باب السواك وغيره
159 paragraphs · vol. 2, p. 221
Page 1 of 4
- vol. 2, p. 221
(بابٌ) بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ للسِّواكِ وغيرِه.
-
(السِّواكُ) والمِسْوَاكُ -بكسر أولهما-: اسمان للعُودِ الذي يُتسوَّك به. ويطلق السِّواكُ على التسوُّك.
-
وهو شرعًا: استعمالُ عودٍ في أسنان ولثَةٍ ولسانٍ.
-
(باب السواك وغيره) أي: هذا بابٌ للسواك وغيره، أي هذا بابٌ يُذكَر فيه مسائل من أحكام التسوُّك وحكم الادِّهان والاكتحالِ وحكم الخِتان، ونحو ذلك.
-
ويُطلَق السواك على التسوُّك وهو مأخوذ من التساوك، وهو التمايلُ والتردُّد؛ لأنَّ المتسوِّكَ يردِّده في فِيه، ويحرِّكه. يقال: جاءت الإبلُ تتساوك: إذا كانت أعناقها تَضْطَرب من الهزال.
-
وأمَّا السواك فهر في الأصل مصدر: ساك، إذا دلك، ثم جُعلَ اسمًا للآلة كالمسواك. ويجُمَع السواك على سُوك ككتُب، ويقال: سُؤُك، بواوٍ مهموزة، وعليه قول القائل:
بالله إنْ جُزتَ بوادِ الأراك … وقبَّلتْ أغصانُه الخضرُ فاك
فابعثْ إلى المحبوبِ من بعضِها … فإنَّني واللهِ مالي سواك (١)
-
(وهو شرعًا) أي: معنى التسوُّكِ في الشرع، أي: في عُرفِ أهل الشرع:
(استعمالُ عود) من إضافةِ المصدر إلى آلته (في أسنان) الأَوْلَى: في فمٍ؛ ليشملَ ما إذا لم يكنْ له أسنانٌ (ولِثةٍ) بكسرِ اللام، وفتحِ المثلَّثةِ مخففة، وهي ما حولَ الأسنانِ من اللحم، كذا قال الجوهري (٢) . وقال غيره هي اللحمُ الذي نبتت فيه الأسنان، فأمَّا اللحمُ الذي يتخلَّلُ الأسنان فهو عَمْر، بفتح العين، وإسكان الميم، وجمعه: عُمُور، بالضم. ابن نصر الله. (ولسان) وسقفِ حَلْق. ويحرِّكُ يدَه بلطفٍ.
- vol. 2, p. 222
يُسنُّ التَّسوُّكُ
(يُسَنُّ التسوُّكُ) كلَّ وقتٍ. قال في "المبدع" : اتفق (١) العلماءُ على أنَّه سُنَّة مؤكَّدة؛ لحثِّ الشارعِ ومواظبتِه عليه وترغيبِه فيه. يوضِّحُه ما رَوتْ عائشةُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
وقيل: إنَّ السواكَ بالريحان يضرُّ لحمَ الفم، وكذا الطرفاءُ (٢) والآس والأعوادُ الذكيَّة. ويكونُ قد نُدِّي بماءٍ، وبماءِ وردٍ أجود، ويغسلُه بعدَه.
-
ويكرهُ التسوُّك بغيرِ المنقي، الذي لا يجرحُ، ولا يضرُّ، ولا يتفتَّت. دنوشري مع زيادة.
-
(يسنُّ التسوك) أي: فالتسوُّك بالعود المتقدِّم ذكرُه مسنونٌ مطلقًا في جميع الأوقات، وذلك (لحثِّ الشارع … إلخ) قال ابنُ عباس رضي الله عنهما : في السِّواكِ عشرُ خصال: يُذهِب الحَفَر (٣) ، ويجلو البصرَ، ويشدُّ اللِّثَة، ويُطَيِّبُ الفمَ، ويُنقي البلغمَ، وتفرحُ له الملائكة، ويرضَى له الربُّ تعالى، ويُوافق السُّنَّة، ويزيدُ في حسناتِ الصَّلاة، ويصحُّ الجسم (٤) . وزاد الترمذيُّ الحكيم: يزيدُ الحافظ حفظًا، ويثبِّتُ الشعرَ، ويصفِّي اللون.
-
ولا يبلعُ ريقَه في أوَّل استياكه، فإنَّه يُورِثُ النسيان. فال بعضُهم: ويجلو الأسنانَ ويقوِّيها، ويعينُ على الهضمِ، ويُشهِّي الطعامَ، ويُصفِّي الصوتَ، ويسهِّلُ مجاري الكلام، وينشِّطُ ويَطردُ النومَ، ويخفِّف عن الرأس وفَمِ المعدة، ويُصحُّها.
-
وزاد بعضهم: ويُزْكِي الفطنةَ، ويزيدُ في العقل، وينقي الشيب، ويقوِّي الظهرَ، ويضاعفُ الأجرَ، وأنَّه يُسهِّلُ النَّزْعَ، ويذكِّرُ الشهادةَ عند الموت.
-
وذكر في "شرح العجالة" أنَّ الصلاةَ إذا كانت بالسواكِ وبالجماعة؛ فإنَّها تكونُ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين صلاةً.
- vol. 2, p. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
"السِّواكُ مَطْهرةٌ للفمِ مَرضاةٌ للرَّبِّ" رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وابنُ خزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (١) . [ويستثنى مِن ذلكَ الصائمُ] (٢) ، ففيه تفصيلٌ يأتي.
-
(مرضاةٌ للربِّ) أي: يحصِّلُ رضى الرَّبِّ، ومعناه: إن فَعل سُنَّةَ السواك، رتَّب اللهُ عليها أنْ يعامِلَ فاعلَه بما يُعامِلُ به الراضي من رَضي عنه، أو يزيلَ به ما يريدُ به الراضي لمن رضي عنه.
-
وروى العباسُ بن عبد المطلب أنَّه دَخلَ على رسول الله ﷺ قومٌ قُلْحٌ، فقالَ لهم النبي ﷺ : "ما لي أراكم تَدخلونَ عليَّ قُلْحًا، استاكوا" (٣) . وقُلْحًا بضمِّ القاف، وإسكانِ اللام، جمعُ أَقْلَح، وهي صفرةُ الاسنان. شيشيني.
-
(والبخاري تعليقًا) والتعليقُ: حذفُ الشيخ، من ذلك "الأربعين النواوية" ؛ لأنَّه ذكر الإمام علي عن النبي ﷺ وحذف شيخَه (٤) .
-
(ويُستثنى من ذلك) أي: من كونِ السِّواك مسنونًا مطلقًا لجميع المسلمين والمسلمات، وفي جميعِ الاوقات: إلَّا لصائمٍ وصائمةٍ بعد الزوال، فيُكْرَه لهما ذلك في المشهور، ويَمتدُّ وقتُ الكراهةِ إلى الغروب.
- vol. 2, p. 224
عَرْضًا، بيُسراه،
ويَستاك (عَرْضًا) بالنسبة إلى الأَسنان؛ لما في "مراسيل" أبي داود (١) : "إذا استكتم، فاستاكوا عَرْضًا" ، ولأنَّ الاستياكَ طولًا قد يُدمِي اللِّثَة، ويفسِد الأسنانَ، [وقد قيل] (٢) : إنّه استياكُ الشيطانِ. وفي "الشرح الكبير" (٣) : إنِ استاكَ على لسانهِ أو حَلْقه، فلا بأسَ أنْ يستاكَ طُولًا؛ لخبر أبي موسى (٤) .
-
(بيُسراه) نقلَه حربٌ، كانتثاره. وحديثُ عائشةَ: "كانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التيامُنَ ما
(بالنسبة إلى الأسنان) وطولًا بالنسبة إلى فمه. مصنِّف (٥) . (لما في "مراسيل " أبي داود … إلخ) جمعُ مرسل، سماعيٌّ، والقياس: مراسل، مأخوذٌ من الإرسال، وهو الإطلاقُ، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم:٨٣] فكأنَّ المُرْسِلَ أَطلَقَ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ بجميعِ رواته، والمُرْسَلُ: ما منه صحابيٌّ سقط، بأنْ رفعَه التابعيُّ إلى النبيِّ ﷺ صريحًا أو كنايةً، قال الزرقانيُّ في " شرحه للبيقونية": واختلفوا في الاحتجاجِ بالمرسل، فذهبَ مالكٌ وأحمدُ في المشهورِ عنهما وأبو حنيفةَ، وأتباعُهم من الفقهاءِ والأصوليِّين، والمحدِّثين، إلى الاحتجاجِ به في الأحكام الفرعيَّة وغبرها، كالأمورِ الاعتقاديَّةِ، كالجنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، فإذا وجِدَ حديثٌ مرسلٌ في ذلك، يُستدَلُّ به على ذلك. (كانتثاره) بالمثلثة من النترة (٦) ، وهي طرفُ الأنفِ، وهي بيساره.
- vol. 2, p. 225
بعودٍ ليِّنٍ، مِنْ نحوِ أراكٍ.
-
استطاعَ في طهورهِ وترجُّلهِ وتنعُّلهِ وسِواكهِ " (١) . قد يُحمل على أنَّه كان يَبدأُ بِشِقِّ فمِه الأَيمنِ.
-
(بعُود ليِّنٍ) يابسٍ أو رَطْبٍ. واليابسُ المندَّى أَوْلى.
-
(من نحو أراك) كعُرجون وزيتونٍ، مُنقٍ لا يَجرحُ، ولا يَضرُّ، ولا يتفتَّتُ. [وكُره بما يَجرح أو يضرُّ أو يتفتَّتُ] (٢) ).
-
" (في طهوره) " بضمِّ الطاء، يعني الطهارة، وهي الوضوء والغسل. (وترجُّله) أي: تسريحُ الشعر ودَفنُه، كما يأتي. (كُعرْجُون وزيتون) مثالٌ لنحو الأراك، فالأراكُ أفضلُ ما يُتَسوَّكُ به؛ لفعلِه عليه الصلاة والسلام ، ثمَّ الجريد، ثمَّ الزيتون. وذكر الأزجيُّ أنَّه لا يُعَدل عن الأراك، وعن الزيتون، والعُرْجون -وهو ساعدُ النخل- إلَّا لتعذُّره. دنوشري.
-
(مُنقٍ) أي: يُشترَط في العودِ المذكور أن يُنْقيَ، أي: يُزيلَ القُلْحَ والرائحةَ الكريهةَ التي في الفم، والقُلْحُ: هي الصفرة التي على الأسنان. دنوشري. (لا يجرح ولا يضرُّ) أي: لا يجرح ولا يضرُّ ولا يتفتَّت. دنوشري. (وكُرِه بما يجرح) والذي لا يُنقي، والذي يجرحُ، كالقصبِ الفارسيِّ، والذي يضرُّ، كالريحانِ والرمَّانِ والآس، وما يتفتَّتُ في الفم.
-
ولا يتخلَّلُ أيضًا برمَّانٍ وريحانٍ ونحوه؛ لأنَّه يحرِّك عِرقَ الجُذامِ كما في الخبر (٣) ، ولا يتسوَّك أو يتخلَّلُ بما يجهلُه؛ لئلَّا يكون من ذلك.
- vol. 2, p. 226
ويُكرَه لصائمٍ بعدَ الزَّوالِ (١) .
-
(ويكره) التّسَوُّكُ (٢) (لصائمٍ) ولو واصَلَ (٣) الصوم (٤) (بعد الزوالِ) بيابسٍ أو رَطْبٍ؛ لحديث أبي هريرة يَرفعُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ" متفق عليه (٥) . وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعد الزوالِ، فاختصَّ الحكمُ به.
-
فإن قيل: لِمَ وصَف دمَ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخلوف فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ رِيْحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِن الصومِ؟
-
أجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ؛ فغايتُه أنْ يرفعَ إلى أنْ يَصيرَ طاهرًا، بخلافِ الخلوفِ.
-
ويستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوُّكِ، وإنْ كان بسواك غيره.
-
وذكر في "الرعاية" أنَّه يقولُ عند التَسوُّكِ: اللهمَّ طهِّر قلبي، ومحِّصْ ذنوبي. مصنِّف (٦) .
-
(فاختصَّ الحكمُ به) ولأنَّه أثرُ عبادةٍ مستطابٌ شرعًا، فتُستحَبُّ استدامتُه كما ينبغي استدامةُ دمِ الشهيد، فإنَّ اللونَ لونُ الدم، والريحَ ريحُ المسك (فإن قيل … إلخ) حاصلُ الإيرادِ على الحديث الشريف أنَّه وصفَ خلوفَ فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ من ريحِ المسك، ودمَ الشهيدِ بريح المسك، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ، فكانَ القياسُ أن يكونَ دمُ الشهيدِ أطيبَ من ريحِ المسك، وحاصلُ الجواب: أنَّ خلوفَ فمِ الصائمِ كانَ كذلكَ لطهارتِه في الأصل، بخلافِ دمِ الشهيد. (بخلاف الخلوف) فإنَّه طاهرٌ في الأصل، وقد نقل المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤١] أنَّه رُويَ أنَّ موسى عليه السلام وَعد بني إسرائيلَ أنْ يأتيَهم بعدَ مهلِك فرعون
vol. 2, p. 227. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ويسنُّ السِّواكُ (١) لصائمٍ (٢) بيابسٍ قبلَ الزوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحْصِي يَتسوَّك وهو صائمٌ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والبخاري تعليقًا (٣) . وقالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مِن خيرِ خِصالِ الصائمِ السِّواكُ" رواه ابن ماجه (٤) . وهما محمولان على (٥) ما قبل الزوالِ؛ لما روى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا صُمتم، فاستاكوا بالغداة، ولا
بكتابٍ منَ الله تعالى، فبه بيانُ ما يأتونَ وما يذرون، فلمَّا هلكَ سألَ ربَّه، فأمرَه بصيامِ ثلاثين، فلمَّا أتمَّ أنكرَ خلوفَ فيه، فتسوَّكَ، فقالت الملائكةُ: كنَّا نَشَمُّ من فيكَ رائحةَ المسك، فأزلتَه بالسواك، فأمرَه أن يختليَ ثلاثينَ ليلةً، يصومُ نهارَها ويقومُ ليلَها (٦) . دنوشري.
-
(وحسَّنه) أي: نقلَ تحسينه.
(البيهقيُّ … إلخ) هذا دليل الحَمْلِ.
("إذا صمتُم فاستاكوا … إلخ") هذا مقيَّدٌ، وما قبلَه مطلقٌ، فحملَا عليه، بمعنى أنَّهما يقيَّدان بقيدِه، بدليلِ قول الشارح: (وهما محمولان … إلخ) .
- vol. 2, p. 228
ويتأكَّد عندَ صلاةٍ،
تستاكوا بالعشِيِّ " (١) . ويباح له (٢) برَطْب قبْلَه.
-
(وَيتأكَّد) التسوُّك، [أي: يزدادُ طلبُه وفضيلتُه] (٣) ) (عند صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي، لأَمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ " رواه
(ويباحُ له برَطْبٍ قبْلَه) أي: قبلَ الزوال، والرَّطْب: الليِّنُ الهشُّ؛ لعدمِ وجودِ الخُلوفِ في ذلك الوقت، فأبيحَ فيه، ولم يُكرَهْ؛ لأن الرَّطْبَ مَظِنَّةُ التَّخلُّل منه، فلذا أُبيحَ به، بخلافِ اليابس، فيُستحبُّ، كما تقدَّم.
(ويتأكَّد عند صلاة … أي) يتأكدُ استحبابُ السواك في عشرة مواضع، ذكر المصنِّف منها ثلاثةً، والشارحُ ذكرَ سبعةً.
-
("لولا أنْ أَشُقَّ ") أي: خَوفَ أنْ أَشُقَّ، فـ " لولا " شرطُها ثابتٌ، وجوابُها منفيٌّ. فقولُه: " لأمرتُهم " أي: أمرَ إيجاب، وإلَّا فأمرُ النَّدبِ موجود.