غيرُ لفظِ اللهِ مِن مرادفاتِه الفارسيَّةِ وغيرِها، إذ يَصدُق عليها أنَّها اسمٌ لما ذُكرَ؛ لأنَّ مِن شرطِ التعريفِ أن يكون جامعًا

    vol. 2, p. 31. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  5. للذَّاتِ

    مانعًا، إلا أن يُقال: إنَّه لبيانِ الموضوعِ، فلا انتقاضَ حينئذٍ بما ذُكر، وذكرُ الوصفين للإشارةِ إلى استجماعِ الذاتِ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، وليسا داخلَين في الموضوعِ له، أمَّا الأول؛ فلكونِه أكملَ الصفاتِ وأشهرَها اختصاصًا بجنابِه تعالى، وأما الثاني؛ فلبيانِ سَببِ حصرِ الجنسِ المستفادِ مِن "الحمد لله" .

  6. "تنبيه" : دلالةُ لفظِ اللهِ على الذاتِ العَليَّة مطابقيَّة لا تضمُّنٌ ولا التزامٌ، ويَرِدُ عليه أنَّ الدلالةَ المطابقيَّةَ تستلزمُ التصوُّر، وتصورُ ذاتِه مستحيلٌ، فلا تكون دلالتُه عليه مطابقيَّةً، وحيئنذٍ فتخرجُ عن الدلالاتِ الثلاثِ؟.

  7. ويجابُ عنه: بأنَّ المرادَ بالتصوُّر هنا مجرَّدُ الشعورِ بوجودِ الذاتِ العليَّة المدلولِ عليها بهذا اللفظِ، لا حصولُها وانتقاشُها وانطباعُها وارتسامُها في الذهنِ، فالمطابقةُ تستلزمُ التصوُّرَ الأعمَّ مِن الحقيقيِّ والمجاز؛ إذ معنى التصوُّر حقيقةً: حصولُ صورةٍ في الذهن. ومجازًا: الشعور بوجود الشيء. فإطلاقُ التصوُّر على الشعورِ مجازٌ مرسَل، علاقتُه المجاوزة؛ لأنَّ الشعورَ وصولُ النفسِ إلى بعضِ المعنى، والتصورَ وصولٌ إلى المعنى بتمامه، والوصولان يتجاوزان، فافهمه. وفيه أنَّ الدلالةَ هي كونُ أمرٍ بحيث يُفهَم منه أمرٌ وإنْ لم يُفهَم بالفعل، فالدلالةُ لا تستلزمُ التصوُّرَ (١) .

  8. (للذات) اللامُ بمعنى "على" ، أي: على الذاتِ أي: عَلَمٌ على الفردِ الخالقِ للعالَم بقَطْع النظرِ عن الصفات، وإلَّا لَما أفادَ التوحيدَ؛ لأنَّ الصفاتِ كليَّةٌ، وهذا في أصل الوضْعِ، ثم صارَ دالًّا في الاستعمالِ على الصفات؛ نظرًا للوجودِ لا بالوضْع، وتاؤها ليست للتأنيثِ بل للوحدةِ، ولهذا وُصفتْ بالواجبِ الوجود على اللفظِ المذكور، والمراد بها الهويَّة الخارجيَّة لا الحقيقيَّةُ، ولا ما قابَل الصفةَ.

  9. فإن قلتَ: ذاتُه تعالى لا تُدرَك بالعَقْل فكيفَ وُضِعَ لها العَلَمُ؟

  10. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 32
  11. الواجبِ الوجود لذاتهِ، المستحِقِّ لجميعِ الكمالاتِ. وهو

    أجيب: بأنَّه يكفي إدراكُها بتعقُّل صفاتِها، هذا إن قلنا: إنَّ الواضعَ غيرُ اللهِ تعالى، أمَّا إن قُلنا: إنَّ الواضعَ هو اللهُ تعالى -وهو الراجحُ- فلا إشكالَ.

  12. (الواجب الوجود) أي: وجودُه واجبٌ، أي: واجبٌ عقلًا، أي: إنَّ العقلَ لا يُصوِّر عدَمَه، بل لا يُمكن إلا أنْ يُصوِّر وجودَه وجودًا لا أوَّلَ له ولا انقطاعَ، أي: يَحكم بأنَّه موجودٌ أزَلًا وأَبَدًا، ويَحكُم أنَّ وجودَه لا يفتقرُ إلى غيرِه، فلا يحتاجُ في وجودِه ولا إيجادِة إلى غيرِه. وقال بعضُهم: معنى واجبِ الوجودِ: هو الذي يكون وجودُه مِن ذاتِه، لكنْ ليس المرادُ أنَّه كان معدومًا وأوْجَدَتْه ذاتُه، بل المرادُ أنَّه موجودٌ بوجودٍ هو يَعْلمُ به، ليس مسبوقًا بالعَدمِ، وليس وجودُه ناشئًا عن شيءٍ، راجِع ما ذكره النُّور الشَّبْرامَلِّسِي (١) في "حواشي الرَّمْلِي" عَبَّر فقال: واجبُ الوجودِ وهو الذي وجودُه مِن ذاتِه، لكن بالتأويلِ المتقدِّم. وبعضُهم عبَّر فقال: واجبُ الوجودِ هو الذي وجودُه ليس مِن غيره. تأمَّل شيخنا سجيني (٢) .

  13. (لذاتِه) متعلِّق بـ "الواجِب" إشارةً إلى أنَّ وجوبَ وجودِه بالذاتِ لا بالغيرِ، فخرجَ واجبُ العَدَم لذاتِه، كشريكِ الباري وغيرِهما، ومُمْكِنُ الوجودِ والعَدَمِ، كالخلائقِ.

  14. (وهو) أي: لفظُ "اللهِ" أعظمُ أسمائِه تعالى؛ لأنَّه مركزُها الذي عليه دورانُها، ومن ثَمَّ

    vol. 2, p. 33. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  15. عربيٌّ مشتقٌّ عند سيبَويْه (١) ، واشتقاقُه من أَلِهَ- كعَلِمَ- إذا تحيَّر؛ لتحيُّر الخلقِ في كُنْهِ ذاته تعالى وتقَدَّس. وهو الاسمُ الأعظَمُ عند أكثرِ أهلِ العلمِ. وعدمُ الاستجابةِ لأكثرِ النَّاسِ معَ الدعاءِ به؛ لعدمِ بعضِ شروطِهِ التي مِن أهمِّها: الإخلاصُ، وأكلُ الحلالِ.

  16. حكى سيبويه الإجماعَ على أنَّه أعرفُ المعارفِ، وقد رُئيَ في المنامِ، فقيل: ما فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فقال: فعلَ بي خيرًا، وغفرَ لي وأدخلني الجنةَ، بجَعْلي اسمَه تعالى أعرفَ المعارفِ (٢) . وذُكر في القرآنِ العظيمِ في ألفينِ وثلاثِ مئةٍ وستينَ موضعًا (٣) ، ومن ثَمَّ لم يُشارَك فيه سبحانه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] .

  17. (عربيٌّ) عند الأكثرِ مِن العلماءِ، أي: سُمِعَ مِن العربِ غيرَ مغيَّر عن أصْلٍ.

  18. مِن ألَه، مصدرُ الألَه، بفتح الهمزة واللام، بمعنى التحيُّر، وهو أَولى مِن ألِه؛ لأنَّ الصحيحَ أنَّ الاشتقاقَ مِن المصدرِ عند البصريينَ، ومن الفعل عند الكوفيين ضعيف، فهو أصلُه حُذفت همزتُه مع حركتِها؛ اعتباطًا، وعُوِّض عنها حرفُ التعريفِ الذي هو "ألْ" فصار "ألْ لَاه" ، ثُمَّ أُدغمت اللامُ في اللامِ، وفُخِّم، فصار: الله، فـ "ألْ" في الجلالةِ للتعريفِ بحسَب الأصل.

  19. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 34
  20. و "الرحمنِ" صفةٌ في الأصل بمعنى كثيرِ الرَّحمةِ جدًّا، ثم غلبَ على البالغِ في الرَّحمة غايتَها؛ وهو اللهُ تعالى.

  21. و "الرَّحيمِ" ذو الرَّحمةِ الكثيرةِ؛ فالرَّحمنُ أبلغُ منه، وأُتِيَ به؛ إشارةً إلى أنَّ [ما دَلَّ عليهِ] (١) مِن دقائقِ الرَّحمةِ -وإنْ ذُكرَ بعدَ ما دلَّ على جلائلها الذي هو المقصود الأعظم (٢) - مقصودٌ أيضًا؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّه غيرُ ملتَفَتٍ إليه.

  22. وكِلاهُما مشتقٌّ من رَحمَ، بجعله لازمًا بنقلهِ إلى بابِ فعُل -بضم العين- أو بتنزيلهِ منزلةَ اللَّازمِ؛ إذ هما صفتان مشبَّهتان، وهي لا تُشتقُّ مِن متعدٍّ.

  23. (ما دلَّ على جلائِلها) أي: الرحمة كمًّا وكَيفًا.

  24. (من رَحِم) فإن قلتَ: الراجح في الاشتقاقِ أنَّ الفعلَ والصفةَ مشتقَّانِ من المصدرِ، فكيف وكلاهُما مشتقٌّ مِن "رَحِمَ" ؟

  25. أُجيب: بأنَّ المرادَ من مادةِ: رَحِمَ، أي: مصدره، دون نفسِه، وهو الرحمةُ، بكسر الحاءِ في الماضي، كغضبانَ مِن مصدرِ غَضِب الذي هو الغضب، صفةٌ مشبَّهةٌ، غايةُ الأمرِ أنَّه اختارَ صيغةَ الماضي على المصدرِ لحكمةِ التنبيه على الحروفِ المعتبَرة في الاشتقاقِ، إذ بعضُ المصادرِ كالخروج والقَبولِ قد تشتمل على حروفٍ لا تُعتبَر فيه، والحاصلُ أنَّ الصفةَ المشبَّهة إنما تُصاغ مِن المصدر أو الفعلِ اللازمِ، و "رحم" ليس واحدًا منها.

    (أو بتنزِيله منزلةَ اللازمِ … إلخ) جوابٌ ثانٍ عن سؤال: إِنَّ الصفة المشبَّهة لا تُشتَقُّ إلا مِن لازمٍ، فكيف اشتُقَّتْ مِن متعدٍّ، أعني: رحم، وبذلك يُشعِر كلامُ جَمْعٍ؟ إذ هما صفتانِ مشبَّهتان، لم يقُل: بُنيتا للمبالغةِ، كما فعلَ غيرُه كالقاضي البيضاوي (٣)

  26. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 35
  27. ورحمتُه تعالى: صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتهِ تعالى تقتضي (١) التفضيلَ والإنعامَ. وتفسيرُها برقَّةٍ في القلبِ تقتضي الإنعامَ -كما في "الكشاف" (٢) - إنما يليق برحمةِ المخلوقِ.

  28. ونظيرُ ذلك العلم؛ فإنَّ حقيقتَهُ القائمةَ باللهِ تعالى ليست مثلَ الحقيقةِ القائمةِ

    وغيرِه؛ فرارًا مِن المحذورِ الذي ذكره الدَّماميني (٣) عن بعضِ المتأخرينَ، بقوله: إنَّ صيغَ المبالغةِ في صفاتِ اللهِ، كغفور وغفَّار، مِن المجاز، وعلَّل ذلك بأنَّ المبالغةَ أَنْ تُثبِت للشيءِ أكثرَ ممَّا يَستحقُّه، وبأنَّ المبالغةَ إنَّما تكونُ في صفاتٍ تقبَل الزيادةَ والنقصَ، وصفاتُ اللهِ منزَّهةٌ عن ذلك، وادَّعى أنَّها فائدةٌ حسنةٌ، ويشبه أن تكون غَلَطًا مِن اشتباه المبالغةِ عند أهلِ البيانِ بالمبالغةِ النَّحْويةِ التي هي الكثرةُ عندهم، المذكورة في صيغِ المبالغةِ، أو يقال: المبالغةُ باعتبارِ متعلَّق الصفةِ. ياسين (٤) وزيادة.

    (وتفسيرُها برقَّةٍ في القلب … إلخ) هذا معناها لغةً، إنَّما يَليقُ هذا التفسيرُ برحمةِ المخلوقِ لا بالرحمةِ من حيث هي، ولا بالرحمةِ المقيَّدة بالخالِق، كما أنَّ العِلْم في حقِّ

    vol. 2, p. 36. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  29. بالمخلوقِ، بل (١) نفس الإرادةِ التي يردُّ بعضُهم الرَّحمةَ إليها، هي في حقِّه تعالى مخالفةٌ لإرادة المخلوقِ؛ إذ هي ميْلُ قلبهِ إلى الفعلِ، وإرادتهُ تعالى بخلافِ ذلك. وكذا ردُّ الزمخشري لها في حقه تعالى إلى الفعلِ بمعنى الإنعامِ مع أن فعل العبدِ الاختياري إنما يكونُ لجلْبِ نفعٍ للفاعلِ، أو دفعِ ضررٍ عنه، وفعلُه تعالى يخالف (٢) ذلك، فما فرُّوا إليه فيه من المحذورِ نظيرُ ما فرُّوا منه، وبهذا يظهرُ أنَّه لا حاجةَ إلى دعوى المجازِ في رحمتِه تعالى، الذي هو خلافُ الأصلِ المقتضي لصحةِ نفيها عنه، وضَعفِ (٣) المقصودِ منها فيه كما هو شأن المجاز؛ إذ يصحُّ أن تقولَ لمن قال: زيد أسد: ليس بأسد، وليست جرأته كجرأته.

  30. والحاصل: أن الصفة تارةً تعتبر من حيث هي هي، وتارةً من حيثُ قيامُها به تعالى، وتارةً من حيثُ قيامُها بغيرهِ تعالى، وليست الاعتباراتُ الثلاثةُ متماثلةً؛ إذ ليس كمثلهِ تعالى شيءٌ، لا في ذاتهِ، ولا في شيء من صفاتهِ، ولا في شيء من

    المخلوقِ عَرَضٌ ينكشف به بعضُ المعلوماتِ، بخلافِ العِلْم المطلَق، فإنَّه صفةٌ ينكشِفُ بها الشيءُ على ما هو عليه في الواقعِ، وبخلاف العِلْم المقيَّد باللهِ تعالى، فإنَّه صفةٌ قديمةٌ وجوديَّةٌ متعلِّقَةٌ بجميعِ الواجباتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فهكذا الرحمةُ.

  31. والحاصل أن المَخلَص مِن الإشكالاتِ الحاملةِ على التأويلِ أَنْ تَعلمَ أنَّ الصفةَ لها اعتباراتٌ ثلاثةٌ:

    تارةَ تُؤخَذ من حيث هي لا بِقَيْد قيامِها بالخالق، أو المخلوقِ، وتارةً تُؤخَذ من حيث قيامُها بالخالقِ، وهي في الاعتباراتِ الثلاثةِ حقيقةٌ مع اختلافِ تلك الاعتباراتِ، وذلك كما

    vol. 2, p. 37. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  32. أفعالهِ، وهو السَّميعُ البصيرُ. فاحفظ هذه القاعدةَ فإنَّها مهمةٌ جدًّا، بل هي التي أغنَت السلفَ الصالحَ عن تأويلِ آياتِ الصفاتِ وأحادِيثها، وهي العاصمةُ لهم من أن يفْهَمُوا من الكتابِ والسنةِ مُستحيلًا على اللهِ تعالى من تجسيمٍ أو غيره. ثم بعد إثباتي لهذه القاعدةِ، رأيتُها منصوصةً في كلامِ السيدِ معينِ الدينِ الصَّفَوي (١) ، ثم رأيتُه قد سبَقَه إليها العلَّامة ابنُ القيِّم (٢) رحمه الله .

  33. في الوجودِ والحياةِ، والعِلْم والإرادة، وغيرِها، كذا تلخَّص من مذاكرةِ الشارحِ (٣) لقراءتِه البسملةَ.

  34. لا حاجةَ لدعوى المجازِ، الذي هو إطلاقُ اسمِ السببِ أو الملزومِ -وهو الميلُ النَّفساني- على المسيِّبِ أو اللازمِ- وهو فِعْلُ الإنعامِ- فهي صفةُ فِعْلٍ، ويجوز أنْ يكونَ مجازًا عن إرادةِ الإنعامِ، مِن إطلاقِ اسمِ المسيَّب أو الملزومِ -وهو إرادةُ الإنعامِ- على سببِه أو لازمِه، فيكون صفةَ ذاتٍ، ويجوز أنْ يكون من بابِ الاستعارةِ التمثيليَّة، بأن يُشبِّه حالَه تعالى بحالَةِ مَلِكٍ عطَف على رعيَّتِه ورَقَّ لهم، فعمَّهُم معروفُه، فأُطلِق عليه، وأُريد غايتُها التي هي فِعْلٌ أو إرادةُ فِعلٍ، كما مرَّ، لا مبدؤُهما الذي هو انفعالٌ، وصحَّ كونُ ذلك استعارةً تمثيليَّة، لكن وجه الشَّبَه منتَزَعٌ مِن متعدِّد، ولا تختصُّ التمثيليَّةُ بالمجازِ المركَّب، والأَوْلى ترْكُ هذه الاستعارةِ؛ لأنَّها قلَّة أدبٍ مع اللهِ؛ لأنَّ فيها تشبيهَ الكاملِ -وهو إعطاءُ اللهِ- بالناقصِ -وهو إعطاءُ العبد- وقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، أي: لا تُشبِّهوا اللهَ بخَلْقه، وفيها إثباتُ نِعَمٍ لغيرهِ مجعولةٍ أصلًا، مقابِلةً لنعمةٍ مجعولةٍ

    vol. 2, p. 38. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  35. وابتدأَ المصنِّف -رحمه الله تعالى- بالبسمَلَةِ؛

  36. فرعًا؛ وقد قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ، فالملِكُ ونِعَمُه ورعيَّتُه مِن اللهِ، هذا وقال الإمام السَّكُوني (١) في كتابه المسمَّى بـ "التمييز فيما وقَع للزمخشريِّ مِن الاعتزالِ في تفسيرِ القرآنِ العزيزِ" : قوله: إِنَّ وصْفَه تعالى بالرحمةِ مجازٌ (٢) ، اعتزالٌ وضلالٌ بإجماعِ الأمةِ؛ لأنَّ الأمةَ أجمعت على أنَّ الله تعالى رحيمٌ على الحقيقةِ، وأنَّ مَن نفى عنه حقيقةَ الرحمةِ، فهو كافرٌ، وإنَّما قال الزمخشريُّ (٣) ذلك؛ لأنَّ الرحمةَ عند المعتزلةِ: رقَّة وتغيُّر؛ لأنَّهم يُنكِرون الإرادةَ القديمةَ، ويَصرفون رحمتَه تعالى إلى الأفعال، أو إلى إرادةٍ حادثة، تَعالى اللهُ عن قولِهم، قالوا بخَلْقها لا في محلٍّ. ياسين. وبهذا يُعلم ما قرَّره الشارح في هذا المحلِّ.

  37. (وابتدأَ المصنِّفُ -رحمه الله تعالى- بالبسملةِ) ، أي: بمسمَّى هذا اللفظِ، أو بما هو منحوتٌ (٤) منه، فهو جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر، تقديرُه: كيف يقول: وابتدأَ بالبسملةِ. مع أنَّه لم يَبتدئ بلفظ بسمَلةٍ، ولا بلفظِ حَمْدَلة، بل ابتدأَ ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والحمدُ لله؟. أُجيب: بأنَّ كلامَه على حذفِ مضافٍ، أي: بمسمَّى البسمَلةِ والحمدَلةِ، وهو ما ذكر،

    vol. 2, p. 39. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  38. تأسِّيًا بالكتابِ، وعملًا بحديث: "كُلُّ أمرٍ

    أو أنَّ المعنى في البَسمَلِة والحمدَلةِ منحوتان، أي: مأخُوذان منه، ثم إنَّ تقديرَ المضافِ والتأويل المذكوران ليس ضروريًا؛ لأنَّ كلَّ حكمٍ وَرَد على اسمٍ فهو واردٌ على مدلولِه إلا بقرينةٍ.

  39. (تأسِّيًا بالكتابِ) أي: اقتداءً، علَّةٌ للبدَاءةِ مع ذِكْر فائدتِها، وهي حصولُ البركةِ في الشيء. وقوله: "بالكتاب " المفتَتَحِ بهما.

  40. (وعملًا) أي: لأَجل العملِ بحديث … إلخ، لمَّا لم يكن في الكتابِ العزيزِ أمرٌ بالإتيانِ بهما، قال: "اقتداء "، ولمَّا كان ذلك في الحديثِ قال: " عملًا "؛ لأنَّ الاقتداءَ معناه الاتِّباعُ في الفِعْل استحسانًا له مِن غير أن يُؤمَر التابع به، وأمَّا العمل فإنَّه الاتِّباع مع الأَمْرِ، أو ما معناه الأمر، وما هنا من الثاني.