فصل في الأذان والإقامة
155 paragraphs · vol. 3, p. 25
Page 4 of 4
- vol. 3, p. 48
(إلَّا في الحَيْعَلة) وهي حيَّ على الصلاةِ إلخ، فلا يُسَنُّ للسامعِ المتابعةُ، ولا للمؤذِّن أنْ يقولَ مثلَ ما يقول، وإنَّما يجيبانِه بذِكْرٍ آخرَ، فيقولان: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ. زادَ بعضُ الأصحابِ (٣) : "العليِّ العظيم" وتبعَه في "المبدع" متمسِّكًا بما في "المسند" من حديثِ أبي رافعٍ أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا سمعَ المؤذِّنَ قال مثلَ ما يقول، حتَّى إذا بلغَ: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ [العليِّ العظيم] (٤) . ورواه الطبرانيُّ في "معجمِه" (٥) .
- vol. 3, p. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- وفيها خمسةُ أوجهٍ:
-
أحدها: لا حولَ ولا قوَّةَ، بفتحهما بلا تنوين. الثانن: رفعُهما منوَّنَين. الثالث: فتحُ الأوَّل، ونصبُ الثاني منوَّنًا. الرابع: فتحُ الأوَّلِ، ورفعُ الثاني منوَّنًا. الخامس: عكسه.
-
ووجهُ المناسبةِ لقولِ ذلكَ هنا أن قوله: "حيَّ على الصلاةِ" و "حيَّ على الفلاح" طلبٌ للطاعةِ، والبعدِ عن المعصيةِ، فإذا قالَ ذلكَ، فقد أظهرَ العجزَ عن الإتيانِ بالطاعة، والبعدِ عن المعصية، وأيضًا إنَّ "حيَّ على الصلاة" خطابٌ، فإعادتهُ عبثٌ، بل سبيله [الطاعةُ] (١) ، وسؤالُ الحولِ والقوَّة، وتكونُ الإجابةُ عقِبَ كلِّ كلمةٍ.
قال في "شرح المبدع" : معنى "لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله" إظهارُ العجزِ والافتقار، وطلبُ المعونةِ من الله سبحانه وتعالى في كلِّ الأمورِ، وهو حقيقةُ العبوديَّة. وقال [أبو] الهيثم (٢) : أصلُ لا حولَ، مِنْ حَالَ الشيءُ، إذا تحرَّكَ، يقول: لا حركةَ ولا استطاعةَ إلَّا بالله.
وقال ابنُ مسعود: معناهُ: لا حولَ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّةَ على طاعِته إلَّا بمعونته (٣) . قال الخطَّابي (٤) : هذا أحسنُ ما جاءَ فيه. وعَبَّرَ عنها الأزهريُّ بالحوقلة، وتبعَه في "الوجيز" ، على أخذِ الحاءِ من حول، والقافِ من قوَّة، واللامِ من اسم الله تعالى.
- vol. 3, p. 50
وفي لفظ الإقامة: أقامها اللهُ وأدامها، وفي التثويب: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ. ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ بعد فراغه ويقول:
(و) إلَّا (في لفظِ الإقامة) أي: قولِ المقيم: قد قامتِ الصلاةُ، فيقول سامع: (أقامها اللهُ وأدامها، و) إلَّا (في التَّثْويب) وهو قولُ المؤذِّن: الصلاةُ خيرٌ من النوم، فيقول سامعٌ ": (صَدَقْتَ، وبَرِرْتَ) بكسر الرَّاء الأولى، أي: صرتَ ذا بِرٍّ، أي: خير.
-
(ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ بعد فراغه) من الأذان والإجابة (ويقول) كلٌّ منهما:
(أقامَها الله وأدامَها) والأصلُ في استحبابِ إجابةِ المقيم، ما رَوى أَبو داود (١) بإسنادهِ عن بعضِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، أن بلالًا أَخذَ في الإقامة، فلمَّا أن قال: قد قامتِ الصلاةُ. قال النبي ﷺ : "أقامَها الله وأدامَها " وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان (٢) . مصنِّف (٣) .
-
(بكسرِ الراء الأُولى) وحكيَ فتحُها. (أي: صرتَ ذا برٍّ، أى: خيرٍ) كثيرٍ. دنوشري. (بعد فراغه من الأذان) متعلِّقٌ بـ "يصلي" أي: ثُمَّ بعدَ الفراغِ من الأذانِ والإقامة (٤) ، يصلِّي
vol. 3, p. 51اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ
(اللهُمَّ ربَّ هذه الدعوةِ) بفَتْحِ الدَّال المهملة (١) ، أي: دعوة الأذان
المؤذِّنُ وسامعُه على النبيِّ ﷺ ، وفي "الرعاية" : يرفعُ بصرَه إلى السماء، ويدعو بما وردَ.
-
(اللهُمَّ ربَّ هذه الدعوةِ … إلخ) قال في "المبدع" : لما روى عبدِ الله [بن عمرو] مرفوعًا: "إذا سمعتُم المؤذِّنَ، فقولُوا مثلَ ما يقول، ثُمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً، صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثُمَّ سلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّةَ لا تنبغي أنْ تكونَ إلَّا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أنْ أكونَ أنا هو، فمن سألَ اللهَ ليَ الوسيلةَ، حلَّت له (٢) الشفاعة" رواه مسلم (٣) .
-
أصلُ اللهُمَّ: يا الله، والميمُ بدل من "يا" ، قاله الخليلُ وسيبويه (٤) ، ولا يجوزُ الجمع بينهما إلَّا في الضرورة؛ لأنَّهم لا يَجْمعونَ بين العِوَض والمعوَّض. وقال الفرَّاء (٥) : أصلُه يا الله أُمَّنَا بخيرٍ. فحذف حرفَ النداء.
-
والحكمةُ في سؤالِ ذلك -معَ كونِه واجبَ الوقوع بوعد الله تعالى- إظهارُ كرامتِه، وعظمُ منزلتِه ﷺ .
-
(أي: دعوةُ الأذانِ) سميتْ تامَّةً؛ لكمالِها، وعظمِ موقعِها، وسلامتِها من نقصِ يتطرَّقُ إليها. وقال الخطَّابيُّ: وصِفَتْ بالتَّمامِ؛ لأنَّها ذِكْرُ اللهِ، يُدعَى بها إلى طاعتِه، وهذه الأمور الأخرويَّةُ هي التي تستحقُّ صفةَ التمامِ والكمال، وما سواها من أمورِ الدنيا، فإنَّه معرَّضٌ للنقصِ والفساد. وكانُ الإمامُ أحمد يستدلُّ بهذا على: أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق. قال: لأنَّه ما من مخلوقٍ إلَّا وفيه نقصٌ. دنوشري.
- vol. 3, p. 52
التَّامَّةِ والصلاةِ القائمةِ آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ،
(التَّامَّةِ) الكاملةِ، السالمة من نقصٍ يتطرَّق إليها (والصَّلاةِ القائمةِ) التي ستقوم، وتُفعل بصفاتِها (آتٍ) -بمدِّ الهمزة وكسرِ التاء- فعلُ دعاءٍ، مبنيٌّ على حذف الياء، ومعناه: أعطِ (محمدًا) ﷺ (الوسيلةَ) أعلى منزلةٍ في الجنَّة، وهي منزلةُ رسولِ الله ﷺ ودارُه، وهي أقربُ أمكنةِ الجنَّة إلى العرش (والفضيلةَ) هي الرُّتبةُ الزائدةُ على سائرِ الخلائق،
قال شارح "الدلائل" (١) : الدَّعوة، بفتحِ الدال، والمرادُ به دعوةُ التوحيد، وهي: لا إله إلَّا الله، وهي دعوةُ الحقِّ في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] .
-
(التامَّة) وهذه روايةُ البخاريِّ (٢) .
قال شارح "دلائل الخيرات" : قولُه: "النافعة" ، الذي في البخاري: "التامة" ، ولم أرَ لفظَ: "النافعةِ" ، إلَّا فيما نسبَه ابنُ الجوزي لأحمد، والطبرانيِّ، ففيه: "الدعوة [التامة، والصلاة] (٣) النافعة" (٤) . ونفعُ هذه الدعوةِ في الدنيا والآخرة ظاهرٌ جليٌّ. ومعنى التامَّة: التي لم يدخلْها تبديلٌ ولا تغييرٌ، بل هيَ باقيةٌ إلى يومِ النشور.
وقال ابن التين (٥) : وصفت بالتَّامَّةِ؛ لأنَّ فيها أتمَّ القولِ، وهو: لا إله إلَّا الله. [والصلاة القائمة] أي: (التي ستقومُ وتُفْعَلُ) ويتَعبُّدُ بفعلِها، واقتصرَ الشارحُ على: "وتفعل" إذ (٦) فعلُها لا يكونُ إلَّا على وجهِ العبادة.
- vol. 3, p. 53
وابْعَثْهُ مَقَامًا محمودًا
أو منزلةٌ أخرى، أو تفسيرٌ للوسيلة، كما نقله في "المواهب" عن الحافظ ابن كَثير (١) (وابعَثْهُ مقامًا محمودًا
(أو تفسير للوسيلة) يعني أنَّ عطفَ الفضيلة على الوسيلة عطفُ تفسير.
-
كما نقلَه في ( "المواهب" ) وأمَّا "الدرجةُ العاليةُ الرفيعةُ" المدرجُ فيما يقال بعدَ الأذان، فلم أرَهُ في شيءٍ من الروايات. كذا قاله السخاويُّ في "المقاصد" (٢) ، والله أعلم. منه.
-
(وابعثه مقامًا محمودًا) قال ابن القيِّم: الذي وقعَ في "صحيح" البخاري وأكثرِ الكتبِ بالتنكير، وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ:
أحدها: اتفاقُ [أكثر] الرواة عليه.
-
الثاني: موافقةُ القرآن.
-
الثالثُ: أنَّ لفظَ التنكير قد يُقصَدُ [به] التعظيم (٣) .
-
الرابع: أنَّ وجودَ اللامِ تُعَيِّنُه، وتخصُّه بمقامٍ معيَّنٍ، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعددًا، ومقاماتُه المحمودةُ في الموقفِ متعدِّدَةٌ، فكانَ في التنكيرِ [من الإطلاق والإشاعة] ما ليسَ في التعريف.
-
الخامس: أنه عليه الصلاة والسلام كانَ يحافظُ على ألفاظِ القرآن تعريفًا وتنكيرًا وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظ على معانيه. ح ف.
وقال شارح "دلائل الخيرات" : مقامًا: اسمُ مصدرِ القيام، أو اسم مكانه، وعلى الأوَّل يكونُ منصوبًا على المفعول المطلق، وعلى الثاني، فقيل: إنه منصوبٌ على الظرفيَّةِ، بتقدير: ابعثُه يومَ القيامة. ويصحُّ أنْ يكون مفعولًا به، على تضمين معنى: أعطه، ويجوزُ أنْ يكون حالًا، أي: ابعثهُ ذا مقامٍ. والحاصلُ أن فيهَ أعاريبَ أربعةً.
- vol. 3, p. 54
الذي وَعَدْتَه. ويَحْرُم بعده إن أُذِّنَ -وهو في المسجد- خروجٌ منه بلا عذر.
-
الذي وعدْتَه) أي: الشفاعةَ العُظمى في موقف القيامة؛ لأنَّه يحمَدُه فيه الأَوَّلون والآخِرون، ثُمَّ يدعو هنا وعند إقامة.
-
(ويَحرُم بعدَه) أي: الأذان (ان أُذِّن وهو) أي: مَنْ وجبتْ عليه الصلاةُ مع صحَّتها منه إذَنْ (في المسجد، خروجٌ) فاعل: "يَحرُم" (منه) أي: من المسجد قَبْلَ الصلاة مع الجماعة، يعني أنَّه يَحْرُمُ على مَنْ تلزمُه الجماعةُ أنْ يخرجَ من المسجد بعدَ الأذان الواقع في وقتِ الصلاة (بلا عذرٍ) يُبيح تركَ الجماعة، كما سيأتي. أو نيَّةِ رجوعٍ إلى
ومحمودًا: نعتٌ للمقام، وهو من الإسنادِ المجازيِّ، أي: محمودًا صاحبُه، أو القائم به، وهو النبيُّ ﷺ .
-
(الذي وعدتَه) هو عطفُ بيانٍ على "مقامًا" ، ويجوزُ كونُه بدلًا، أو منصوبًا بفعل محذوفٍ، تقديرُه: أعني الذي وعدتَه، أو مرفوعًا على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: هو الذي وعدته.
-
(ثمَّ يدعو هنا وعندَ إقامة) أي: بعدها، وعندَ صعودِ الخطيب المنبر، وبينَ الخطبتين، وعندَ نزولِ الغيث، وبعدَ العصرِ يومَ الجمعةِ، فجملتها ستَّة. محمد الخلوتي.
-
(خروجٌ منه) أي: يحرمُ خروجٌ من مسجدٍ على من وجبتْ عليه الصلاة التي أذنَ لها، بعدَ الأذانِ وقبلَ الصلاةِ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : "من أدركه الأذانُ في المسجدِ، ثمَّ خرجَ، لم يخرجْ لحاجةٍ، وهو [لا] يريدُ الرَّجعةَ، فهو منافق" . رواه أَبو داود (١) .
-
ولكن التحريمُ إنما هو إذا كان الأذانُ في الوقت، أمَّا لو أذنَ للفجرِ قبلَ وقتِه، فإنَّه يجوزُ الخروج. نصَّ عليه. ح ف. (أو نيَّة رجوع) أي: يحرمُ على من سَمِعَ المؤذِّنَ وهو في
vol. 3, p. 55. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
المسجد. فلو كان الأذانُ لفجرٍ قَبْلَ وقته، أو خَرَجَ لعُذْرٍ، أو بنيَّة رجوعٍ قبل فوتِ الجماعة، لم يحرُم، والظاهرُ أنَّ وقوعَ الأذان وهو بالمسجد ليس بشرطٍ، خلافًا لما يوهِمُه كلامُه. فلو دخل المسجدَ وقتَ الصلاةِ بعد الأذان، حَرُمَ عليه الخروجُ، كما هو مقتضى كلام "الإقناع" (١) ، و "المنتهى" (٢) ، وغيرهما.
-
"تتمَّة" : لا يَصِحُّ الأذانُ بغير العربية مطلقًا. ويُكرَه القيامُ عند الأخذِ في الأذان، بل يصبرُ قليلًا؛ لئلَّا يتشبَّه بالشيطان.
-
المسجدِ الخروجُ بلا عُذرٍ أو بلا نيَّةِ رجوعٍ للمسجد، على الصحيح من المذهب، وكرهه أَبو الوفاء وأَبو المعالي، ونقلَ صالح: لا يخرج. ونقلَ أَبو طالب [: لا ينبغي] (٣) . قال الشيخ تقي الدين: إلَّا أنْ يكونَ التأذينُ للفجر قبلَ الوقتِ (٤) . كما تقدَّم.
قال صاحبُ "المنتهى" : قلت: الظاهرُ أن هذا مرادُ من أطلقَ (٥) .
-
(ويكره القيامُ عند الأخدِ في الأذان) . قال في "الإقناع" و "شرحه" (٦) : ويستحب ألا يقوم الإنسانُ إذا شرعَ المؤذِّنُ في الأذانِ، (بل يصبرُ قليلًا) الى أنْ يفرُغُ، أو يقاربَ الفراغ؛ لأنَّ [في] التحرُّكِ عند سماعِ النداءِ تشبُّهًا بالشيطان، حيثُ يفرُّ عندَ سماعِه، كما في الخبر (٧) .
- vol. 3, p. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في "الاختيارات" (١) : إذا أقيمتِ الصلاةُ وهو قائمٌ؛ يستحبُّ له أنْ يجلسَ، وإنْ لم يكْن صلَّى تحيَّةَ المسجدِ.
قال ابنُ منصور (٢) : رأيتُ أبا عبدِ الله أحمدَ يخرجُ عندَ المغربِ، فحينَ انتهى إلى موضعِ الصفِّ أخذَ المؤذِّنُ في الإقامةِ، فجلس. [انتهى] . لما روى الخلَّالُ عن عبدِ الرحمن ابنِ أبي ليلى أن النبيَّ ﷺ جاءَ وبلالٌ في الإقامةِ، فقعَدَ (٣) .