كتاب الطهارة
325 paragraphs · vol. 2, p. 95
Page 6 of 9
- vol. 2, p. 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الثاني من الماء النجس. والحاصلُ أن الماءَ المتنجِّس تارةٌ يكونُ كثيرًا متغيرًا بالنجاسة، وتارة يكون قليلًا لاقاها.
-
(لاقى نجاسةً) أي: فإنَّه يتنجَّسُ بمجرَّدِ الملاقاة، ولو لم يتغيَّر بها، ولو جاريًا، ولا اعتبارَ بالجِرْيَة في الأصحِّ حيثُ كانَ الماء قليلًا. والمرادُ بالملاقاة هنا: ورودُ النجاسةِ على الماءِ القليل، لا ورودُ الماءِ على النَّجاسةِ، فإنَّه لا ينجُس والحالةُ هذه ولو تغيَّر حتَّى ينفصلَ، إنْ كانت النجاسةُ قابلة للتطهير، كالنجاسةِ الحكميَّة، كما هو صريحُ كلامِ الأصحاب.
-
(ولو كانت) أي: النجاسةُ التي لاقتِ الماءَ القليلَ (صغيرة لا يُدرِكُها طَرفٌ) بسكونِ الراء، وهو العينُ (١) . أي: لم يشاهدها بَصَرٌ، كالنجاسة الخفيفةِ التي تعلَقُ بأرجلِ الذُّبابِ، مثل أنْ تكونَ ذبابةٌ على نجاسةٍ رطبةٍ، ثمَّ تطيرَ فتسقطَ في الماء القليل، فإنَّه ينجسُ بها بمجردِ الملاقاة. وفي "عيون المسائل" : لابدَّ وأنْ يُدْرِكَها الطَّرف، وِفاقًا للشافعيِّ. والمذهبُ خلافه؛ لأن الماءَ القليلَ ليس له قوَّةٌ يَدفعُ بها النجاسةَ عن نفسه، فاستوى فيه كثيرُ النجاسةِ وقليلُها، ولو غيرَ مشاهدة. دنوشري. وظاهر كلام الأصحاب: أنَّ ذلك إذا كان من نجاسةٍ لا يُعفَى عنها، [إذا سَقط على الثيابِ والبدن كالماء] (٢) . ويتوجَّهُ العفوُ عن ذلك في غيرِ الماء؛ لحصولِ الفَرقِ بين الماءِ وغيره من وجهين:
أحدهما: أنَّ صونَ الماء عن النَّجاسة بتغطيةِ الإناءِ يمكن، بخلاف الثوب، فإنَّه لا يمكنُ صَونُه عنه؛ لبروزه.
- vol. 2, p. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
نَجِس يُمكنُ تطهيرُه، لا ينجُسُ بمجرَّدِ الملاقاةِ للنَّجاسةِ، وإلَّا لم يُمكن تطهيرُ نجاسةٍ بماء قليلٍ.
-
وها هنا مسألةٌ يغلَطُ فيها بعض حنابلةِ مصرَ، وهي: ما إذا نزلَ من نحوِ راويةٍ أو إبريقٍ ماءٌ
وثانيهما: أن الذبابَ إذا ارتفعَ عن النَّجاسة، جفَّ ما عَلِقَ به من النَّجاسةِ بالهواء فلا يُؤثِّر في الثوب، ولأنَّ ثبوتَ النَّجاسةِ فيه أخفُّ. أفاده شيشيني.
-
(أو لم يَمْضِ زمنٌ تسري فيه) النجاسةُ، فإنَّه لا ينجسُ بها فورًا؛ لأنَّه قليل، والقليلُ ضعيفٌ في نفسه.
-
(ولو كَثُرا) أي: المائع والطاهر. أي: يَنْجُس كلُّ مائعٍ، كزيتٍ، ولبنٍ، وسمنٍ، وكل طاهرٍ، كماء وردٍ ونحوه، بملاقاةِ نجاسةٍ، ولو مَغفوًّا عنها، ولو كانا كثيرين، ولو لم يتغيَّر بها. خلافًا لصاحب "الإقناع" في الماء الطاهر إذا صار كثيرًا قال: وان وقعت في مستعمَلٍ في رَفْعِ حدثٍ، أو في طاهرٍ غيرِه مِن الماء [لم] يَنجُس كثيرُه بدون تغيُّرٍ، كالطَّهُور (١) .
-
والصحيحُ خلافُه، وقد وردَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سُئل عن الفأرة تَقَعُ في السَّمنِ فقال: "إنْ كان جامِدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كان مائعًا، فلا تقربُوها" . رواه الإمام أحمد (٢) ، فقد ثبت بهذا أنه ﷺ نَهى عن قُربانه إذا كان مائعًا، ولم يُفَرِّق بين كثيرِه وقليله، فدل على تنجُّسِه بمجرَّدِ الملاقاة؛ لأن المائعاتِ لا تُطَهِّر غيرَها، فلا تدفع النجاسةَ عن نفسها كالطَّاهر الكثير. دنوشري.
(لا ينجُس بمجردِ الملاقاة للنَّجاسة) أي: فإن الماءَ باقٍ على طهوريتَّه قبلَ انفصالِه عنه، ولو تغيَّر بالنجاسةِ؛ للمشقَّةِ والحرج، كلما تقدَّم (وإلا لم يمكن (٣) … إلخ) أي: والَّا بأن
vol. 2, p. 134ويَطهُر
على نجاسةٍ، فينجِّسونَ بذلكَ ما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ، ولا وجهَ لتَنجِيسِه أصلًا، فإنَّ الأصحابَ قسموا النَّجِسَ إلى قسمينِ: متغيِّر بالنَّجاسةِ، وملاقٍ لها.
-
والتَّقسيمُ في موضعِ البيانِ يُفيدُ الحصرَ، وما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ في الصُّورةِ المذكورةِ ليسَ واحدًا منَ القسمين. وقد صرَّحَ بمعنى ذلكَ في "التَلخيصِ" ، وأشارَ إليه في "الرِّعايةِ الكُبرى" . وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرحمن البهوتي (١) ، شيخ المصنف أيضًا ما معناه: أنَّه لو صُبَّ من الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ، لم ينجُس ما في الإبريقِ. انتهى. وهو مما لا يَشكُّ فيه مَن له أدنى اشتغالٌ بالفقهِ، فتأمل، والله أعلم.
-
ثم أشارَ إلى كيفيةِ تطهيرِ هذا الماء المتنجِّسِ فقال: (ويطهُر) الماءُ النجسُ، قليلًا
تنجس الماءُ اليسير بمحلِّ تطهير، لم تطهر نجاسته … إلخ؛ للمشقَّة والحرج. (ليس واحدًا من القسمين) لأنَّ الماءَ الذي في الراويةِ (٢) ليس متغيرًا بالنجاسة، ولا ملاقٍ للنجاسة، ولا واردًا عليها فرضًا، ومن المعلوم أن حُكمَ الواردِ على الطهوريَّة كما تقدَّم.
-
(ويَطهُر الماءُ النجسُ … إلخ) أي: ويطهر الماءُ الذي تنجَّس. شرع في بيانِ تطهيرِ ما تنجَّس من الماء، فتارةَ يكونُ الماءُ المتنجِّس قليلًا، فيطهُر بإضافةِ ماء طهورٍ إليه كثيرٍ، مع زوال تغيُّره، إن كان متغيرًا، وإن كانت الإضافة شيئًا فشيئًا. قال محمد الخلوتيُّ: ولا ينجسُ المضافُ بالمضاف إليه؛ لأنَّه واردٌ بمحل التطهير. فتفطَّن، ولا تلتفت إلى ما في "المستوعب" .
- vol. 2, p. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وتارةً يكونُ الماء المتنجِّسُ كثيرًا فيطهرُ بأحد أمورٍ ثلاثةٍ:
الأوَّل: إضافةُ ماء طهورٍ كثيرٍ إليه.
-
الثاني: بنزحٍ منه، بحيثُ يبقى بعد النزحِ كثيرٌ.
-
الثالثُ: زوالُ تغيُّره بنفسه.
-
يبقى الكلام في المنزوح به ومقتضى القول بطهوريَّةِ ما فيه، الحكمُ بطهارته على كلامِ ابن قندس، القائل: بأنَّ المرادَ بالمنزوح النزحةُ الأخيرةُ التي دون القُلَّتين، ولم تُضَفْ إلى ما قبلَها، فإنَّ الدَّلْوَ لو كان نجسًا، لتنجَّس الماءُ القليلُ بمجرَّدِ ملاقاتِه (١) .
-
وأما البَكَرة فيجبُ تطهيرُها وكذا الحبلُ، إلَّا رأسَه، إذا كان داخلًا في الدلو الذي حُكِمَ بطهارةِ ما فيهِ على ما فيه، فليُحرَّر، فإنِّي لم أرَ فيها نقلًا. أفاده البهوتي.
قال في "المنتهى" (٢) : ولا يجبُ غسلُ جوانبِ بئر نُزِحتْ.
قال المصنِّف (٣) : ضيِّقة كانت أو واسعة؛ دَفعًا للحرجِ والمشقَّة.
قال محمد الخلوتي: أي: يُعفَى عنه فقط، لا أنَّه محكومٌ بطهارته، فلو وُضِع فيها مائعٌ، حكمنَا بنجاستِه؛ للملاقاة، بخلافِ الماء اليسيرِ فلا ينجُس؛ لأنَّه وارد بمحلٌ التطهير، فإذا انفصلَ غير متغيِّرٍ، فهو طاهرٌ.
-
"تتمَّة" : قال في "الإنصاف" (٤) : لو طَهُر ماءٌ كثيرٌ في إناءٍ [بمكثه] ، لم يَطهُر الإناءُ معه، على الصحيح من المذهب. فإن انفصلَ الماءُ عنه، حُسبت غسلةٌ واحدة، ثمَّ يُكَمَّل. انتهى.
- vol. 2, p. 136
بإضافةِ كثيرٍ،
كان أو كثيرًا، أي: يصيرُ طهورًا (بإضافةِ) طهورٍ (كثيرٍ) أي: قُلَّتين فصاعدًا إليهِ، معَ زوالِ تَغَيُّره إن كان متغيرًا؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفعُ النجاسةَ عن نفسه وعما اتصلَ به، ولا ينجُس إلا بالتغيُّرِ، وتكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَب الإمكان عُرفًا، ولو لم يتصل الصب، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو ينَبع فيه. وعُلمَ منه أنَّه لا يطهرُ بإضافة غيرِ الماءِ مِن ترابٍ ونحوه، ولا (١) بإضافةِ يسيرٍ ولو زالَ به التغيُّرُ.
وقال في "المنتهى" (٢) : وخمرةٌ انقلبَت بنفسها أو بنَقلٍ، لا لقصدِ تخليلٍ (٣) . ودَنُّها (٤) مثلُها، كمحتَفَرٍ. لا إناءٌ طَهُر ماؤه.
وقال في "شرحه" (٥) : قوله: "كمحتفَر … إلخ" كمحتفرٍ من الأرضِ فيه ماءٌ حُكِم بنجاستِه بتغيُّرِه بها، ثم زَالَ تغيُّره بنفسِه، فإنه يحكَم بطهارته، وطهارةِ محلِّه من الارضِ تبعًا له، ويُلْحَقُ بذلك ما بني بالأرض كالصَّهارِيج (٦) والبحرات، "لا إناءٌ طَهُر ماؤه" فإنَّ إناءَه لا يَطهُر؛ لأنَّ الأواني وإنْ كانت كبيرة، لا تَطهرُ إلَّا بسبعِ غَسَلات.
-
لكن سيأتي أنَّ الأجرِنَةَ، والأحواضَ الكبار، أو المبنيَّةَ ولو كانت صغارًا، يكفي فيها المكاثرةُ بالماء، حئى تذهبَ عينُ النجاسةِ أو ريحُها، كأرض؛ ولعلَّه لعدمِ إمكانِ تسبيعِها كالأواني، فإنه يمكنُ تَسبيعُها.
-
(ويطهرُ بإضافةِ كثيرٍ) فلا يَطهُر بإضافةِ ماءٍ قليل، ولو زَال تغيُّره، ولا يَطهُر أيضًا بوضعِ
vol. 2, p. 137والكثيرُ بزوالِ تغيُّره بنفسِه، وبنزحٍ إن بقي بعدَه كثيرٌ.
-
فإن بلغَ الماءُ قُلَّتينِ،
(و) يطهرُ أيضًا (الكثيرُ) المتنجِّس بالتغيُّرِ (بزوال تغيُّره بنفسه) كالخمر تنقلب خلًّا (وبنَزْحٍ) أي: إخراج بعضِ الماء النجس، سواءٌ قلَّ النزحُ أو كثرَ فيصيرُ طَهورًا (إن بَقِيَ بعدَه) أي: النزحِ (كثيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ.
-
والحاصلُ: أنَ النَّجسَ القليلَ يصيرُ طَهورًا بأمرٍ واحدٍ وهو الإضافةُ؛ بشرطِ زوالِ التَّغيُّرِ إن كان.
-
وأنَّ النجِسَ الكثيرَ يَطهرُ بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ، والنزحِ بشرطِهما، وزوالِ تغيُّرِه بنفسِه. ثمَّ أشارَ إلى بيانِ حد الكثيرِ وحكمِه فقالَ: (فإن بلَغ الماءُ) الطَّهورُ (قُلَّتينِ) فصاعدًا
شيءٍ فيه من تراب، أو مِسكٍ، أو جامدٍ، أو مائع، ونحوِ ذلك. حفيد.
-
(ويطهُر أيضًا الكثير … ) أي: فتطهيرُه يحصلُ بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ: بإضافةِ ماءٍ كثيرٍ إليه مع زوالِ تغيُّرِه، أخذًا من قولِ الشارح أيضًا، أي: بزوال تغيُّرِه بنفسه، بطولِ مُكثِه، أي: بغيرِ إضافةِ ماءٍ طهورٍ إليه. ومحل ذلك ما لم ينقص عن القُلَّتين قبلَ زوالِ التغيُّر، فإنْ نَقَصَ، ثمَّ زال التغيُّر، لم يَطهُر به؛ لأن علَّة التنجيس في القليل مجرَّدُ ملاقاةِ النجاسة. دنوشري.
-
(وبنزحٍ … إلخ) هذا الأمرُ الثالثُ، يعني: يطهرُ الماء المُتنجِّس، بزوالِ تغيُّره بالنزح المذكور، وعُلِمَ منه أنه لو لم يَزُل تغيُّره بالنْزحِ، حتَّى بقيَ الماء دون قُلَّتين، أنه لا يَطهر بذلك؛ لأنه لم يَبقَ التغيُّر علَّةَ للتنجيس، وإنَّما علَّته الملاقاةُ، فلا يطهرُ إلَّا بالإضافةِ. حفيد.
-
(غير متغير) في المسألتين؛ لزوال سببِ التنجيس، فيعودُ الماءُ إلى ما كان عليه من الطهوريَّة. دنوشري.
-
(بشرطهما) أي: شرط الإضافة والنَّزح، فشرطُ الإضافة: أن يُضاف إليه طهورٌ كثيرٌ، وشرطُ النَّزح: أن يُنزَحَ منه بحيث يبقى بعدَ النزح كثير.
-
(قُلَّتَين فصاعدًا) أي: فما فوقَهما وحكمُهما أنهما لا يَنجُسان إلَّا بالتغيُّر بالنجاسة،
vol. 2, p. 138وهما: أربع مئة رطْلٍ وستَّةٌ وأربعونَ وثلاثةُ أسباعِ رطلٍ مصريٍّ، لم ينجُس
(وهما) أي: القلَّتانِ (أربعُ مئةِ رِطلٍ وستةٌ وأربعون) رطلًا (وثلاثةُ أسباع رطلٍ مصريٍّ، لم يَنْجُس) بملاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ آدميٍّ أو عَذِرَتَه
والمرادُ بالقلَّتَين أن يكونا من قِلالِ هَجَر -بفتح الهاء والجيم- وهي قرية كانت بالقُربِ من المدينة المنورة- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- تنسَبُ القلالُ إليها. و "القُلَّتَين" : تثنيةُ قُلَّةِ، وهي اسمٌ لكلِّ ما علا وارتفع، ومنه قُلَّةُ الجبل، والمراد هنا الجرَّةُ الكبيرةُ، سمِّيت بذلك قُلَّة؛ لعلُّوِها وارتفاعها، وقيل: لأنَّ الرجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيده، أي: يرفعها، والتحديدُ بقلالِ هَجَر. وفي حديث الإسراء أن النبيَّ ﷺ قال: "ثمَّ رُفعَت لي سِدْرةُ المنتهى، فإذا وَرَقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة، وإذا نَبِقُها (١) مثلُ قلال هجر" . رواه البخاري (٢) . دنوشري.
-
(ولو … بولَ أدميٍّ أو عَذِرتَه) أشار بهذا ردًّا لما ذكره في "المنتهى" عن أكثرِ المتقدِّمين؛ لضعفِه. وعبارةُ "المنتهى" مع "شرحه" الصغير: وإنْ لم يتغيَّر الطَّهورُ الكثيرُ، لم ينجس بملاقاةِ النجاسة؛ لحديث القلَّتَين، إلَّا ببولِ آدميٍّ ولو صغيرًا، أو عَذرةٍ منه رطبةٍ مائعةٍ أو لا، أو يابسةٍ ذابت فيه، فينجسُ بهما دونَ سائر النجاسات عند أكثر المتقدِّمين من الأصحاب والمتوسِّطين (٣) .
قال حفيد: هو لأكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين القائلين بنجاسةِ الماء الكثير بذلك بمجرَّدِ الملاقاة. ودليلُهم ما ذكره المصنف في "شرحه" من قوله: لحديث أبي هريرة … إلخ (٤) . ولا ينجسُ عند المتأخرين، كابنِ عقيل (٥) ،
vol. 2, p. 139إلا بالتغيُّر.
-
(إلا بالتغيُّرِ) لحديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: سُئلَ النَّبيُّ ﷺ عنِ الماءِ يكونُ بالفلاةِ وما يَنُوبُه منَ الدَّوابِّ والسِّباعِ؟ فقالَ: "إذا بَلَغَ الماءُ قلَّتَينِ، لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ" . وفي روايةٍ: "لم يَحمِل الخبَثَ" رواهُ الخمسةُ والحاكمُ وقالَ: على شرطِ الشَّيخينِ، ولفظُه
وأبي الخطاب (١) ، وغيرهم، ولا عندَ قليلٍ من المتقدِّمين والمتوسِّطين. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" عن "المنتهى" : ومقابلُ قولِ أكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين: أن حكمَ البولِ والعَذِرةِ حكمُ سائرِ النجاسات، فلا ينجسُ الكثيرُ بهما إلا بالتغيُّر. قال في "التنقيح" : اختاره أكثرُ المتأخِّرين، وهو أظهر. قال في "شرحه" (٢) : لأن نجاسةَ بولِ الآدميِّ لا تزيدُ على نجاسةِ [بول] الكلب، وهو لا ينجِّسُ القلِّتين. انظره إن شئت (٣) .
(لحديث ابن عمر … إلخ) اللام متعلِّقةٌ بمحذوف، أي: لمفهومِ حديث ابن عمر … إلخ، لأنَّ خبرَ القلَّتين دلَّ بمنطوقِهِ على ما ذكره الشارح.
-
(وما ينوبه من السِّباع) أي: يَرِدُ عليه البهائمُ التي لا تُؤكل؛ للشُّرب منه. (رواه الخمسة) وهم الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" ، وأبو عيسى الترمذيُّ في "جامعه" ، وأبو عبد الرحمن النَّسَائي في "سننه" ، وأبو داود السَّجِستاني في "سننه" ، وابنُ ماجه القزوينيُّ في كتابه (السنن) . وقوله: (وقال على شرط الشيخين) البخاري ومسلم، والمرادُ بالشرط: الرِّجالُ والرُّواةُ الذينَ رَوى عنهم البخاري ومسلم، ولم يوجد في الصحيحين. وهذا هو المراد كما هو صنيعُه من قوله: "ولفظه لأحمد" . وأما تفسيرُ الشرط باللقيِّ والمعاصرةِ عند البخاري، وإمكانِ اللقي عند مسلم، فليس بمناسبٍ هنا.
- vol. 2, p. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
لأحمدَ (١) . فدلَّ بمنطوقِه على دفعِ (٢) القُلَّتينِ للنَّجاسةِ عنهما، وبمفهومهِ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغهما؛ فلذلك جعلناهُما حدَّ الكثيرِ (٣) .
-
(فدلَّ بمنطوقه على دَفْعِ القُلَّتين للنَّجاسة) فمعنى الدَّفْع: المنعُ قبل النزول. والرَّفْع معناهُ: إزالةُ موجود. ولذلك يُسَنُّ لمن دعا برَفْعِ ما وقع، جَعْلُ ظهورِ كفَّيْه للسماء، أو بدَفْعِ ما ينزل، بطونِهما، فالطلاقُ يرفعُ النكاحَ، ولا يدفعه؛ لحِلِّ ارتجاعِ المطلَّقة، وعكسُه الإحرامُ وعدَّة الشبهة، فإنَّهما لا يَرفعان النِّكاح، ويمنعان ابتداءَه، فعُلِمَ أنَّ الشيء قد يَدْفَعُ فقط كهذين، وقد يَرْفعُ فقط كالطلاق.
- والماءُ ينقسم باعتبار الدَّفْع والرَّفْع إلى ثلاثة أقسام:
-
قسمٌ يَدفع وَيرفع، وهو الماءُ الكثير، فإنَّه يَرفعُ الحدثَ، ويدفعُ الخبثَ لو وَرَدَ عليه، حيثُ لم يتغيَّر به.