فصل في الأذان والإقامة

155 paragraphs · vol. 3, p. 25

Page 3 of 4

  1. ولا يجزئُ أذانُ امرأةٍ، لأنَّ رفعَ صوتِها منهيًّ عنه، ويحرُمُ التلذُّذ بسماعِه، فيخرُجُ عن كونِه قُربةً، فلم يَصِحّ.

    vol. 3, p. 42
  2. (أو خنثى) أي: ولا يجزئُ أيضًا أذانُ خنثى مشكلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَم هل هو ذكرٌ أو أنثى. أمَّا الخنثى الذي ظهرَتْ فيه علامةُ الرجالِ كبولِه من ذَكَرِه، أو نباتِ لحيتِه، فحكمُه حكمُ الرجالِ.

  3. (أو ظاهرُ الفسق) أي: ولا يجزئُ أيضًا أذانُ ظاهرٍ الفسق. أي: عاصٍ، ولا يُعتَدُّ به؛ لأنَّ الفاسقَ غيرُ أمينٍ، فلا يُقْبَل إخبارُه.

  4. والفسقُ لغةً: العصيانُ، والتَّرْكُ لأمرِ الله، والخروجُ عن طريقِ الحقِّ.

  5. وشرعًا: مَنْ فعلَ كبيرة، أو أكثرَ من الصغائرِ. والكبيرةُ ما فيها حدّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة. نصَّ عليه (١) . دنوشري.

  6. (ولا يجزئُ إلَّا مرتَّبًا) لأنَّه ذِكْرٌ يُتَعَبَّدُ به، فلا يجوزُ الإخلالُ بنَظْمِه، كأركانِ الصلاة، بأنْ يأتيَ بالتكبيرِ قبلَ الشهادتين، ويأتيَ بالشهادتينِ قبلَ: "حيَّ على الصلاة" ، وهلمَّ جرًّا، إلى آخرِ كلماتِ الاذان، فإنْ نكَّسَه، بأنْ عكسَ الترتيبَ، لم يَصِحّ.

  7. (متواليًا) أي: ولا يصحُّ الأذان أيضًا إلَّا متواليًا عرفًا؛ لأنَّه لا يحصلُ المقصودُ منه، وهو الإعلامُ بدخولِ الوقتِ بغيرِ موالاةٍ، ولأنَّه شُرعَ في الأصلِ كذلك، بدليلِ أنَّه عليه الصلاة والسلام عَلَّمَهُ أبا محذورة مرتَّبًا (٢) .

  8. ولو ملحَّنًا

    ويَصِحُّ أذانٌ (ولو) كان (ملَحَّنًا) أي: مطرَّبًا به

    "مسألة" : لا تُعْتَبَرُ موالاةٌ بينَ الإقامةِ والصلاة إذا أقامَ عند إرادةِ الدخولِ في الصلاة، ويجوزُ الكلامُ بينهما، وكذا بعدَ الإقامةِ وقبلَ الدخولِ فيها، رُوي ذلكَ عن عمرَ رضي الله عنه .

    vol. 3, p. 43
  9. إذا تقرَّر هذا، فإنْ تكلَّم المؤذِّنُ في أثناء أذانِه بكلامٍ محرَّمٍ ظاهرُه، ولو كان يسيرًا، كَسَبٍّ، وفُحْشٍ، وقَذْفٍ، وغيبةٍ، ونميمةٍ، ولو يسيرًا، بطلَ؛ لأنَّه فَعَلَ مُحَرَّمًا فيه، وهو يُنَافي العبادةَ، ولأنَّه قد خرجَ عن أهليَّةِ الأذانِ، كما لو ارتدَّ في أثنائه -والعياذُ بالله تعالى- أو فرَّق بين كلمات الأذان، بأنْ سكتَ سكوتًا طويلًا، ولو بنومٍ، أو إغماءٍ، أو جنونٍ، بطلَ الأذانُ، ولم يعتدَّ بهِ؛ للإخلالِ بالموالاةِ المشروطةِ فيه، فيَستأنِفُ.

  10. وكُرِه في أثناءِ الأذانِ كلامٌ يسيرٌ غيرُ المحرَّمِ، وكُرِهَ أيضًا في أثناءِ الأذانِ سكوتٌ بلا حاجة. وظاهرٌ أن السكوتَ والكلامَ المباحَ اليسيرَ لا يبطلانِه، بل هو جائزٌ؛ لأنَّ سليمانَ بنَ صُرَد -وله صحبةٌ- كانَ يأمُرُ غلامَه بالحاجة في أذانه (١) . وكُرِه السلامُ، لكن يكرهُ ذلكَ إن كانَ لغيرِ حاجةٍ.

    قال أَبو داود: قلت لأحمد: الرجلُ يتكلَّمُ في أذانِه؛ قال: نعم. قلت له: يتكلَّمُ في الإقامةِ؟ قال: لا. ولأنَّه (٢) يستحبُّ حدُرها. "منتهى" و "شرحه" .

  11. (أي: مطرَّبًا به) يقال: لحنَ في قراءته، إذا طَرَّبَ بها، وغرَّدَ.

    قال القاضي: كقراءةِ الألحان.

    قال الإمام أحمد: كلُّ شيءٍ مُحدَث أكرهه كالتطريب. ويَصِحُّ؛ لأنَّه يحصل به المقصود.

  12. وأمَّا اللَّحن: فهو الفِطنةُ والفهمُ لمَا لا يَفْطنُ له غيره، ومنه الحديث: "لعلَّ بعضَكُم ألحنُ بحجَّتِه من بعض" (٣) ، واللحنُ أيضًا: الخطأُ في الإعراب، والتلحينُ: التَّخْطِئة.

  13. وملحونًا، ويكره، ويُجزِئ من مميِّز،

    (وملحونًا) لحنًا لا يُحيل المعنى. (ويُكره) أي: الأذانُ ملحَّنًا، وملحونًا، وبطل إن أحيل المعنى.

    vol. 3, p. 44
  14. (ويجزئ) أذانٌ (من مميِّز) لصحَّة صلاته، كالبالغ. وفي "الاختيارات" (١) : أنَّ الأذانَ الذي يَسقط به فرضُ الكفاية لا بُدَّ أن يكونَ من بالغٍ حتَّى يرجع إلى خبره.

  15. والمراد هنا: التغنِّي، بحيثُ يؤدِّي إلى تغيُّرِ كلماتِ الأذانِ وكيفيَّاتِها بالحركات، والسكنات، ونقصِ بعضِ حروفِها، أو زيادةِ فيها. قاله بعضهم.

  16. (وملحونًا) أي: ويُكْرَهُ الأذانُ ملحونًا، بأن يكون فيه لحنٌ لا يحيلُ المعنى، كرفعِ تاءِ "الصلاة" ، أو نصبها، أو حاءِ: "الفلاح" . أمَّا لو أحالَ المعنى، فإنَّه لا يَصِحُّ، كما لو مدَّ همزةَ "الله" ، أو باء "أكبر" ، فإنَّ مدَّ الهمزةِ يُصَيِّرُها استفهاميَّة، ومدَّ باءِ "أكبر" يصيِّرُه جمعَ كَبَر، وهو الطبلُ الكبيرُ.

    (ويجزِئُ … من مميِّزٍ) للبالغين، وهو الذي يَفْهَم الخطابَ، وَيردُّ الجوابَ. ولا ينضبطُ بسنِّ، والصوابُ ضبطُه بالسنِّ. وهذه المسألةُ على روايتين:

    أولاهما: الصحَّةُ، نَصَرَهُ القاضي وغيرُه، وقدَّمَهُ في "المحرر" ، وجَزَمَ به في "الوجيز" معَ الكراهة؛ لما رَوى ابنُ المنذرِ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرِ بن أَنس، قال: كان عمومتي يأمرونَني أؤذِّنُ لهم، وأنا غلامٌ لم أحتلم، وأنسٌ شاهدٌ ذلك، ولم ينكره (٢) . وهذا ممَّا يظهرُ ولا يخفى، فكانَ كالإجماع، ولأنَّه ذَكَرٌ تصحُّ صلاتُه، فصحَّ أذانُه، كالبالغ.

  17. والثانية: لا يصح، قدَّمَها في "الفروع" (٣) ، واختارَها جماعةٌ، وعلَّلُوه بأنَّه لا يُقْبَلُ خبَرُه، فلم يحصُلِ الإعلامُ بأذانِه، أو بأنَّه فرضُ كفايةٍ، وفعلُه نفلٌ، وهو أَولى.

  18. وظاهرُه أنَّ المراهقَ يصحُّ أذانُه، وهو كذلك، نقلَهُ حنبل. دنوشري.

  19. ويبطلهما فَصْلٌ كثير (١) ، وكلام محرَّم.

    vol. 3, p. 45
  20. ولا يُجزئُ قبل وقتٍ إلَّا لفجرٍ بعد نصفِ ليلٍ،

    (ويُبطلهما) أي: الأذانَ والإقامةَ (فصلٌ كثيرٌ) بسكوت، أو كلامٍ، ولو مباحًا. (و) يُبطلهما (كلامٌ محرَّم) كقذفٍ ولو يسيرًا، وكُره يسيرٌ غيرُه.

  21. (ولا يجزئ) أذانٌ (قبلَ وقت) صلاةٍ؛ لأنَّه شُرع للإعلام بدخوله. ويسنُّ في أَوَّله (إلَّا لفجرٍ) فيَصِحُّ (بعدَ نصفِ ليلٍ) لحديث: "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا حتَّى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم" متَّفقٌ عليه (٢) . ويُستحب لمن أذَّن قبلَ فجرٍ أن يكون معه من يؤذِّن في الوقت، وأن يتَّخِذَ (٣) ذلك عادة؛ لئِلَّا يَغُرَّ الناسَ.

  22. ورفعُ الصوتِ بأذانٍ ركنٌ، ما لم يؤذِّن لحاضر، فبقدْر ما يسمعه.

  23. (ولا يجزئُ أذانٌ قبلَ وقت) لأنَّ الأذانَ شُرعَ للإعلامِ بدخولِ الوقت، وهو حثٌّ على الصلاة المؤدَّاةِ في وقتها، فلم يَصِحَّ في وقتٍ لا تصح (٤) [فيه] ، كالإقامة، إلَّا الأذانَ لقربِ وقتِ الفجر، فإنَّه يجوزُ قبلَ الوقتِ، كما نبَّه عليه المصنِّفُ -رحمه الله تعالى- بقوله: (إلَّا لفجرٍ بعد نصف ليل) نصَّ عليه. وفاقًا لمالكٍ والشَّافعيِّ، وإنَّما جازَ الأذانُ للفجرِ قبلَ دخولِ وقتِه؛ لأنَّه يدخلُ على الناس، وفيهمُ الجُنُبُ والنائمُ، فاسْتُحِبَّ تقديمُ أذانِه حتَّى يتهيَّؤُوا لها، فيدركوا فضيلةَ أَوَّلِ الوقتِ. وجواز الأذان للفجر قبلَ دخولِ وقته بغير كراهةٍ خاصٌّ بغيرِ فجرِ رمضان، حيثُ لم يؤذِّن له بعدَه. نبَّه عليهِ صاحبُ "المنتهى" (٥) .

  24. (ورفعُ صوتٍ بأذانٍ ركنٌ) ليحصلَ السماعُ (ما لم يوذِّن لحاضرٍ) أمَّا إذا أذَّنَ لحاضرٍ،

    vol. 3, p. 46ومن جمَع أو قضى فوائتَ، أَذَّنَ للأُولى، ثم أقام للكُلِّ.

  25. (ومن جَمع) بين صلاتين لعذر، أذَّن للأولى، وأقام لكلِّ منهما، سواءٌ كان جمعَ تقديمٍ، أو تأخير. (أو قَضَى) فرائضَ (فوائتَ أذَّن للأُولى، ثمَّ أقام للكُلِّ) أي: لكلِّ فريضة من الأولى وما بعدها. وإنْ كانتْ واحدةً، أذَّن لها وأقام. ثُمَّ إِنْ خاف تلبيسًا (١) مِنْ رَفْعِ صوتِه به، أسرَّ، وإلَّا جَهَر، فلو ترك الأذانَ لها، فلا بأس.

  26. فلا يكونُ رفعُ الصوتِ به كثيرًا ركنًا، وإنَّما يكون بقدرِ ما يسمَعُ الحاضرُ.

    قال ابن تميم (٢) : إنْ أذَّنَ لنفسِه أو لجماعةٍ حاضرين، فإنْ شاءَ رفعَ صوتَه، وهو أفضل. وإن شاء خافتَ بالكلِّ أو بالبعض.

    وقال في "الرعاية الكبرى" : ويرفعُ صوتَه إنْ أذَّن في الوقت للغائبين، أو في الصحراءِ. فزادَ: في الصحراء. وهي زيادةٌ حسنةٌ.

    وقال أَبو المعالي: رفعُ الصوتِ بحيثُ يَسمعُ من يقوم به لجماعةٍ (٣) ، ركنٌ. دنوشري.

  27. أو (أذَّن للأولى) من المجموعتين، أو الفوائت. (وأقام لكلٍّ) أي: لكلِّ صلاةٍ صلَّاها من المجموعتين أو الفوائتِ؛ لأنَّ ما بعدَ الأُولَى من المجموعتين أو الفوائتِ، صلاةٌ أذِّنَ لمُمَاثلتها، فلم يُشْرعَ لها أذانٌ. قال في "الشرح" (٤) : هذا في الجماعة، فإنْ كان وحدَه، كان استحبابُ ذلك في حقِّه أدنى (٥) ؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ للإعلام، ولا حاجةَ للإعلامِ ها هنا.

    قال ابنُ حمدان: فإنْ فرَّقَ بينهما في وقتِ الثانية بزمن طويلٍ، أذَّنَ للثانية أيضًا. ح ف.

  28. (ثمَّ إنْ خافَ تلبيسًا) بأنْ يُلَبِّسَ على الناسِ الذين يسمعونَ أذانَه برفعِ صوتِه، فيخفضه.

  29. وتُسَنُّ متابعتُهما سرًّا بمثلِه

    (وتُسنُّ متابعتهما) أي: المؤذِّنِ والمقِيم لسامعٍ ولو نفسه، أَو ثانيًا وثالثًا حيث سُنَّ، أو إنِ (١) السامعُ امرأةً، لكن لو سَمِع، وأجاب، وصلَّى في جماعة، لم يُجب الثاني؛ لأنَّه غيرُ مدعوٍّ بهذا الأذان. قاله في "المبدع" . (سِرًّا بمثله) أي: يقول السامع سرًّا مثلَ ما يقول المؤذِّن والمقيمُ، ولو في طوافٍ أو قراءةٍ.

    vol. 3, p. 47
  30. (ولو نفسه) قال في "الإنصاف" : يجيبُ نفسَه خُفْيَةً، وعليه الجمهور. فإن [في] قوله (٢) : " [و] يستحبُّ لمن سمعَ المؤذِّن" مِنْ ألفاظِ العموم (٣) .

    قال في "شرح الهداية" : وذلك ليُجْمَع له أجرُ المؤذِّنِ على الدعاءِ، والإعلانِ، وأجرُ المستمعِ الموافقِ على الإسرارِ، والإخلاص، ولهذا أحببنا للإمامِ قول: آمين، وهو القارئُ، كما أحْبَبْنا للمستمعين، فكذلك هذا.

  31. والحاصل أنَّه يسنُّ للمؤذِّنِ أنَّ يجيبَ نفسَه؛ ليَجْمَعَ بين ثوابَي الإجابةِ والأذان.

  32. (أو ثانيًا وثالثًا) أي: أو سمعَ مؤذِّنًا ثانيًا، ومؤذِّنًا ثالثًا، فـ "ثانيًا" صفة لموصوفٍ محذوفٍ، حيثُ استُحِبَّ الأذانُ ثانيًا وثالثًا؛ لسَعَةِ البلد، أو نحوها، ولم يكن صلَّى في جماعة؛ لعمومِ الخبر، فإنْ صلَّى في جماعةٍ، لم يُجِبِ الثانيَ؛ لأنَّه ليس مدعوًّا بهذا الأذان. مصنِّف بإيضاح (٤) .

  33. (سرًّا) لا جهرًا، حالٌ من "تسنُّ" .

  34. (بِمثله) أي: بمثلِ ما يقول، وتكونُ متابعةُ الإجابةِ عَقِبَ كلِّ جملةٍ، أي: لا تقارنُ ولا تتأخَّرُ.

  35. (ولو في طواف) أي: ولو كانَ السامعُ فيه.

  36. إلَّا في الحَيْعَلة، فيقول: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله.

    vol. 3, p. 48
  37. ويقضيه مصلٍّ ومُتَخَلٍّ.

  38. (إلَّا في الحَيْعَلة) أي: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح (فيقولُ) سامعٌ: (لا حوْلَ) أي: تحوُّلَ (١) من حال إلى حال (ولا قُوَّةَ) أي: قدرةَ (٢) على ذلك (إلا بالله) لأنَّه الخالقُ سبحانَه لكلِّ شيءٍ.

  39. (ويقضيه مُصَلٍّ) لئلَّا يشتغلَ عن الصلاة بما ليس منها، فإنْ أجابَه، بطَلَت بالحيعلة؛ لأنَّهُ خطابٌ لآدميٍّ، فإنْ لم يُحيعِل، لم تبطُل؛ لأنَّه ذِكْرٌ ودعاءٌ مشروعٌ فيها مثلُه، وظاهرُهُ: لا تَبْطُلُ بغيرِ الحَيعَلَةِ، وصَدَقتَ وبَرِزتَ، مطلقًا.

    قال ابن المُنَجَّى: هذا إذا نَوى به الذِّكْرَ، وإنْ نَوى به الأذانَ، وإقامةَ الشعارِ، والإعلامَ بدخولِ الوقتِ، بَطَلَت. ح ف وزيادة.

  40. (ومتخلٍّ) ويُكرَه ذلك؛ لأنَّه إذا كُرِهَ ردُّ السلامِ الواجبُ في هذه الحالة، فهذا أَولى، فيقضي المُصَلِّي والمتخلِّي ما فاتَهُما من إجابةِ المؤذِّنِ، إذا فرغَ المصلِّي من صلاتِه، وإذا خَرجَ المتخلِّي من خلائِه.