فصل في الآنية

96 paragraphs · vol. 2, p. 157

Page 1 of 3

  1. وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو: مبتدأٌ حُذفَ خبرهُ، أي: مما أذْكُرُه فصلٌ.

    vol. 2, p. 157
  2. وهو في الأصل: الحجزُ بين شيئينِ، ومنه فصلُ الرّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ

    (عقبَه فقال … إلخ) قد يُقال: مقتضى ظاهر هذه العلَّة، تقديمُ بابِ الآنيةِ على باب المياه، ويمكنُ أن يجاب بأن المقصودَ بالذات الماء، وآنيته مقصودة بالعَرَض، وما بالذات يقدم على ما بالعرض. محمد الخلوتي.

  3. (فصلٌ في الآنية) قوله: (أي هذا فصل) يُذكَر فيه مسائلُ من أحكام الآنية. والآنيةُ: الأوعية، وهي جمع إِناء، كسِقاء، والأصل أأنية بهمزتين، أبدِلت الهمزةُ الثانية ألفًا، ويُجمعُ على أوانٍ، فأوانٍ جمعُ الجمعِ، وأصلُه أأني أُبِدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، وطلبًا للتخفيف. دنوشري.

  4. (وهو في الأصل) أي: في اللغة، وكذا كلُّ عبارةِ معنونة بقوله: في الأصل: [الحاجز] (٢) بين أجناس المسائل وأنواعها، فالفصلُ حاجزٌ بين الكتاب والباب؛ لأنَّ الكتابَ كالجنسِ الحقيقيِّ، تحتَه أنواع؛ لاشتمالِه على ذلك، مثل الحيوان تحته الإنسان، والباب نوعٌ تحته أفرادُ المسائل.

  5. ويباحُ كل إناءٍ ولو ثمينًا

    والصَّيفِ، وهو في كُتُبِ العلمِ كذلكَ؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ [وأنواعِها.

    vol. 2, p. 158
  6. وهو -كالكتاب والبابِ- عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العلمِ] (١) .

  7. (ويُباحُ كلُّ إناءٍ) طاهرٍ، أي: يباحُ اتخاذُه واستعمالُه (ولو) كانَ الإناءُ الطَّاهرُ (ثمينًا) أي: غاليَ الثَّمنِ، كجوهرٍ وبلَّورٍ، وياقوتٍ، وزُمُرُّدٍ. وغيرُ الثَّمينِ كخشبٍ، وزجاجٍ، وجلودٍ،

    (وهو في كتب العلم … إلخ) أي: ما تقدَّم من معنى الفصل في اللغة، ومعناه في كتب العلم كذلك، فمعناه في المحسوس والمعنويِّ واحدٌ، وأمَّا إذا أردنا بمسمَّى الفصلِ النقوشَ، اتَّضحَ الفصلُ، ولعلَّه هو المراد.

    (عرفًا) أي: في العُرف، فهو منصوبٌ بنزع الخافض، وهو مصدرُ فصَل يفصِل فَصلًا، بمعنى اسم الفاعل، أي: فاصل، بمعنى قاطع مجازًا: القطعة بين أجناس المسائل … إلخ.

  8. (ويباحُ كل إناءٍ طاهرٍ) غير منهيٍّ عنه.

    (ولو كان … ثمينًا) كجوهرٍ ونحوه، ولا يَحرُم منها إلا ما ورد الشرعُ بتحريمه. (أي: غالي الثمن) أخَذَه من صيغةِ فعيل؛ لأنَّها من صيغ المبالغة. محمد الخلوتي.

  9. كجوهرٍ … إلخ) ولُؤلُؤ، ومَرجانٍ، وزَبَرجَد، وبِلَّور، وعَقيق؛ وذلك لفقد العلَّة التي لأجلِها حرَّمت آنيةُ الذهب والفضة؛ لأنَّ كثيرًا من الفقراء لا يعرفُ الجوهرَ، وإنَّما يعرفُه خواصُّ الناسِ، فلا تنكسُر قلوبُ الفقراء؛ لأنَّهم لا يعرفونه، ولأنَّه ليسَ من النقدَين، فلا يحصل باتِّخاذها تضييقٌ، ولقلَّتها لا تتَّخذُ آنيةٌ منها إلا نادرًا، ولو اتخِذَت من غير النقدين، لم تستعمل غالبًا، فجاز استعمالُ ذلك وجعلُه آنيةٌ. ويجوز لرجال فصٌّ من ذهب إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوزُ اتخاذُ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري وإيضاح.

  10. غير

    وصُفْرٍ، وحديدٍ؛ لما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ قالَ: "أتانا رسولُ الله ﷺ فأخرَجْنا له ماءً في تَورٍ من صُفْرٍ فتَوَضَّأ" رواه البخاري (١) .

    vol. 2, p. 159
  11. والتَّور -بالمثنَّاة الفوقيَّة كما في "المصباحِ" -: إناءٌ صغيرٌ يُشرب به، فارسيٌّ معرَّب (٢) . وقد وردَ أنَّه ﷺ توضأ من جَفنة (٣) وقِربة (٤) ، فثبتَ الحكمُ فيها؛ لفعلهِ، وما في معناها مقيسٌ عليها؛ ولأن العلَّة المحرِّمة للنقدينِ مفقودةٌ في الثمينِ.

  12. ويُستثنى من إباحةِ الإناء الطَّاهرِ ما أشار إليه بقوله:

    (غيرَ) عظمِ آدميٍّ وجلدِه، ومغصوبٍ،

    (وصُفرٍ) وهو النحاس. منه (من جَفنةٍ) وهي قصعةٌ صغيرةٌ. منه (وما في معناها) أي: الجَفْنة أو القِربة، أو أنَّ المعطوفَ والمعطوفَ عليه كالشيءِ الواحد، فلم يُثنِّهما لذلك، والذي في معناهما في جواز الاستعمال الجوهرُ، واللؤلؤُ، والمرجانُ، وغيرُ ذلك ممَّا ذكرَه الشارح.

    (ولأنَّ العلَّةَ المُحرِّمةَ … إلخ) عطفٌ على قوله: "لما روى عبدُ الله … إلخ) وهي تضييق النقدَين، والخُيلاء، وكسرُ قلوب الفقراء. دنوشري وزيادة.

    (غيرَ عظمِ آدميٍّ … إلخ) مستثنًى من قوله: "ويباح كلُّ طاهرٍ … إلخ" يعني أنَّ ما ورد

    vol. 2, p. 160إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ

    و (إناء ذهبٍ أو فضَّةٍ) - أو مضبَّب (١) بهما أو بأحدِهما، فيحرمُ اتخاذُها واستعمالُها على الذكر والأنثى والخنثى، مكَلَّفًا كان أو غيره، بمعنى أنَّ وليَّه يأثم بفعلِ ذلك له، وبتمكينهِ منه.

  13. والأصلُ في تحريمِ استعمالِ الذهبِ والفضَّةِ، ما روَى حُذيفةُ رضي الله عنه قال: سمعت

    الشرعُ بتحريمِه يحرم اتخاذه، ولو لم يستعملْهُ؛ لأنَّ ما حَرُمَ مطلقًا، حرم أخذه على هيئة الاستعمال، ويحرم أيضًا استعمالُه إذا كانت الآنيةُ من ذهبٍ أو فضَّةٍ، وعليه جماهيرُ الأصحاب، وقطع به أكثرُهم؛ لما في ذلك من تضييق النقدَين … إلخ، ولما رَوى حذيفةُ.

  14. (وجلده) قال في "الفروع" : يحرم استعمال جلد آدميٍّ مطلقًا. مصنِّف. عبارة "الفروع" (٢) : ويحرم استعمالُ جلدِ آدميٍّ إجماعًا، قال في "التعليق" وغيره: ولا يطهر بدبغه وأطلقَ بعضُهم -يعني ابنَ حمدان- وجهين. قال محمد الخلوتي: وأمَّا ما نسبَهُ شيخنا إلى (الفروع) من قوله: "مطلقًا" فلعلَّه من جهة أنه أطلقَ في الاستعمال لا أنَّه صرَّح به.

  15. (وإناء ذهبٍ أو فضةٍ) ذكر الثعلبي في تفسير سورة براءة عن نِقطويه قال: سُمِّي الذهبُ ذهبًا؛ لأنَّه يَذهبُ ولا يبقى، وسُمِّيت الفضة فضَّةٍ؛ لأنَّها تَنْفَضُّ ولا تبقى. حفيد.

  16. (على الذكر والأنثى) لعمومِ الأخبارِ الواردة في ذلك، وعدمِ المخصِّصِ، فيستوي في ذلك الرجال والنساء. والمعنى فيهما أن كلا الجنسين مكلَّفٌ، ولم يكن دليل مخصِّصٌ، وإنَّما أُبيح للنساء من الذهب والفضة لحاجتها للتزيُّن والتجمُّل بها ولو زاد على ألف مثقال، كما سيأتي التنبيه على ذلك في بابه؛ لأن ما يتحلى به ليس من قبيل الآنية، فأُبيحَ لهنَّ، واختصَّت الإباحةُ بهنَّ؛ للتزيُّنِ بذلك لأزواجهنَّ وما ملكهنَّ. دنوشري.

    (بمعنى أنَّ وليَّه يأثم … إلخ) تفسير لقوله: (أو غيره) .

  17. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 161
  18. رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَشرَبوا في آنيةِ الذَّهب والفضَّةِ، ولا تأكُلوا في صِحَافِها، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخِرةِ" ورَوَت أمُّ سلمةَ رضي الله عنها ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الذي يَشرب في آنيةِ الذهبِ والفضَّةِ إنما يُجَرجِرُ في بطنهِ نارَ جهنَّمَ" متفق عليهما (١) . والجَرْجَرَةُ: صوتُ وقوعِ الماءِ بانحدارِه في الجوف (٢) .

  19. (ولا تأكلوا في صحافها) جمع صَحيفة: وهي القصعَةُ، وقيل: القصعة التي تُشبعُ العشرةَ، والصحفة التي تُشبعُ الخمسةَ. شيشيني. (فإنَّها لهم في الدنيا) أي: للكفَّار في الدنيا، ولا يدلُّ هذا على إباحتِها للكفَّار، فإنهم مخاطبونَ بفروعِ الشريعة على الصحيح، كما تقرَّر في الأصول، بل معناهُ أنَّهم لا يُمنَعون منها، فهي عندهم بمنزلةِ المباحة. شيشيني. بل لهم في الدنيا؛ استدراجًا وإملاءً، وللمسلمينَ في الآخرة؛ تنعُّمًا وإكرامًا. (إنَّما يُجرجِر … إلخ) قال الشيشيني: بضمِّ الياء، وكسر الجيم الثانية، ورُوي: "نارَ جهنم" بالنصب، وهو المشهور، فيكونُ الفاعلُ مضمَرًا، وهو ضميرُ الشارب، ومعناه: أن الشاربَ يُلْقي النارَ في جوفه بِجُرَعٍ متتابعةٍ يُسْمَعُ له صوتْ مردَّدٌ في حَلقِه. وأجازَ هذا الخطابيُّ والزَّجَّاجُ والمحقِّقون. وروي: "نارُ" بالرفع على الفاعليَّة، ومعناه: تصوِّت في جوفِه النارُ، وسُمِّي المشروبُ نارًا؛ باعتبار ما يؤول إليه؛ لأنه جزاؤه ومبيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: سيدخلونها، وكما سُمِّيت الخمرُ إثمًا؛ لأن شُرْبها يُوجِبُ الإثم، أو يكون على حذف مضافٍ تقديرُه: ما يوجِبُ له النار، لا شربه النار، والحاصل أن مجموعَ الحديثين التوعُّدُ على ذلك بالنار، فدلَّ على تحريمه. (والجرجرة) هي (صوتُ وقوع الماء بانحداره في الجوف) .

  20. ولا أجرة لصناعةِ أواني الذهبِ والفضةِ وجميعِ آلاتِ اللهو؛ لكونها صناعة محرَّمة، ولا أرشَ لكسرها. دنوشري.

  21. ونحوِ مطليٍّ بهما،

    وغيرُ الأكلِ والشربِ (١) في معناهما؛ لأنَّ ذكرَهما خُرِّجَ مخرجَ الغالبِ، فلا يتقيَّدُ الحكمُ به.

    vol. 2, p. 162
  22. (و) غيرَ (نحوِ مَطلِيٍّ) على وزنِ مَرميٍّ بتشديدِ الياء، اسم مفعولٍ (بهما) أي: بالذهبِ والفضَّةِ أو بأحدِهما.

  23. والطِّلاءُ: أن يُجعلَ الذهبُ أو الفضَّةُ كالوَرَقِ ويُطلى به الإناءُ.

  24. ونحوُ المطليِّ المُمَوَّهُ؛ بأن يُذابَ الذهبُ أو الفضَّةُ ويُلقَى فيه الإناءُ من نحاسٍ ونحوِه، فيكتسبَ من لونهِ، والمطعَّمُ والمكفتُ، فيحرمُ ذلك كله؛ لما روَى ابنُ عمرَ

    (فلا يتقيَّدُ الحكم به) أي: بالمذكورِ من الأكل والشرب، فيَحرمُ استعمالُ الذهبِ والفضَّةِ في غير ما ذُكِر؛ قياسًا على الأكل والشرب.

    (والطِّلاء … إلخ) أي: صفةُ الطِّلاء، أي: كيفيتُه، فيكتسبُ من لونه، فيصيرُ في رأي العين كأنَّه ذهبٌ محضٌ. دنوشري.

  25. (والمطعَّمُ) أي: الإناءُ المطعَّمُ بذهبٍ أو فضَّةٍ، وصفتُه أن يحفرَ في الإناءِ من الخشبِ أو غيرِه مواضع، ويوضعَ فيها القطعُ من الذهبِ أو الفضةِ بمقدارِ تلك الحفر.

  26. (والمكفَّتُ) أي: الإناءُ المكفَّتُ بذهب أو فضة، وصفةُ التكفيت أن يُبرَدَ الرِّكابُ (٢) الحديدُ فيصير فيه مجارٍ دقيقةٌ، ويوضعَ فيها الذهبُ أو الفضةُ، ويُدَق ويُصقَلَ إلى أن يتساوى المجاري، فكلُّ إناءٍ مُمَوَّهٍ، أو مطليٍّ، أو مطعَّمٍ، أو مكفَّتٍ، حكمُه حكمُ مُصمتٍ، أي: خالصٍ من الذهبِ أو الفضَّةِ في الحرمة؛ لأن العلَّة التي لأجلها حرم الاناءُ المصمت، وهي

    vol. 2, p. 163إلا مضبَّبًا بيسير من فضَّة لحاجةٍ،

    رضي الله عنهما ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ شَرِبَ من إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ أو من إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك فإنما يُجَرْجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ" رواه الدارقطني (١) .

  27. (إلا) إناءً (مُضَبَّبًا بيسيرٍ) عرفًا (من فضَّةٍ؛ لحاجةِ) الإناءِ، وهي: أن يتعلَّقَ بها غرضٌ غيرُ الزينةِ ولو وُجِدَ غيرُها، كما لو انكسرَ الإناءُ فيباحُ اتخاذُ الضَّبَّةِ المذكورةِ إذن واستعمالُها؛ لحديثِ أنسٍ رضي الله عنه : أنَّ قدحَ النَّبيِّ ﷺ انكسرَ فاتخذَ مكانَ (٢)

    الخيلاءُ … إلخ، موجودةٌ في ذلك. دنوشري.

  28. (إلَّا إناءً مضَببًّا بيسيرٍ … إلخ) مستثنًى من استعمالِ الذهب والفضة، والضَّبَّةُ في هذا المحلِّ: ما يُصلَح به الإناءُ من ذهبٍ أو فضةٍ، وهو حرامٌ إلا إذا ضُبِّبَ بضبَّةِ يسيرةٍ عرفًا من فضَّةٍ، لحاجةٍ ككسرِ القدحِ، ولا بأسَ بها حينئذٍ؛ لما قامَ على ذلك من الدليل، ونفيِ العلَّة المُحَرِّمة لذلك من معنى السرفِ والخيلاء. وفهم من قوله: (من فضَّةٍ) أن الضبَّة إذا كانت من ذهب، فهي حرامٌ مطلقًا، ولو كانت يسيرةً، حيث كانت لغيرِ حاجةٍ، والحاجةُ هي التي يتعلَّق بها غرضٌ غير زينةٍ، فمتى جُعِلت الضبَّةُ للزينةِ وغيرها، حُرِّمت؛ تغليبًا للزينة، ومراده بالحاجة أن يتعلَّقَ بها غرضٌ، بأنْ تدعوَ الحاجةُ إلى فعلها. وليس معناهُ أنْ لا تندفعَ بغيره.

    قال الشيخ تقيُّ الدين: مرادهم أن يحتاجَ إلى تلك الصورةِ، لا إلى كونها من ذهب أو فضةٍ، وليس معناهُ أن الحاجةَ لا تندفعُ إلا بالضَّبَّةِ من الفضَّة (٣) .

  29. وممَّن رخَّصَ في الضبَّة اليسيرةِ إذا كانت من فضةٍ سعيدُ بن جبير، وطاوس،

    vol. 2, p. 164وتصحُّ طهارةٌ مِن إناءٍ محرَّم.

  30. الشَّعبِ (١) سِلسلةً من فضَّةٍ. رواه البخاري (٢) ، وهذا مخصِّصٌ لعمومِ الأحاديثِ المتقدمةِ.

  31. وعُلم من كلامهِ أنَّ ضَبَّة الذهبِ حرامٌ مطلقًا، وكذا الكبيرةُ عُرفًا من الفضَّةِ ولو لحاجةٍ، وأنَّ التي لغير حاجةٍ حرامٌ ولو يسيرةً من فضَّةٍ.

  32. (وتَصحُّ طهارةٌ) وضوءًا كانت أو غسلًا أو غيرَهما (من إناء مُحَرَّمٍ) لغضبٍ

    والشافعيُّ، وأبو ثور، وابنُ المنذر، وأصحابُ الرأيِّ، فحينئذٍ له دفعُ الحاجةِ بها ولو وجدَ غيرها، ولكن تُكرَه مباشرتُها حالةَ استعمالها، ولو أبيح فعلها؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مستعملًا للفضَّةِ التي جاءَ الوعيدُ باستعمالها بلا حاجةٍ. كإن احتاجَ إلى مباشرةِ الفضَّة بأنْ كان بفمِه جرحٌ لا يستطيعُ معه مباشرةَ غير الضبَّةِ، أو كان الماءُ يندفعُ إذا شربَ من غير جهتها، أو نحو ذلك كتيسُّر تناولِ الطعام من جهتها. دنوشري مع زيادة.

  33. (وتصحُّ طهارةٌ .. من إناءٍ محرَّمٍ … إلخ) أي: تصحَّ طهارةٌ من إناءٍ حرم اتخاذُه واستعمالُه؛ لأنَّ الإناء ليس بشرطٍ ولا ركنٍ للعبادة، فلم تؤثر في الطهارةِ، لأنَّ الحرمةَ إنَّما تعلَّقت بالظرف دون المظروف، فصحَّت الطهارةُ منه، أو من إناءٍ مغصوبٍ، أو من إناءٍ ثمنهُ المعيَّن حرامٌ، كما إذا كان الثمنُ مغصوبًا، أو كلبًا، أو خنزيرًا، أو خمرًا.

  34. وقيل: لا تصح الطهارةُ من أواني الذهبِ والفضَّةِ والأواني المحرَّمةِ الاستعمال. واختارَهُ أبو بكر والقاضي وابنه أبو الحسين؛ وذلك لإتيانه بالعبادةِ على وجه محرَّمٍ، أشبهَ الصَّلاةَ في الأرضِ المغصوبةِ.

  35. وفرَّق بينهما في "المغني" (٣) بأنَّ أفعالَ الصلاةِ التي هي القيامُ والركوعُ والسجودُ

    vol. 2, p. 165وتباحُ آنيةُ كفَّار

    أو غيرِه، بأن يغترفَ منه بيده، وكذا تصحُّ به، وفيه، وإليه، بخلافِ الصلاةِ؛ لأن الإناءَ والمكانَ ليسا شرطًا للطهارةِ.

  36. (وتُبَاحُ آنيةُ كفَّارٍ) أهلِ كتابٍ أو غيرِهم إن جُهلَ حالُها

    حاصلةٌ في المكان المغصوب، فهو استعمالٌ لها، بخلافِ أفعال الوضوءِ من الغَسل والمسحِ، فإنَّها ليست باستعمالِ للإناء المغصوب، وإنَّما يحصلُ ذلك برفعِ الماء من الإناءِ، أشبهَ ما لو اغترفَ بإناءٍ محرَّمٍ، وتصحُّ الطهارة أيضًا فيه، أي: الإناء المُحرَّم، بأن يتخذ إناءً كبيرًا يحرم اتخاذه واستعماله يسع قلتين فأكثر ويملأه ماءًا طهورًا مباحًا، وينغمسَ فيه وهو محدثٌ ناويًا رَفْعَ الحدث، فإنَّه يرتفعُ حدثهُ، وتصحُّ طهارتُه، أشبهَ ما لو صلَّى وفي يده خاتمُ ذهبٍ، فإن ذلك لا يؤثِّرُ في صحَّةِ الصَّلاة.

  37. وتصحُّ الطهارةُ بالماءِ المباح الطهور الذي انفصلَ عن الأعضاء، ووصل "إليه" أي: إلى الإناءِ المحرَّم، بأنْ يجعله مَصَبًّا لماء طهارته المنفصلِ عن أعضائه، كالطستِ؛ لأنَّ الماءَ الذي وصلَ إلى الإناءِ قد رفَع الحدثَ قبل وصوله إلى الإناء، فصحَّت طهارتُه، ولم تبطل به، ونبَّه صاحب "الإقناع" (١) على مسألةٍ رابعة، وهي قوله: "وبه" بأنْ يتَّخذ من الذهبِ والفضَّةِ أو نحوهما ممَّا يحرمُ إناءً، ويغترفَ به من الماء الطَّهورِ، ويَصبَّ به على أعضاء طهارته. ا هـ دنوشري مع زيادة.

  38. (أو غيره) كمسروقٍ ومقبوضٍ بعقدٍ فاسد. ح ف.

  39. (وتباح آنية كفار … إلخ) أي: وما لم تُعرَف نجاسته من آنيةِ كفَّارٍ، بأنْ جُهِل حالُها، ولو لم تحلَّ ذبيحتُهم، أي: ذبيحةُ الكفَّارِ أصحابِ الآنيةِ كالمجوسِ، وعبدَةِ الأوثان، والمرتدِّين، والزنادقة، والدروز، والتيامنة، والنصيريَّة، فإن أواني هؤلاء كلِّهم طاهرةٌ مباحةُ

    vol. 2, p. 166وثيابُهم إن جُهل حالُها.

  40. (و) تُباحُ (ثيابُهم) أي: ثيابُ الكفارِ (إن جُهِلَ حالُها) بأن لم تُعلم نجاستُها، حتى ما وَليَ عوراتِهم. يعني: أنَّه يجوزُ للمسلمِ أن يستعيرَ من الكافرِ أوانيَه وثيابَه المجهولة، ونحكم بطهارتها، وأنَّها متى حصلت في أيدينا، لم يجب عينا (١) تطهيرُ ما لم نعلم نجاستَه منها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه توضَّؤوا

    الاستعمال، قال في "الإقناع" (٢) : ويؤكلُ من طعامهم غير اللحم والدسم. والعلَّةُ في ذلك كونُ ذبيحتهم ميتةً. وما لم تُعلَم نجاستُه من ثيابِهم، أي: ثيابِ الكفار. ولو وَليت عوراتِهم كالسراويل: وهو أعجمي معرَّبٌ، ممنوع من الصَّرف، لشبهه بمفاعيل، وكالتُّبَّان (٣) ، والقميص الذي لم تعلم نجاستُه، وكذا من لَابَسَ النجاسةَ كثيرًا، كمدمنِ الخمر، وكساح الشراب.