باب الوضوء
383 paragraphs · vol. 2, p. 249
Page 1 of 10
- vol. 2, p. 249
باب الوضوء
مِنَ الوضاءَةِ، وهي النظافةُ. وهو -بالضَّمِّ-: اسمٌ للفعلِ. وبالفتحِ: اسمٌ للماءِ
(بابٌ الوضوء) بالتنوين، وهو خبرٌ للمبتدأ المحذوفِ، تقديرُه: هذا بابٌ يُذْكَر فيه فروضُ الوضوء، وشروطُه، وصفتُه.
-
والوضوء مبتدأٌ، خبرُه قوله: "استعمالُ ماء طهور إلخ" .
-
بضمِّ الواو، اسمُ مصدر، وهو فعلُ الطهارةِ، ومصدرُه التَّوضُّؤُ، على التعلُّم والتكلُّم، يقال: توضأْتُ بالهمز، ويجوز على قلَّةٍ: توضَّيتُ بالياء، وكذا: قَرَأتُ.
-
واختلَفوا في أنَّ الوضوءَ هل شُرع تعبُّدًا أو لمعنًى؟
فقال جماعة: هو معقولُ المعنى، والمقصودُ به النظافةُ.
وقال آخرون: هو تعبُّدِيٌّ غيرُ معقولِ المعنى؛ لأنَّ فيه مسحًا، وهو لا يفيدُ تنظيفًا، ولأنَّ التكليفَ بالتعبُّداتِ أشقُّ على النفسِ، وأدلُّ على الطاعةِ، وأَخلَصُ للعبادةِ ممَّا هو معقولُ المعنى.
-
واختلَف العلماءُ في أنَّ الأمورَ التعبديَّةَ هل شرعت لحكمة عند اللهِ خفيت علينا، أو ليس كذلك، والمقصودُ بها الامتثال للثواب؟ والأكثرون على الأول.
-
وأجمعَ العلماءُ الآن على أنَّه لا يجبُ إلا على المُحْدِث. وصرَّح به في "المنتهى" و "الإقناع" (١) اللَّذَينِ هُما عمدةُ المذهبِ.
-
واختلفوا في أنَّه هل كان واجبًا أوَّلَ الإِسلام على كلِّ قائمٍ للصلاةِ، ثمَّ نُسخ بتخصيصه بالمحدِث، أو لم يجب أوَّلًا إلا على المحدث؟ شيشيني بإيضاح.
-
(من الوضاءة) أي: هو في اللُّغةِ مأخوذٌ من الوضاءةِ (وهي النظافة إلخ) يقال: وَضُؤَ الرجل، أي: صار وَضِيئًا، أي: نظيفًا، فهو في اللُّغةِ عبارةٌ عن النظافة والحُسْنِ.
- vol. 2, p. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الذي يُتوضَّأ به. وقيل: بالفتح فيهما. وقيل: بالضَّمِّ فيهما، وهو أضعفُها (١) .
-
وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأعضاءِ الأربعةِ على صفةٍ مخصوصة (٢) .
-
والأصلُ فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، وخبر: "لا يقبلُ الله صلاةً بغيرِ طَهور" (٣) . دنوشري وزيادة. (وهو أضعفها) أي: الضَّمُّ أضعفُ اللغات، يقتضي أنَّ اللغاتِ الأربعةَ ضعيفةٌ؛ أخذًا من "أفعل" التفضيل، إلَّا أن يقال: "أفعل" التفضيل ليسَ على بابه، بل المرادُ أصلُ الفعلِ، أي: الضمُّ فيهما ضعيفٌ من اللغات، أو أنَّه على بابه بالنظرِ للفتح فيهما؛ لأنَّ الجمعَ ما فوقَ الواحدِ، كما عند الفرقيين (٤) .
-
(في الأعضاء الأربعة) التي هي الوجهُ، واليدان، والرأس، والرجلان.
-
(على صفةٍ مخصوصةٍ) من قِبَل الشارع، وهي تقديمُ غسلِ الوجهِ على اليدين، واليدينِ على مسحِ الرأس، ومسحِ الرأسِ على غَسْل الرجلين، مع الموالاة.
-
ولم يَذْكرِ المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- الإباحةَ في الحدِّ؛ استغناءً عنها بما ذَكرَه في حدِّ الطهارةِ، التي من جُمْلَتها الوضوء، وعملًا بقاعدةِ: إنَّ الشيءَ إذا أُطلِق لا يَنصرِفُ إلَّا إلى فردِه الكامل.
-
قال بعضهم في غسلِ الأعضاءِ المذكورةِ في الوضوء دون غيرِها من بقيَّةِ الأعضاء: إنَّه ليس في البدن ما يتحرَّكُ للمخالفةِ أسرعُ منها، فأمرَ بغسلِها ظاهرًا؛ تنبيهًا على الطهارة الباطنة، ورتَّبَ غسلَها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة، فأمرَ بغسلِ الوجه، وفيه الفمُ
vol. 2, p. 251. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وفُرض بمكَّة مع الصلاةِ، كما رواه ابنُ ماجه (١) ،
والأنفُ، فابتدأ بالمضمضةِ؛ لأنَّ اللسانَ أسرعُ الأعضاءِ حركةً وأكثرُها، وهو كثيرُ العطَبِ، قليلُ السلامةِ غالبًا، كما قال بعضهم:
يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانه (٢) … وليس يموتُ [المرءُ] من عثرةِ الرِّجْلِ
فعثرتُه من فيه تَرمي (٣) برأسِه … وعثرتُه بالرِّجل تَبْرَا على مهلِ (٤)
-
ثم بالأنفِ؛ ليتوبَ عما يشمُّ من المُحرَّماتِ [ثمَّ بالوجه ليتوب عمَّا نظر] (٥) ، ثمَّ باليدين؛ ليتوبَ عن البطشِ المحرَّمِ، ثمَّ خصَّ الرأسَ بالمسحِ؛ لأنَّه مجاورٌ لمَا تقعُ فيه المحرمات (٦) ، ثمَّ بالأُذُنِ؛ لسماعِ المكروهِ من الغناء، ثمَّ بالرِّجل؛ لمشيِها وسعيِها إلى ما لا ينبغي، ثمَّ أَرشدَه الشارعُ بعدَ ذلك إلى تجديدِ الإيمان، بإتيانه بالشهادتَين، واكتفَى بغسلِ هذه الأعضاء عن بقيَّة البدنِ، مع أنَّ الحدثَ يحلُّ جميعَ البدنِ، كجنابةٍ؛ للنصِّ على ذلك، واقتداءً بفعلِه ﷺ . دنوشري.
-
(وفُرِضَ بمكَّة مع الصلاة) قبل الهجرة بسنةٍ، وليسَ من خصوصيَّاتِ هذه الأمَّة، وإنَّما الخاصُّ بها: الغرَّةُ والتحجيلُ. حفيد.
- vol. 2, p. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
فآيةُ المائدةِ (١) مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لا مُؤسِّسة.
-
واختُلف هل الوضوءُ مِن خصائصِ هذه الأمَّةِ بدليل ما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لكم سيما ليست لأحدٍ مِن الأُمَمِ، تَرِدونَ عليَّ غُرًّا محجَّلينَ مِن أثرِ الوضوءِ" (٢) أو غير مختصٍّ بها، وإنَّما المختصُّ الغُرَّةُ والتحجيلُ؛ ذَهب إلى كلٍّ قومٌ.
-
(فآيةُ المائدة مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ) مفرَّعٌ على قوله: "وفُرِض بمكَّة مع الصلاةِ" وهو جوابٌ عمَّا يقال: فإن قيل: إنَّ آية الوضوءِ مدنيَّةٌ إلخ.
-
(تردون عليَّ غرًّا) وفي روايةٍ: "أنتمُ الغرُّ المحجَّلونَ يومَ القيامة، فمن استطاعَ منكم فليطلْ غرَّتهُ وتحجيلَه" (٣) .
-
والغُرُّ: البيضُ الوجوه، كالفرسِ الأغرِّ، وهو الذي في وجهِه بياضٌ. والمُحَجَّلُ: هو الذي قوائمه بيضٌ.
-
والإطالةُ على الغُرَّةِ هي غسلُ الزائدِ على الواجب في اليدين والرجلين. حفيد.
-
(أو غير مختصٍّ بها) واحتجُّوا بالحديثِ الآخر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" (٤) . وأجابَ الأوَّلونَ بضعفه، ولأنَّه لو صحَّ، احَتَمَل أنْ يكونَ خاصًّا بالأنبياءِ دونَ أُمَمِهم، لا بهذه الأمَّة.
-
ورُدَّ بأنَّه وَرَدَ أنَّهم كانوا يتوضَّؤونَ، ففي قصَّة جريج الراهب لمَّا رَموه بالمرأةِ، توضَّأ وصلَّى، ثمَّ قال للغلام: من أبوكَ؟ قال: الراعي (٥) .
- vol. 2, p. 253
فروضُه: غسل الوجهِ،
فرائض الوضوء
(فروضُه) أي: الوضوءِ ستَّةٌ، وهي جمع فَرْضٍ. وهو لغةً: الحزُّ والقَطْع (١) . وشرعًا: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُه.
-
أوَّلُها: (غَسْلُ الوجه) ؛ لقولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
-
وقد خرَّجَهُ البخاريُّ في "صحيحه" (٢) من حديثِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ، لمَّا مرَّ على الجبَّار ومعه سارة، أنَّها لمَّا دخلَتْ على الجبَّار توضأت، وصلَّت، ودَعَتِ الله عز وجل . مصنِّف (٣) .
-
(أي) فروض (الوضوء ستَّة) والفرض لغةً: التقدير، ومنه: فرضَ القاضي النفقةَ، أي: قَدَّرَهَا.
-
وشرعًا: حكمٌ لَزِمَ بدليلٍ قطعيٍّ. وقد يُقَال: هو ما يُثَابُ على فِعله، ويُعاقَبُ على تركِه، بلا عذرٍ، ويكفر جاحدُه.
-
(أي: الوضوءِ إلخ) تفسيرٌ للضمير، وقد نظمها صاحب "الإقناع" فقال:
فروض وضوءٍ غسلُ وجهٍ وبعدَه … يديه ومسحُ الكلِّ من رأسِ ذي الطهرِ
وغسلٌ لرجليه وترتيبُ فرضِه … موالاتُه ذي ستَّةٌ عدَّها تدري
فإن قيل: إنَّ آيةَ الوضوء مدنيَّةٌ بالاتِّفاق، والصلاةُ فُرِضَت بمكَّة، فيلزَمُ كونُ الصلاةِ بلا وضوءٍ إلى حين نزولها؟
- vol. 2, p. 254
ومنه فمٌ وأنفٌ،
(ومنه) أي: من الوجه (فَمٌ وأَنْفٌ) لدخولهِما في حدِّه الآتي، فلا بُدَّ مِن المضمضةِ والاستنشاقِ في الطهارتَين.
-
والجواب: أنَّ هذا اللازمَ غيرُ لازم؛ لجوازِ أنْ يثبتَ الوضوءُ بالوحيِ الغير المتلوِّ؛ لما ثَبتَ عن زيدِ بنِ حارثةَ عن النبيِّ ﷺ : "أنَّ جبريلَ أتاهُ في أوَّلِ ما أوحيَ إليه، فعلَّمه الوضوءَ والصلاةَ" . خرَّجه الإِمام أحمد (١) .
قال الشيخُ برهانُ الدين المحدِّثُ الحلبيُّ (٢) : اعلمْ أنْ الوضوءَ أوَّلُ ما فُرِض مع الصلاة. وكذلك في "المبدع" . فَدَلَّ هذا على أنَّ الوضوءَ ثبتَ بالوحي الغيرِ المتلوِّ، كما تقدَّم.
-
فائدة: المائدة مقرِّرةٌ لا مؤسِّسة. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاح.
-
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ أي: مرَّةً؛ لأنَّ أمرَ: "فاغسلوا" لا يدلُّ على التكرار.
-
(ومنه: فمٌ وأنفٌ) فالمضمضةُ والاستنشاقُ واجبان، كما أنَّ غسلَ الوجهِ فرض وواجبٌ؛ (لدخولهما في حدِّه) ولأنَّهما في حكمِ الظاهرِ، بدليل أنَّ الصائمَ لا يُفطِرُ بوصولِ شيءٍ إليهما، ويُفطرُ بعودِ القيءِ إلى باطنِه بعدَ وصوله إليهما، وأنَّه يجبُ غسلُهما من النجاسةِ، ولا يمنعُ الطهارةَ طعامٌ بينَ الأسنان. دنوشري.
- vol. 2, p. 255
وغَسلُ اليدين مع المِرْفقَينِ،
(و) ثانيها: (غَسْلُ اليدين مع المرفقَينِ) ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] .