فصل في صوم التطوع

31 paragraphs · vol. 3, p. 323

  1. وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديث: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له، الحسنةُ بعَشر أمثالها إلى سبعِمئةِ ضِعْفٍ، فيقول اللهُ تعالى: إلَّا الصَّومَ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (٤) وهذه الإضافةُ؛ للتَّشريفِ والتَّعظيم.

    vol. 3, p. 323
  2. (أفضلُ صومِ التَّطوع) صومُ (يوم، و) فطرُ (يوم) لأمرِه ﷺ عبدَ الله بنَ عمرٍو بذلك، قال: "وهو أفضلُ الصيام" متَّفقٌ عليه (٥) .

  3. وشَرْطُه: أنْ لا يُضعِفَ البدن، حتَّى يَعجِز عمَّا هو أفضلُ من القيام بحقوقِ الله تعالى وحقوقِ عبادِه اللازمةِ، وإلَّا، فتركُه أفضلُ.

  4. (ويسنُّ) صومُ (ثلاثة) أيَّام (من كُلِّ شهرٍ، و) يُسنُّ (كونُها) أي: الثلاثةِ، أيامَ اللَّيالي (البيض) لما رَوى أبو ذَرٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "إذا صُمْتَ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ، فصُمْ ثلاثَ عشرة، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرة" رواه الترمذيُّ وحسَّنه (٦) .

  5. وسُمِّيت بيضاءَ؛ لابيضَاضِ ليلها كلِّه بالقمر.

  6. والإثنين والخميس، وستّ من شوَّال، والأفضلُ عقبَ العيد متواليةً، وشهرُ الله المحرَّم، وآكدُهُ عاشوراء، ثمَّ تاسوعاء، وتسعُ ذي الحجة،

    (و) يُسنُّ صوم (الاثنين والخميس) لقوله ﷺ : "هما يومانِ تُعرَضُ فيهما الأعمالُ على ربِّ العالمين، وأحِبُّ أنْ يُعرَض عملي وأنا صائمٌ" رواه أحمدُ والنَّسائي (١) .

    vol. 3, p. 324
  7. (و) يُسنُّ صومُ (ستّ من شوَّال) لحديث: "من صامَ رمضان، وأتبَعَهُ ستًّا من شوال، فكأنَّما صَامَ الدَّهر" أخرجهُ مسلم (٢) . (والأفضلُ) صومُها (عقبَ العيد متواليةً) .

  8. (و) يُسنُّ صومُ (شهر الله المحرَّم) لحديث: "أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ، شهرُ الله المحرَّم" رواهُ مسلم (٣) . (وآكدُهُ عاشوراء، ثمَّ تاسوعاء) لقوله ﷺ : "لئنْ بقيتُ إلى قابلٍ، لأصومنَّ التاسعَ والعاشر" (٤) . احتجَّ به أحمد وقال: إنِ اشتبَه أوَّلُ الشهر، صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ ليتيقَّنَ صومَهما. وصومُ عاشوراء كفَّارةُ سَنَة. ويسنُّ فيه التَّوْسِعَةُ على العيال.

  9. (و) يُسنُّ صوم (تِسْع ذي الحجَّة) لقوله ﷺ : "ما مِن أيَّامٍ العملُ الصالحُ فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر" . قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهادُ في سبيل الله، إلَّا رجلًا خَرجَ بنفسِه ومالِه، فلم يَرجعْ من ذلك بشيءٍ" . رواه البخاريُّ (٥) .

  10. وأفضلُه يومُ عرفة لغيرِ حاجٍّ بها، ثمَّ يومُ الترويةِ.

    vol. 3, p. 325
  11. وكُرِهَ إفرادُ رجبٍ، والسبتِ، والجُمعة، وعيدٍ لُكفَّارٍ، بصوم،

    (وأفضلُه يومُ عرفةَ لغيرِ حاجٍّ بها) وهو كفَّارةُ سنتين؛ لحديث: "صيامُ يوم (١) عرفَة أحتسبُ على الله أنْ يكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه والسَّنَةَ التي بعده" . وقال في صيام عاشوراء: "إنَّي أحتسب على الله أن يُكفِّرَ السنة التي قبله" رواهُ مسلم (٢) .

  12. (ثمَّ) يلي يومَ عرفة في الآكَديَّة (يومُ التروية) وهو الثامن.

  13. (وكُرِهَ إفرادُ رجبٍ) بصومٍ؛ لانَّ فيه إحياءً لشعائرِ الجاهلية، فإنْ أفطرَ مِنْه، أو صامَ معه شهرًا من السُّنة، زالت الكراهةُ.

  14. (و) كُرِه إفرادُ يوم (السبت) لحديث: "لا تَصوموا يومَ السبت إلَّا فيما افتُرض عليكم" رواهُ أحمد (٣) .

  15. (و) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمعة) لقوله ﷺ : "لا تَصوموا يومَ الجُمعة، إلَّا وقبلَه يوم، أو بعدَه يومٌ" متفقٌ عليه (٤) .

  16. (و) كُرِه إفرادُ يومِ (عيدٍ لكفَّارٍ بصومٍ) وصومُ النَّيْرُوز، والمِهْرَجان (٥) ، وكلِّ يومٍ يُفردُونَه بالتَّعظِيم.

  17. ويومُ الشكِّ إنْ كان ليلتَه صحوٌ (١) .

    vol. 3, p. 326
  18. وَيحرُم صومُ يومِ عيدٍ مطلقًا، وأيَّامِ تَشْريقٍ، إلَّا عن دمِ مُتعةٍ أو قِران.

  19. ومن دخلَ في فرضٍ، حَرُم قطعُه، ولا يلزمُ إتمامُ نَفْلٍ،

    (و) كُرِه صومُ (يوم الشَّكِّ) وهو يومُ الثلاثينَ من شعبان (إنْ كانَ ليلتَه صَحْوٌ) بأنْ لا يكونَ دونَ مطلعِ الهلال تلكَ الليلة غَيمٌ ولا قَترٌ، كما تقدَّم؛ لقول عمَّار: "مَنْ صامَ اليومَ الذي يشكُّ فيه، فقد عَصَى أبا القاسم ﷺ " رواه أبو داود والترمذيُّ وصحَّحهُ، والبخاريُّ تعليقًا (٢) .

  20. (ويَحرُمُ صومُ يومِ عيدٍ) فطرٍ أو أضحى إجماعًا؛ للنَّهي المتَّفق عليه (٣) (مطلقًا) أي: سواء صامَهُما عن فَرْضٍ، أَوْ لا.

  21. (و) يَحرُم صومُ (أيَّامِ تَشريقٍ) لقوله ﷺ : "أيَّامُ التَّشْريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وذِكرٍ لله سبحانه وتعالى " رواه مسلم (٤) (إلَّا عن دمِ مُتعةٍ أو قِران) فيصحُّ صومُ أيَّام التَّشريق، لمن عَدم الهَدْيَ؛ لقول ابن عمرَ وعائشة: "لم يُرَخَّص في أيَّامِ التَّشْريقِ أنْ يُصمْنَ، إلَّا لمن لم يَجدِ الهَدْيَ" رواه البخاريُّ (٥) .

  22. (ومن دَخَل في فرضٍ) مُوَسَّعٍ من صومٍ أو غيره (حَرُم قطعُه) كالمضَيَّق، فيَحرمُ خروجُه من فرضٍ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ من عُهدَةِ الواجب متعيَّنٌ، ودخلت التَّوسِعةُ في وقته رِفْقًا، ومَظنَّةً للحاجة، فإذا شرَع، تَعيَّنتِ المصلحةُ في إتمامه.

  23. (ولا يَلزمُ إتمامُ نفلٍ) من صومٍ، وصلاةٍ، ووضوءٍ وغيرها؛ لقول عائشة: يا

    vol. 3, p. 327ولا قضاءُ فاسدِه، غيرَ حجٍّ وعُمرةٍ.

  24. وتُرجَى ليلةُ القدر في العشرِ الأخير من رمضان، وأوتارُه آكد،

    رسولَ الله، أُهْدِيَ لنا حَيسٌ (١) . فقال: "أرِيْنيه (٢) ، فلقد أصبحتُ صائمًا" فأكَل، رواه مسلمٌ وغيره (٣) . وزاد النَّسائيُّ (٤) بإسنادٍ جيِّد: "إنَّما مَثَلُ صومِ التَّطوُّع مَثَلُ الرَّجل يُخرجُ من مالهِ الصَّدقة، فإن شاءَ أمضاها، وإن شاءَ حبَسَها" .

  25. وكُرِهَ خروجُه منه بلا عُذرٍ.

  26. (ولا) يَلْزَم (قضاءُ فاسدِهِ) أي: النفل (غيرَ حجٍّ وعُمْرَةٍ) فيجبُ إتمامهما؛ لانعقادِ الإحرام لازمًا، فمتى أفسدَهُما، أو فَسَدا، لَزِمَه القضاءُ.

  27. (وتُرجَى ليلة القدر في العَشرِ الأخيرِ من رمضان) لقوله ﷺ : "تحرَّوا ليلةَ القدرِ في العَشرِ الأواخرِ من رمضان" متفقٌ عليه (٥) . وفي الصحيحين (٦) : "منْ قَامَ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" زاد أحمد: "وما تأخَّر" (٧) . وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّهُ يقدَّر فيها ما يكونُ في تلك السنة، أو لِعظَمِ قَدْرِها عند الله، أو لأنَّ للطَّاعةِ فيها قَدْرًا عظيمًا. وهي أفضلُ الليالي، وهي باقيةٌ لم تُرفَع؛ للأخبار.

  28. (وأوتارُه آكَدُ) لقوله ﷺ : "اطلبوها في العشرِ الأواخرِ في ثلاثٍ بَقَينَ، أو سبعٍ

    vol. 3, p. 328وأبلغُها ليلةُ سبعٍ وعشرين، ويكون من دعائه فيها: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبَّ العفوَ، فاعفُ عنِّي.

  29. بَقَينَ، أو تسعٍ بَقَينَ " (١) .

  30. (وأبلغُها) أي: أبلغُ الأوتارِ في الآكديَّة (ليلةُ سبعٍ وعشرين) لقولِ ابن عباس (٢) ، وأبَيِّ بن كعب (٣) وغيرِهما. وحكمةُ إخفائها؛ ليجتَهِدوا في طَلَبها.

  31. ويُكثر فيها من الدُّعاء؛ لأنَّه مستجابٌ (ويكون من دعائه فيها) ما وَردَ عن عائشة قالت: يا رسولَ الله، إنْ وافقتُها فبمَ أدعو؟ قال: "قولي: (اللَّهمَّ إنَّك عفوٌ تحبُّ العفوَ، فاعْفُ عنِّي) " رواه أحمدُ وابنُ ماجه (٤) ، وللترمذيِّ معناه وصحَّحه (٥) . ومعنى العفو: التركُ.