فصل في القصر
19 paragraphs · vol. 3, p. 172
- vol. 3, p. 172
(مَنْ سافر) أي: ابتدأ ناويًا (سفرًا مباحًا) أي: ليس حرامًا ولا مكروهًا، واجبًا كان، كحجٍّ وجهادٍ متعيِّنين، أو مسنونًا، كزيارةِ رَحِم، أو مستويَ الطرفين، كتجارةٍ. وكذا لو كان السفرُ المباحُ أكثرَ قصدِه، كتاجرِ قَصَدَ التجارةَ، وقَصَدَ معها أنْ يشربَ من خمرِ تلك البلدة، فإنْ تساوى القَصْدان، أو غَلَبَ المحرَّم، أو سافرَ ليَقصُر فقط، لم يجزْ له القَصْرُ.
- vol. 3, p. 173
يومَيْن فأكثرَ، فلهُ قَصْرُ رباعيَّةٍ ركعتَيْن، إذا فارق عامِرَ بيوتِ قريته (١) ، وهو أفضلُ من إتمامٍ.
-
ولا بدَّ أن يبلغَ السفرُ تقريبًا (يومين) قاصدَين، أي: معتدلَيْن بسير الأثقال ودبِيب الأقدام (فأكثرَ) برًّا أو بحرًا. واليومان: أربعةُ بُرُد، والبريدُ: أربعةُ فراسخ (٢) . (فله قَصْرُ رباعيَّةٍ ركعتَيْن) جوابُ قوله: "مَنْ سافر" فيَقصر الظهرَ، والعصرَ، والعشاءَ، إلى ركعتَين. ولا تُقصر صبحٌ؛ لأنَّها (٣) لو سقط منها ركعةٌ، بقيتْ ركعةٌ، ولا نظير لها في الفرض. ولا مغربٌ؛ لأنَّها وِترُ النهار، فإذا سقط منها ركعةٌ، بطل كونُها وترًا، وإن سقط منها ركعتان، بقي ركعةٌ، ولا نظيرَ لها في الفرض.
-
(إذا فارق) مَنْ سافرَ سَفَرًا مباحًا (عامِرَ بيوتِ (٤) قريتهِ) أي: بيوت قريته العامرةِ، داخلَ السُّورِ كانت (٥) أو خارجهُ، وليَها بيوتٌ خارجةٌ أَوْلا، وكذا إذا فارقَ خيامَ قومِه -أو ما نُسبتْ إليه عُرفًا- سُكَانُ قصورٍ وبساتينَ ونحوهم، إن لم يَنْوِ عَوْدًا، أو يَعُدْ قريبًا. فإن نواه، أو تجدَّدتْ نيَّته لحاجةٍ بدَتْ، نلا، حتَّى يرجعَ ويفارقَ بشرطهِ، أو تَنْثَني نيَّته ويسيرَ. ولا يعيدُ مَنْ قصر، ثمَّ رجع قَبْلَ استكمالِ المسافة.
-
(وهو) أي: القَصْرُ (أفضلُ من إتمامٍ) نصًا؛ لأنَّه ﷺ وخلفاءه داوموا عليه (٦) ؛ لكنْ لا يُكره الإتمامُ.
- vol. 3, p. 174
وإنْ مرَّ بوطنه، أو دخلَ وقتُ صلاةٍ عليه حضرًا، أو أقام (١) فيها، أو ذَكَرَ صلاةَ حضَرٍ بسفرٍ أو عكسَه، أو ائتمَّ بمقيمٍ، أو بمَنْ يشكُّ فيه، أو أَحرم بصلاةٍ، يلزمُه إتمامُها، ففسدتْ وأعادها،
(وإنْ مرَّ) مسافرٌ (بوطنه) لَزِمَه أنْ يُتمَّ ولو لم يكنْ له به حاجةٌ، غيرَ أنَّه طريقه إلى بلدٍ يطلبهُ، أو مرَّ ببلدٍ له به زوجةٌ، أو تزوَّج فيه، وإن لم يكن وطنَه، لَزِمه أن يُتِمَّ حتَّى يفارقَه.
-
(أو دخل وقتُ صلاةٍ عليه حضَرًا) ثمَّ سافرَ، لَزِمَه أن يتمَّ تلك الصَّلاةَ؛ لأنَّها صلاةُ حضرٍ وجبتْ تامَّةً.
-
(أو أَقام فيها) أي: في الصَّلاةِ، بأنْ (٢) نوى الإقامةَ أثناء الصَّلاة إقامةً تمنعُ القَصْرَ، لزمه أنْ يتمَّ.
-
(أو ذَكَرَ صلاةَ حضَرٍ بسفرٍ أو عكسه) بأنْ ذَكَر صلاةَ سفرٍ بحضرٍ، لَزِمَه أنْ يتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ (أو ائتمَّ) مسافرٌ (بمقيم) لَزِمَه أن يتمَّ، نصًّا؛ لما رُوي عن ابن عباسٍ: تلكَ السُّنَّة (٣) . وسواءٌ ائتمَّ به في كل الصَّلاةِ أو بعضِها، عَلِمَه مقيمًا أَوْلا. وشَمِلَ كلامُه ما لو اقتدى بمسافرٍ، فاستخلف -لعذرٍ- مقيمًا، لَزِمَ المأمومَ الإتمامُ دونَ الإمام المفارق.
-
(أو) ائتمَّ مسافر (بمن يشكُّ فيه) أي: في كونه مسافرًا، لَزِمَه أن يتمَّ ولو بان الإمام مسافرًا؛ ويكفي عِلْمُه بسفرِه بعَلامةِ سفرٍ نحو لباسٍ. ولو قال: إن قَصَرَ قَصْرتُ، وإن أتمَّ، أتممتُ. لم يضرَّ في نيَّته (أو أحرم بصلاةٍ يلزمُه إتمامُها) لكونِه ائتمَّ فيها بمقيم أو نحوه (ففسدتْ) صلاتُه (وأعادها) لزمه الإتمامُ في الإعادة؛ لأنَّها
vol. 3, p. 175أو لم ينوِ القصرَ عند إحرامِه، أو شكَّ في نيَّتِه، أو أخَّرها حتى ضاق وقتُها عنها، أو نوى إقامةً فوق عشرين صلاةً، لَزِمَه الإتمامُ.
-
وإنْ كان له طريقان،
وجبتْ كذلك، وإن ابتدأها جاهلًا حدَثه، فله القَصْرُ.
-
(أو لم ينوِ القَصْر عند إحرامه) لزمه أن يتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ، فإطلاقُ النيَّةِ ينصرفُ إليه. (أو شكَّ) إمامٌ أو غيرُه (في نيَّته) أي: في كونِه نوى القَصْرَ عند الإحرام، ولو ذكَر بعدُ أنَّه نواه، لَزِمَه أنْ يتمَّ (أو أخَّرها) أي: الصَّلاةَ بلا عذرٍ، كنوم (حتَّى ضاقَ وقتُها عنها) أي: عن فِعْلها كلِّها فيه مقصورةً، لزمه أن يتمَّ؛ لأنَّه صارَ عاصيًا بتأخيرِها متعمِّدًا بلا عُذْرٍ (أو نوى) مسافرٌ (إقامةً) مطلقةً، أو (فوقَ عشرين صَلاةً) ولو في نحوِ مفازةٍ (لَزِمَه الإتمامُ) وإلَّا، فله القَصْرُ؛ لأنَّ الذي تُحُقِّق أنَّه عليه الصلاة والسلام أقام بمكَّةَ أربعةَ أيامٍ؛ لأنَّه كان حاجًّا، ودخلَ مكَّةَ صبيحةَ رابعةِ ذي الحجَّة (١) . والحاجُّ لا يخرجُ قَبلَ يومِ التَّرْوِية.
قال الأثرم (٢) : سمعتُ أبا عبد الله يذكرُ حديثَ أنسٍ - أي: قوله: أقمنا بمكَّةَ عشرًا نقصرُ الصَّلاة. متَّفقٌ عليه (٣) - ويقول - أي: الإمامُ أحمد رحمه الله : هو كلامٌ ليس يفقهه كلُّ أحدٍ؛ أي: لأنَّه (٤) حَسَب مُقامَ النبيِّ ﷺ بمكَّة ومنًى.
-
ويُحسَبُ (٥) يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ مِنَ المدَّة.
-
(وإنْ كان له) أي: لبلدِ قَصْدِه (طريقان) أبعدُهما يبلغُ المسافة، والأقربُ لا
vol. 3, p. 176فسلكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ آخَرَ، أو حُبِس لنحوِ مطرٍ، ولمْ يَنْوِ إقامةً، أو أقام لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّتها، قَصَرَ.
-
يبلغُها (فسلك أبعدَهما) الذي يبلغُ المسافة، فله القَصْر، كما لو لم يكنْ له سِواها، أو كان الأقربُ مخوفًا، أو مُشِقًّا.
-
(أو ذكر) مسافرٌ (صلاةَ سفرٍ) بسفر (١) (آخرَ) تُقصرُ فيه الصَّلاةُ، فله قصرُها؛ لأنَّ وجوبَها وفعلَها وجدا في السَّفر المبيح؛ أشبَهَ ما لو أدَّاها فيه، أو قضاها في سفرٍ تَرَكَها فيه، فإن ذكرها في إقامةٍ تخلَّلت السفرَ، ثمَّ نسيَها حتى سافر، أتمَّها.
-
(أو حُبس) ظلمًا، أو (لنحوِ مطرٍ) كثلجٍ وبَرَدٍ، أو لمرضٍ (ولم ينو إقامةً) تمنع القَصْر -لولا المانع- فله القصرُ ما دام حَبْسُه بذلك؛ لأنَّ ابن عمرَ أقام بأذْرَبيجان (٢) ستَّةَ أشهر يقصرُ الصَّلاةَ، وقد حال الثلجُ بينه وبينَ الدخول. رواه الأثرمُ (٣) . وقيس عليه الباقي.
-
ومَنْ قَصَر المجموعتَين بوقتِ أُولاهما سفرًا، ثمَّ قدم قبلَ دخول وقتِ ثانيةٍ، أجزأه، كمن جَمَعَ بينهما (٤) كذلك بتيمُّم، ثمَّ وجد الماء وقتَ ثانيةٍ (أو أقام لقضاءِ حاجهٍ) كاستيفاءِ دَين، أو لجهاد (بلا نيَّتها) أي: الإقامةِ، وهو لا يدري متى تنقضي، (قَصرَ) سواءٌ غلب على ظنَّه كثرةُ الإقامةِ أو قلَّتُها، بعد أن يحتمل انقضاءُ الحاجة في مدَّةٍ لا تقطعُ حُكمَ السَّفر، فلو ظنَّ أنَّها لا تُقْصَر في أربعة أيَّام، لَزِمه الإتمامُ.
- vol. 3, p. 177
فصل
يجوزُ الجمعُ بين الظهرَيْن وبينَ العشاءَيْن في وقتِ إحداهما بسفرِ قَصْرٍ،