باب الإحرام

97 paragraphs · vol. 3, p. 343

Page 1 of 3

  1. الإحرامُ: نيَّة النُسُكِ. سُنَّ لمريدهِ غُسْلٌ أو تيمُّمٌ لعُذْرٍ، وتنظُّفٌ، وتطيُّبٌ،

    (بابٌ) بالتَّنوينِ (الإحرامُ) لغةً: نيَّةُ الدخول (١) في التَّحريمِ؛ لأنَّه يُحرّمُ على نفسهِ ما كانَ مُباحًا قبلَ الإحرامِ من نكاحٍ وطِيبٍ ونحوِهما.

    vol. 3, p. 343
  2. وشَرعًا: (نيَّهُ النُّسُكِ) أي: نيّةُ الدُّخولِ فيه (٢) ، لا نيَّتُه أنْ يحج أو يعتمرَ.

  3. (سُنَّ لمريدِه) أي: مريدِ الدُّخولِ في النُّسكِ من ذكرٍ و أنثى (غُسْلٌ) ولو حائضًا و (٣) نفساءَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ أسماءَ بنتَ عُميس -وهي نُفساءُ- أنْ تغتسلَ. رواه مسلم (٤) . وأمرَ عائشةَ أنْ تغتسلَ لإهلالِ الحجِّ، وهي حائضٌ (٥) . (أو تيمُّمٌ لعُذرٍ) كعدمِ الماءِ، أو تعذُّرِ استعمالِه لنحوِ مرض.

  4. (و) سُنَّ له أيضًا (تنظُّفٌ) بأخذِ شعرٍ، وظفرٍ، وقطعِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلَّا يحتاجَ إليه في إحرامِه، فلا يتمكَّن منه.

  5. (و) سُنَّ له أيضًا (تطيُّبٌ) في بدنِه بمسكٍ، أو بَخورٍ، أو ماءِ وردٍ ونحوِهما؛ لقولِ عائشةَ رضي الله عنها : كنتُ أطيِّبُ رسولَ الله ﷺ لإحرامِه قبلَ أن يُحرمَ، ولحلِّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ (٦) . وقالت: كأنِّي أنظرُ إلى وَبيص المِسْكِ في مَفارقِ رسول الله ﷺ

    vol. 3, p. 344وتجرُّدٌ عن مَخِيْطٍ في إِزارٍ ورداءٍ أبيضَيْنِ نظيفَيْنِ،

    وهو محرِمٌ. متفقٌ عليه (١) .

  6. وكرِهَ أنْ يتطيَّبَ في ثوبِه، وله استدامةُ لُبسِه ما لم ينزِعْه، فإنْ نزعَه، فليسَ له أنْ يلبسَه قبلَ غَسل الطِّيبِ منه. ومتى تعمَّدَ مسَّ ما على بدنِه منَ الطِّيبِ، أو نحَّاه عن موضِعِه، أَثِمَ وفَدَى، لا إنْ سالَ بعَرَقٍ أو نحوِ شمسٍ.

  7. (و) سُنَّ له أيضًا (تجرُّد) ذكرٍ (عن مَخيطٍ) وهو: كلُّ ما يخاطُ على قدْرٍ الملبوسِ عليه، كالقميصِ والسَّراويلِ. قال المصنِّفُ (٢) : وكذا الدِّرعُ ونحوه ممَّا يصنعُ من لِبْدٍ ونحوِه على قدْرِ الملبوسِ عليه، وإن لم يكنْ فيه خياطةٌ. انتهى؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام تجرَّدَ لإهلالِه. رواه الترمذي (٣) .

  8. وسُنَّ له أيضًا أنْ يُحرمَ (في إزارٍ ورداءٍ أبيضينِ نظيفين) ونعليْن؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام : "وليُحرِمْ أحدُكم في إزارٍ، ورداءٍ، ونعلَين" رواه أحمد (٤) . والمرادُ بالنَّعلينِ التاسومة (٥) ، ولا يجوزُ له لبسُ السَّرْمُوزة (٦) والجُمْجُمِ، قالَه في "الفروع" (٧) .

  9. وإحرامٌ عَقِبَ صلاةٍ.

    vol. 3, p. 345
  10. ونيَّتُه شرطٌ، ويُستحبُ قولُه: اللَّهمَّ إنِّي أريدُ نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْهُ لي وتقبَّلْه مِنِّي، وإنْ حبَسني حابسٌ، فمحِلِّي حيثُ حبَستني.

  11. وفي "القاموس" (١) : الجُمْجُمُ: المداسُ، معرَّبٌ.

  12. (و) سُنَّ (إحرامٌ عَقبَ صلاةِ) فرضٍ أو نفلٍ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام أَهلَّ دُبُرَ صلاةٍ. رواه النَّسائي (٢) .

  13. (ونيَّتُه شرطٌ) فلا يصيرُ محرِمًا بمجرَّدِ التَّجرُّدِ، أو التَّلبيةِ، من غير نيَّةِ الدُّخولِ في النُّسُكِ؛ لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيات" (٣) . (ويُستحبُّ قولُه: اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ نُسُكَ كذا) أي: يُسنُّ أنْ يُعيِّنَ ما يُحرمُ به ويلفِظَ به، وأنْ يقولَ: (فيَسِّرْهُ لي، وتقبَّلْه مِنِّي) وأن يشترطَ، فيقول: (وإن حبسَني حابسٌ) أي: منعني مانعٌ من مرضٍ أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ ونحوِه (فمحِلِّي) بكسرِ الحاءِ المهملةِ: أي: مكانُ حلولي وخروجي من الإحرامِ (حيثُ حبستني) أي: مكانُ حصولِ ذلك المانع؛ لقوله ﷺ لضُباعةَ بنت الزُّبيرِ (٤) حينَ قالت له: إنِّي أريدُ الحجِّ وأجدُني وَجِعَةً. فقال: "حُجِّي واشترطي وقولي: اللَّهمَّ محِلِّي حيثُ حبستَني" متَّفقٌ عليه (٥) . زادَ النَّسائي (٦) في روايةٍ إسنادُها جيِّدٌ: "فإنَّ لكِ على ربِّكِ ما استثنيتِ" . فَمتى حُبسَ بشيءٍ ممَّا ذكرَ، حَلَّ، ولا شيءَ عليه.

  14. وأفضلُ الأنساكِ التَّمتُّعُ، بأنْ يُحرِمَ بالعُمرةِ في أشهرِ الحجِّ، وَيفرُغَ منها، ثمَّ يُحرمَ بالحجِّ في عامِه، وعليه دم إنْ كان أُفُقيًّا.

    vol. 3, p. 346
  15. ولو شرطَ أنْ يَحلَّ متى شاءَ، أو إنْ أفسدَه لم يقضِه، لم يصحَّ الشَّرطُ.

  16. ولا يبطلُ إحرامٌ بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سُكرٍ، كموتٍ، ولا ينعقدُ مع وجودِ أحدِها.

  17. والأنساكُ: تمتُّعٌ، وإفرادٌ، وقِرانٌ.

  18. (وأفضلُ الأنساكِ: التَّمتُّعُ) فالإفرادُ، فالقِرانُ. قال الإمامُ أحمدُ: لا أَشكُّ أَنَّه ﷺ كان قارِنًا، والمُتعةُ أَحبُّ إليَّ؛ لأنَّه آخِرُ ما أَمَر به ﷺ ؛ ففي الصَّحيحينِ: أَنَّه ﷺ أَمَرَ أَصحابَه لمَّا طافُوا وسَعَوْا أنْ يجعلوهَا عُمرةً، إلا مَنْ ساقَ هديًا وثبتَ على إِحرامهِ، لسوقِه الهديَ، وتأسَّفَ بقولهِ: "لو استقبلتُ من أَمري ما استدبرتُ، ما سُقتُ الهدي، ولأحللتُ معكم" (١) .

  19. والتَّمتعُ: (بأنْ يُحرمَ بالعُمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ويَفرُغُ منها، ثمَّ يُحرمَ بالحجِّ في عامه) من مكَّةَ، أو قُربِها، أو بعبدٍ منها، خِلافًا لما يُوهمُه تقييدُ "الإِقناعِ" (٢) بالقربِ منها.

  20. والإِفرادُ: أنْ يُحرمَ بحجٍّ، ثُمَّ بعُمرةٍ بعدَ فراغِهِ منه.

  21. والقِرانُ: أنْ يُحرمَ بهما معًا، أو بها، ثُمَّ يُدخلَه عليها قبلَ شروعٍ في طوافِها. ومنْ أَحرمَ به ثُمَّ أدخلَها عليه، لم يصحَّ إحرامُه بها.

  22. (و) يجبُ (عليه) أي: المتمتِّع (دم) نُسُكِ، لادمُ جُبْرَانٍ (إنْ كان أُفُقيًّا) : وهو مَنْ كان مِن مسافةِ قصرٍ فأكثرَ من الحرمِ، بِخلافِ أهلِ الحرمِ، ومَنْ منه دونَ المسافة، فلا شيءَ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكمتمتِّعٍ في وجوبِ الدَّمِ قارِنٌ.

  23. وإنْ حاضَت متمتِّعةٌ وخافتْ فوتَ الحجِّ، أحرمتْ به، وصارتْ قارنةً.

    vol. 3, p. 347
  24. وسُنَّ عَقِبَ إحرامِه تلبيةٌ، وهي: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْك، لبَّيْكَ لا شريكَ لك لبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلكَ، لا شريكَ لكَ.

  25. وشُرِطَ في دمِ تمتُّع (١) وحدَه (٢) : أنْ يُحرمَ بالعُمرةِ منْ مقياتٍ أو مسافةِ قصرٍ فأكثرَ مِنْ مكَّةَ، وأن لا يسافرَ بينَهما، فإنْ سافرَ مسافةَ قصرٍ فأحرَمَ، فلا دمَ عليه.

  26. (وإنْ حاضت) امرأةٌ (متمتِّعةٌ) قبلَ طواف العُمرةِ (وخافت فوتَ الحجِّ، أحرمتْ به) وجوبًا (وصارت قارنةً) لِما روى مسلمٌ (٣) أنَّ عائشةَ كانت متمتِّعةً فحاضتْ، فقالَ لها النبي ﷺ : "أهلِّي بالحجِّ" . وكذا لو خشيَهُ غيرُها.

  27. ومَنْ أحرمَ وأَطلقَ، صحَّ، وصرَفَه لما شاءَ. وبمثلِ ما أحرمَ فلانٌ، انعقدَ بمثلِه، وإنْ جهلَه (٤) ، جعلَه عُمرةً؛ لأنَّها اليقينُ. وصَحَّ: أحرمتُ يومًا، أو: بنصفِ نسكٍ، لا إِنْ أحرَمَ فلانٌ، فأنا محرمٌ؛ لعدِمِ جزْمِه.

  28. (وسُنَّ عَقِبَ إحرامِه تلبيةٌ، وهيَ) أي: التَّلبيةُ: (لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ) أي: أنا مقيمٌ على طاعتِك وإجابةِ أمرِكَ (لبَّيْكَ لا شريكَ لك لبَّبْكَ (٥) ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعمة لكَ والمُلكَ، لا شريكَ لكَ) روى ذلكَ ابنُ عمرَ عن رسولِ الله ﷺ في حديثٍ متَّفقٍ عليه (٦) .

  29. يَجْهَرُ بها الرَّجلُ، وتُسِرُّها (١) المرأةُ، وتتأكَّدُ إذا علا نَشَزًا، أو هَبطَ واديًا، أو التقتِ الرِّفاقُ، أو أَقبلَ ليلٌ أو نهارٌ، أو سَمعَ ملبِّيًا، أو صلَّى فريضةً، أو رأى البيتَ.

    vol. 3, p. 348
  30. (يَجْهَرُ بها) أي: بالتَّلبيةِ (الرَّجلُ) لخبر السَّائبِ بنِ خَلَّادٍ (٢) مرفوعًا: "أتاني جبريلُ، فأَمرني أَنْ آمرَ أصحابي أَنْ يَرْفعُوا أَصواتَهم بالإِهلالِ والتَّلبيةِ" صحَّحهُ الترمذي (٣) .

  31. وإنَّما يُسنُّ الجهرُ بها في غير مساجِدِ الحِلِّ وأمصارِه، وغيرِ طوافِ القُدومِ والسَّعيِ بعدَه.

  32. (وتُسِرُّها) أي: تُخفيها (المرأةُ) بقدرِ ما تُسمِعُ رفيقتَها، ويكرهُ جهرُها فوقَ ذلك؛ مخافةَ الفتنةِ.

  33. وسُنَّ ذِكرُ نُسكِهِ فيه، وبدءُ قارِنٍ بذكرِ العُمرةِ، وإكثارُ تلبيَته (٤) .

  34. (وتتأكَّدُ إذا علا نَشَزًا) أي: مكانًا مرتفعًا (٥) (أو هَبَط واديًا، أو التقتِ الرِّفاقُ، أَو أَقبلَ ليلٌ أو نهارٌ، أو سَمِعَ ملبِّيًا، أو صلَّى فريضةً، أو رأى البيتَ) أو ركبَ أو نزلَ، أو فعلَ محظورًا ناسيًا.

  35. وتُشْرَعُ بالعربيةِ لقادرٍ، وإِلَّا، فبِلُغتِهِ.

  36. ويُسنُّ بعدَها دعاءٌ، وصلاةٌ على النَّبيِّ ﷺ ، لا تكرارُها في حالةٍ واحدةٍ، ولا تُكرَهُ لحلالٍ.

  37. فصل

    يحرُمُ بإحرامٍ حَلْقُ شَعَرٍ، وتقليمُ ظُفرٍ بلا عذرٍ، وتغطيةُ رأس ولو بتظليل مَحْمِلٍ، ولُبْسُ مَخِيطٍ بلا حاجةٍ، ويَفْدي،

    فصلٌ

    أَي: المحرَّمات بسببه.

    vol. 3, p. 349
  38. (يحرمُ بإحرامٍ) تسعةُ أشياءَ:
  39. أحدُها: (حَلْقُ شَعَرٍ) مِنْ جميعِ بدنِه بلا عُذرٍ، يعني إزالته بحَلْقٍ، أو نتفٍ، أو قَلْعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .

  40. (و) الثَّاني: (تقليمُ ظُفْرٍ) أو قَصُّه مِنْ يدٍ أو رِجْلٍ (بلا عذرٍ) فإنْ خرَجَ بعينهِ شَعَرٌ، أو كُسِرَ ظفرُه، فأزالَهما أوْ زالا مع غيرِهما، فلا فِدْيَةَ. وإنْ حصلَ الأَذى بقَرْحٍ أو قَمْلٍ، فأَزالَ شعرَه لذلك، فَدَى. فمنْ حلَق شَعرَةً أو بعضَها، أو قلَّمَ ظُفرًا أو بعضَه، فعليه طعامُ مسكينٍ، وشعرَتين أو بعضَهما، أو ظُفريْنِ أو بعضَهما، فطعاما مسكين، وثلاثَ شعراتٍ أو بعضَها، أو ثلاثةَ أظفارٍ أو بعضَها، فعلَيه دمٌ.