فصل في شروط صحة الجمعة
84 paragraphs · vol. 3, p. 188
Page 1 of 3
- vol. 3, p. 188
(شروطُ صحَّتِها) أي: الجمعةِ أربعة، ليس منها إذنُ الإمام:
أحدُها: (الوقتُ) لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ؛ فاشتُرط لها الوقتُ كبقيَّةِ الصَّلوات؛ فلا تصحُّ قبل الوقتِ ولا بعدَه إجماعًا. قاله في "المبدع" (١) .
-
(وهو) أي: وقتُ الجمعة (من ارتفاع الشمس قدرَ رُمْح) لقولِ عبد الله بنِ سِيْدان: شهدْتُ الجمعةَ مع أبي بكر، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ النَّهار، ثم شهدتُها مع عمرَ، فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: قد انتصفَ النهار. ثمَّ شهدْتُها مع عثمان، فكانت صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: زالَ النَّهار. فما رأيتُ أحدًا عاب ذلكَ ولا أنكَرَه. رواهُ الدَّارَقطنيُّ وأحمدُ واحتجَّ به (٢) . قال: وكذلك رُوِيَ عن ابن مسعود (٣) وجابر (٤) وسعيد (٥) ومعاوية (٦) أنهم صلُّوا قبل الزوالِ، ولم يُنْكَر.
- vol. 3, p. 189
إلى العصر.
-
فإنْ خرج قبل التحريمةِ، صلَّوا ظُهْرًا، وإلا، جمعة.
-
وحضورُ أربعينَ من أهلِ وجوبِها
ويستمر وقتُ الجمعة (إلى) دخولِ وقتِ (العَصْرِ) بلا خلافٍ. قال (١) في "المبدع" : وفعلُها بعد الزوال أفضلُ.
-
(فإنْ خرج) وقتُها (قبل التَّحريمةِ) أي: قبل أنْ يكبِّروا للإحرامِ بالجمعة (صلَّوْا ظُهرًا) قال في "الشَّرح" (٢) : لا نعلمُ فيه خلافًا (وإلا) بأنْ أحرموا بها في الوقت، صلَّوا (جمعةً) كسائر الصلوات؛ لإدراكها أداءً بتكبيرةِ الإحرام في الوقت، ولا تسقطُ بشكّ في خروجه، فإنْ بقيَ من الوقتِ قدرُ ما يجزئ من الخطبةِ والتحريمة، لزمهم فعلُها، وإلا، لم تجز.
-
(و) الشرطُ الثاني: (حضورُ أربعين) (٣) رجلًا ولو بالإمام الخطبةَ والصَّلاة (من أهل وجوبها) صفة لـ "أربعين" ، أي: أربعين كائنين ممَّنْ تلزمُهم الجمعةُ، وتقدَّم بيانُهم. قال الإمامُ أحمد (٤) : بعثَ النبيَّ ﷺ مُصعبَ بن عُمير إلى أهل المدينة، فلما كان يومُ الجمعة، جمَّع بهم، وكانوا أربعين، وكانتْ أوَّلَ جمعةٍ جُمعت بالمدينة. وقال جابر: "مضت السنَّةُ أن في كل أربعين فما فوق جمعةً، وأضحًى، وفطرًا" رواه
vol. 3, p. 190مستوطنينَ بقريةٍ.
-
وتصحُّ فيما قارَبَ البنيانَ.
-
فإنْ نقصوا قبل إتمامِها، استأنفوا ظُهرًا.
-
ويدركها مسبوقٌ بركعةٍ مع إمامِه.
-
الدارقطنيُّ، وفيه ضعفٌ (١) . قاله في "المبدع" (٢) .
-
الشرطُ الثالثُ: أنْ يكونوا (مستوطنين بقريةِ) مبنيَّةٍ بما جرت به العادةُ، فلا تتمَّمُ (٣) من مكانَين متقاربَين، ولا تصحُّ من أهلِ الخيام بيوتِ (٤) الشَّعَر ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لم يُقصدُ للاستيطانِ غالباَ، وكانتْ قبائلُ العرب حولَ النبيِّ ﷺ ولم يأمرهم بها.
-
وتصحُّ بقريةٍ خرابٍ عزموا على إصلاحِها والإقامةِ بها.
-
(وتصحُّ) أي: الجمعةُ (فيما قاربَ البنيانَ) من الصَّحراء ولو بلا عذرٍ، فلا يُشترط لها البنيان.
-
(فإنْ نقصوا) أي (٥) : الأربعون (قبل اتمامها) أي: الجمعةِ (استأنفوا ظهرًا) أي: ابتدؤوا صلاةَ الظهر إنْ لم تمكن (٦) إعادةُ الجمعةِ.
-
(ويدركُها) أي: الجمعةَ (مسبوقٌ بـ) إدراكِ (ركعةٍ) منها (مَعَ إمامِه) حيثُ أحرم بها في الوقتِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "من أدركَ ركعةً من الجمعة، فقدْ أدركَ
vol. 3, p. 191وإنْ أدركَ دونَها، أتمَّها ظُهرًا إنْ دخل وقتُه ونواه، وإلَّا، نفلًا.
-
وتقدُّمُ خُطبتَيْن، من شرطِهما حمدُ الله تعالى،
الصلاةَ " رواه الأثرمُ (١) .
-
(وإنْ أدرك) مسبوقٌ (دونَها) أي: دونَ الرَّكعة، بأن رفع الإمامُ رأسَه من الثانية، ثم دَخَلَ معه (أتمَّها ظُهرًا) لمفهومِ ما سبَق (إنْ) كان (دَخَلَ وقتُه) أي: الظهرِ (ونواهُ) عند إحرامِه (وإلَّا) بأنْ لم يدخُل وقتُ الظهرِ، أو دخل ولم يَنوِهِ، بل نوى جمعةً، فتكونُ صلاتُهُ (نفلًا) أما في الأولى، فكمن أحرمَ بفرضٍ، فبان قبل وقتِه، وأمَّا في الثانية؛ فلحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّات " (٢) .
-
(و) الشرطُ الرابع: (تقدُّمُ خُطبتيْن) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] والذكرُ هو الخطبة. ولقولِ ابنِ عمرَ: "كان النبيُّ ﷺ يخطبُ خطبتَينِ وهو قائمٌ، يَفصِلُ بينهما بجلوسٍ " متَّفقٌ عليه (٣) . وهما بَدَل ركعتَين، لا من الظهر.
-
(مِنْ شرطِهما) أي: مِنْ شرطِ صحَّةِ الخطبتَين: (حَمْدُ الله تعالى) بلفظِ: "الحمدُ
vol. 3, p. 192والصَّلاةُ على رسولِه عليه السلام ، وقراءةُ آية، والوصيةُ بتقوى الله، وحضورُ العددِ المُعتبَرِ،
لله "؛ لقولِه ﷺ : " كلُّ كلامٍ لا يُبدأ فيهِ بالحمدُ لله، فهو أجذم " رواه أبو داود (١) عن أبي هريرةَ.
-
(والصَّلاةُ على رسولهِ) (٢) محمَّدِ (عليه) الصَّلاة و (السلام) لأن كل عبادةٍ افتقرت إلى ذِكرِ الله، افتقرت إلى ذِكْرِ رسولِه، كالأذان. ويتعيَّن لفظُ الصَّلاة. [والظاهرُ أنَّ المجزئَ منها كما يجزئُ في تشهُدِ الصَّلاة] (٣) ، كما أفتى به بعضُ مشايخنا.
-
(وقراءةُ آيةٍ) كاملةٍ، لقولِ جابرِ بن سَمُرة: "كان النبي ﷺ يقرأ آياتٍ، ويذكر الناسَ " رواه مسلم (٤) . قال أحمد: يقرأ ما شاء. وقال أبو المعالي (٥) : لو قرأ آية لا تستقل بمعنًى أو حكم، كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) ﴾ [الرحمن: ٦٤] لم يَكفِ، والمذهبُ: لا بدَّ من قراءةِ آيةٍ ولو جُنُبًا، مع تحريمِها.
-
فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثم صلَّى على النبيَّ ﷺ ، أجزأ.
-
(والوصيةُ بتقوى الله) عز وجل ؛ لأنَّه المقصودُ.
قال في "المبدع" (٦) : ويبدأ بالحمد لله، ثمَّ الصلاةِ، ثمَّ الموعظةِ، ثمَّ القراءةِ في ظاهر كلامِ جماعةٍ.
-
ولا بُدَّ في كل واحدةٍ من الخطبتَينِ من هذه الأركانِ.
-
(و) مِنْ شَرْطِ صحَّةِ الخطبتَينِ: (حضورُ العددِ المُعتَبَرِ) لسماعِ القَدْرِ الواجبِ؛
- vol. 3, p. 193
والجهرُ بحيثُ يُسمِعُهم، لا الطَّهارتان وسترُ العورة، ولا أن يتولَّاهُما مَنْ يتولَّى الصَّلاةَ.
-
لأنَّه ذِكرٌ (١) اشتُرط للصَّلاةِ؛ فاشتُرط له العَدَدُ، كتكبيرةِ الإحرام. فإنْ نقصُوا، وعادوا قبل فوتِ ركنٍ منها، بَنَوا.
-
وإنْ كثُر التَّفريقُ، أو فات منها رُكن، أو أحدثَ فتطهر، استأنف مع سعةِ الوقتِ، ويشترطُ أيضًا لهما الوقتُ، وأنْ يكونَ الخطيبُ يصلحُ إمامًا فيها.
-
(و) مِن شَرطِ صحَّةِ الخطبتَين: (الجَهْرُ) بهما (بحيثُ يُسمِعُهم) - [بضمِّ أوَّله] (٢) - أي: يُسمعُ الخطيبُ الجماعةَ المعتبرَ حضورُهم القَدرَ الواجبَ من الخطبتين (٣) ، حيثُ لا مانعَ، كنوم، أو غفلةٍ، أو صمَمِ بعضهم. فإنْ لم يَسمعوا لخفضِ صوتِه أو بُعدِهم عنه ونحوِه، لم تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصُودِ.
-
[ومِنْ شرطِهما أيضًا: النيَّةُ والاستيطانُ للقَدرِ الواجبِ من الخطبتَين، والموالاةُ بينهما وبين الصَّلاة] (٤) .
-
و (لا) يُشتَرطُ لهما (الطهارتان) من الحدث والجنابة (و) لا (سَتْرُ العورة) و (٥) إزالةُ النجاسة (ولا أنْ يتولاهما مَنْ يتولَّى الصَّلاة) بل يُستَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ الخطبةَ منفصلةٌ عن الصَّلاة، أشبها الصَّلاتَيْن.
-
ولا يُشترطُ أيضًا حضورُ متولّي الصَّلاةِ الخطبةَ.
-
ويبطلهما (٦) كلامٌ محرَّم ولو يسيرًا.
- vol. 3, p. 194
وسُنَّ أنْ يخطبَ قائمًا على مِنْبَرٍ، أو (١) موضع عالٍ، ويُسلِّمَ على المأمومِيْن إذا أقبلَ عليهم،
ولا تجزئُ بغيرِ العربية مع القُدرَةِ.
-
(وسُن أن يخطبَ قائمًا على منبرٍ) لفعله عليه الصلاة والسلام (٢) -وهو بكَسر الميم من النَّبر وهو الارتفاعُ (٣) - واتخاذُه سنَّة مجمع عليها. قاله في "شرح مسلم" (٤) . ويصعَدُه على تُؤَدَةٍ (٥) إلى الدَّرجةِ التي تلي السطحَ.
-
(أو) يخطبَ على (موضعٍ عالٍ) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه، عن يمينِ مستقبلي القِبلة، أي: المحرابِ. وإنْ خطب بالأرضِ، فعَن يسارِهم.
-
(و) يُسَن للخطيب أن (يسلِّمَ على المأمومِيْنَ إذا أَقبَلَ عليهم) لقول جابر: "كان النبيّ ﷺ إذا صَعِد المنبرَ، سلَّم" رواه ابنُ ماجه (٦) . ورواهُ الأثرمُ عنْ أبو بكرٍ، وعمرَ (٧) ، وابنِ مسعودٍ (٨) ، وابنِ الزبير (٩) . ورواه النجَّاد (١٠) عن عثمان. كسلامِه على من عندَه من المأمومِينَ في خروجِه إليهم.
- vol. 3, p. 195
ويَجْلِسَ إلى فراغِ الأذان، وبين الخُطبَتيْن قليلًا، ويعتمدَ على نحوِ سَيْفٍ، ويقصدَ تلقاءَ وجهِهِ، ويقصرَ الخطبةَ،
(و) يُسَنُ أنْ (يجلسَ إلى فراغ الأذان) لقولِ ابنِ عمرَ: "كان النبيّ ﷺ يجلسُ إذا صَعِد المنبرَ حتى يفرغَ المؤذنُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ" رواه أبو داود (١) .
-
(و) أن يجلسَ (بينَ الخطبتَينِ قليلًا) لحديثِ ابن عمرَ المتقدِّم. (و) أن (يعتمدَ) الخطيبُ (على نحوِ سيفٍ) كقوسٍ أو عصًا؛ لفعله عليه الصلاة والسلام . رواه أبو داود عن الحكم بن حَزن (٢) . وفيه إشارةٌ إلى أن هذا الدين فُتِحَ به. قال في "الفروع" (٣) : ويتوجَّه (٤) باليُسرى، والأخرى بحرفِ المنبرِ، فإنْ لم يعتمدْ، أمسكَ شمالَه بيمينه، أو أرسلَهما.