باب القرض

16 paragraphs · vol. 3, p. 483

  1. يصحُّ في كلِّ ما يصحُّ بيعُه غيرَ الرقيقِ،

    باب القَرض

    بفتحِ القافِ، وحُكيَ كسرُها، وهو لغةً: القَطْعُ.

    vol. 3, p. 483
  2. وشرعًا: دَفُعْ مالٍ لمن ينتفعُ به وَيردُّ بدَلَه.

  3. وهو جائزٌ بالإجماعِ، مندوبٌ؛ لقوله ﷺ في حديثِ ابنِ (١) مسعودٍ: "ما من مسلمٍ يُقرِضُ مسلمًا [قرضًا] (٢) مرَّتينِ إلا كان كصدقةِ مرّةً" (٣) . ويُباحُ للمقترضِ، وليس من المسألةِ المكروهةِ؛ لفعله ﷺ (٤) .

  4. و (يصحُّ) القرضُ (في كلِّ ما صحَّ بيعُه) من نقدٍ أو عَرْضٍ (غيرَ الرقيقِ) ذكرًا كان أو أنثى، فلا يصحُّ قرضُه؛ لأنَّه لم يُنقل، ويُفضِي إلى أن يقترضَ جاريةً يطؤُها، ثُمّ يردُّها.

  5. ويُشترطُ معرفةُ قَدْرِ قرضٍ، ووصفِه، وكونِ مقرِضٍ يصحُّ تبرُّعُه، فلا يصحُّ من نحوِ (٥) صغيرٍ وسفيهٍ، ويصحُّ من وَلِيٍّ، لمصلحةٍ (٦) ، كما صرَّحَ به في "المنتهى" (٧) وغيرِه في الحَجْرِ، وكلامُ المصنِّفِ هنا في "شرح المنتهى" (٨) غيرُ محرَّرٍ، ولا بُدَّ أنْ يصادفَ ذمَّةً، فلا يصحُّ قرضُ جهةٍ كمسجدٍ، ويصحُّ لناظرٍ ويتعلَّقُ بذمَّتِه وبرَيْعِ الوقفِ

    vol. 3, p. 484ويملَكُ بقبضِه، ويثبتُ البدلُ حالًّا في الذمَّةِ ولو أجَّلَه، وإن ردَّه مقترضٌ، لزمَ قبولُه إن كان مثليًّا ولم يتغيرْ، إلَّا فلوسًا أو مكسَّرةً حرَّمها السلطانُ، فقيمتُها وقتَ عقدٍ،

    كأرْشِ جنايةٍ، كما استظهَره المصنِّفُ. ويظهرُ لي أن الأولى تشبيهُ الناظرِ بالوكيلِ لا بسيِّدِ الجاني؛ لأنَّ سيِّدَ الجاني قد يسقطُ عنه الدَّيْنُ بموتِ الجاني، فلا ينبغي أن يقاسَ عليه الناظرُ، بل هو فيما اقترضه لجهة الوقفِ كوكيلٍ اشترى بثمن في ذمَّتِه، وقد صرَّحُوا بضمانِ الوكيلِ، فكذا ينبغي ضمانُ الناظرِ، والله أعلمُ.

  6. ويصحُّ بلفظِه ولفظِ سَلَفٍ وكلٍّ ما أدَّى معناهما، دمان قال: ملّكْتُكَ. ولا قرينةَ على ردِّ بدلٍ، فهِبَةٌ.

  7. (ويُملكُ) القرضُ بقَبولٍ، ويلزمُ (بقبضِه) كهبةٍ، وإنَّما أخرجت الكلامَ عن ظاهرِه؛ لقولهم: ويتمُّ بقبولٍ كسائرِ العقودِ. وله الشراءُ به من مقرِضِه (ويثبتُ البدلُ أيْ بدلُ القرضِ (حالًّا في الذمَّةِ) أي: في (١) ذمَّةِ المقترضِ (٢) (ولو أجَّلهُ) المقرضُ: لأنَّه عقدٌ منعَ فيه من التفاضلِ، فمنعَ الأجلُ فيه. قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله : القرضُ حالٌّ، وينبغي أن يفيَ بوعدِه.

  8. (وإنْ ردَّه) أي: القرضَ بعينهِ (مقترضٌ، لزمَ) المقرضَ (قبولُه إنْ كان) القرضُ (مِثْلِيًّا ولم يتغيَّر) أي: يتعَّيب؛ لأنَّه ردَّه على صفةِ حقِّه، سواءٌ تغيَّر سعرُه، أو (٣) لا، فإن تعيَّبَ كحنطةٍ ابتلَّت، لم يلزمه قبولُه (إلا) إنْ كان القرضُ (فلوسًا أو) (٤) دراهمَ (مكسَّرةً حرَّمها السلطانُ) أي: منعَ المعاملةَ بها (فـ) الواجبُ (قيمتُها) أي: قيمةُ الفلوسِ والمكسَّرةِ (وقتَ عقدِ) القرضِ؛ لأنَّه كالعيبِ فلا يلزمُ قبولُها، وتكون القيمةُ من غيرِ جنسِ الدراهمِ.

  9. ويردُّ مثلَ مِثْلِيٍّ وقيمةَ غيرِه، فإن أعوزَ المثليُّ، فقيمته إذًا.

    vol. 3, p. 485
  10. وَيحرمُ شرطٌ جرَّ نفعًا، لا فعلُه بلا شرطٍ، أو إعطاءُ أجودَ أو هديَّة بعد الوفاءِ، وإن أهداه (١) قبل

    (ويَردُّ) المقترضُ (مِثلَ مِثلِيٍّ) اقترضَه (٢) ، وهو كلُّ مكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةً؛ فيَردُّ مِثلَ المكيلِ في المكيلاتِ، ومثل الموزونِ في الموزوناتِ؛ لأنَّه أقربُ شَبهًا من القيمةِ، ويجبُ ردُّ مِثلِ فلوسٍ غلَت أو رخُصت أو كسدَت (و) يَردُّ (قيمه غيرِه) أي: غيرِ المِثْليِّ من المتقوَّمات، وتكونُ القيمةُ في نحو جوهرٍ يومَ قبْضِه، وفيما يصحُّ سلَمٌ فيه يومَ قرْضِه.

  11. (فإن أَعْوَزَ) أي: تعذَّرَ (المِثليُّ (٣) ، فـ) يَردُّ (قيمتَه) أي: قيمة المِثليِّ (٤) (إذًا) أي: وقتَ إعوازِه؛ لأنَّه وقتُ ثبوتِها في الذمَّةِ.

  12. (ويحَرُمُ) في القرضِ كلُّ (شَرْطٍ جرَّ نفعًا) كأنْ يسكنَه (٥) دارَه أو يقضِيَه (٦) خيرًا منه؛ لأنَّه عقدُ إرفاقٍ وقُربةٍ، فإذا شرطَ فيه ذلك، أخرجَه عن موضوعهِ. و (لا) يحرمُ (فعلُه) أي: ما فيه نفعٌ كسكنى الدارِ (بلا شرط، أو) أي: ولا يَحرُم (إعطاءُ) خيرٍ من القرضِ، كصحاحٍ عن مكسَّرةٍ، أو (أجودَ) منه نقدًا أو سِكَّةً، وكذا ردُّ نوعٍ أجْوَدَ ممَّا أخذَه (أو هديَّةٍ) لمقرضٍ (بعدَ الوفاءِ) لأنَّه ﷺ استسلفَ (٧) بَكرًا، فردَّ خيرًا منه، وقال: "خيْرُكم أحسنكم قضاءً" متَّفَقٌ عليه (٨) .

  13. (وإنْ أهداه) أي: أعطى مقترِضٌ مقرِضًا هديَّةً، أو أسكنَه دارَه ونحوَه (قَبْلَ

    vol. 3, p. 486الوفاءِ، حرمَ، إن لم ينوِ احتسابَه، أو مكافأتَه، أو تجرِ عادتُه به قَبْل.

  14. وإن طولبَ ببدلِ قرضٍ ونحوِه ببلدٍ آخَرَ، لزمَ، إلَّا ما لحملِه مؤونةٌ، فقيمتُه إن كانت ببلدِ قرضٍ أنقصَ.

  15. الوفاءِ، حَرُمَ) على مقرِضٍ قَبولُ ذلك (إنْ لم ينوِ) المقرِضُ (احتسابَه) من دَيْنِه (أو) ينوِ (مكافأتَه) عليه (أو تجْرِ عادتُه (١) به) أي: بإعطاءِ الهديَّةِ معه، بأنْ جرت عادةٌ بين (٢) المقرِضِ والمقترِضِ بذلك الفعلِ (قبلَ) القرضِ، فلا يحرُمُ؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "إذا أقرضَ أحدُكم قرضًا فأهدى إليه، أو حملَه على الدابَّةِ، فلا يركبْها ولا يقبلْه، إلا أنْ يكونَ جرَى بينه وبينه قبلَ ذلك" رواهُ ابن ماجه (٣) ، وفي إسنادِه من تُكُلِّم فيه.

  16. (وإن طُولبَ) مقترِضٌ (٤) ونحوه (ببدلِ قرْضٍ ونحوِه) كثمنِ مبيعٍ وبدلِ غصْبٍ (ببلدٍ آخَرَ) غيرِ بلدِ القرضِ ونحوِه (لزمَ) المدينَ (٥) دفعُ ذلك؛ لتمكُّنِه من أداءِ الحقِّ بلا ضررٍ (إلا ما لحملِه مؤونةٌ) كحديدٍ وقطنٍ (فـ) الواجبُ (قيمتُه إن كانت) قيمتُه (ببلدِ قرْضٍ) ونحوِه (أنقصَ) منها ببلدِ الطَّلبِ؛ لأنَّه لا يلزمُه حملُه إلى بلدِ الطلبِ فيصيرُ كالمتعذَّرِ، وإذا تعذَّرَ المِثلُ، تَعيَّنت القيمةُ واعتُبرت ببلدِ قرضٍ ونحوِه؛ لأنَّه الذي يجبُ فيه التسليمُ، فإن كانت قيمتُه ببلدِ قرْضٍ ونحوِه مساويةً لبلدِ الطَّلبِ أو أكثر، لزمَه دفعُ البدلِ ببلدِ (٦) الطلبِ؛ لما سبقَ، ولو طُولبَ بعينِ غصْبٍ بغيرِ بلده، لم يلزمه، وكذا أمانة وعارية؛ لأنَّه لا يلزمُ حملُها إليه.