باب الرهن
21 paragraphs · vol. 3, p. 487
- vol. 3, p. 487
يصحُّ في كلِّ عينٍ صحَّ بيعُها، حتى المكاتَبُ مع الحقِّ وبعدَه،
[باب الرهن]
-
هو لغةً: الثبوتُ والدوامُ. يقال: ماءٌ راهنٌ، أي: راكدٌ. ونعمةٌ راهنةٌ، أي: دائمةً.
-
وشرعًا: تَوْثقةُ دَينٍ بعينٍ يمكنُ استيفاؤه (١) منها أو من ثمنِها.
-
وهو جائزٌ بالإجماعِ، ولا يصحُّ بدونِ إيجابٍ وقَبولٍ أو ما يدلُّ عليهما، ويعتبرُ معرفةُ قدرِه وجنسِه وصفتِه، وكونُ راهنٍ جائزَ التصرُّفِ، مالكًا (٢) لمرهونٍ أو مأذونًا له (٣) فيه.
-
و (يصحُّ) الرهنُ (في كلِّ عينٍ صحَّ بيعُها) إلا المصحفَ؛ لأنَّ المقصودَ منه الاستيثاقُ ليتوصَّلَ إلى استيفاءِ الدَّيْنِ من ثمنِ الرهنِ عند تعذُّره من الراهنِ (حتى المكاتَبُ) لأنَّه يجوزُ بيعُه ويُمَكَّنُ من الكسبِ، فإن عجزَ (٤) ، فهو وكسبُه رهنٌ؛ لأنَّه نماؤه، وإن عتقَ، فما أدَّى بعد عقدِ الرهنِ، رهنٌ، والمعلَّقُ عتْقُه بصفةٍ إن كانت توجدُ قبلَ حلولِ الدَّين، لم يصحَّ رهنُه، وإلا، صحَّ.
-
ويصحُّ الرهنُ (مع) وجوبِ (الحقِّ) كأن يقولَ: بعتُكَ هذا بعشرةٍ إلى شهرٍ ترهنُني (٥) بها عبدَك هذا. فيقولُ: اشتريتُ ورهنتُ. لدعاءِ الحاجةِ إلى جوازهِ إذًا. (و) يصحُّ (بعدَه) أي: بعد (٣) الحقِّ بالإجماعِ، ولا يجوزُ قبلَه؛ لأنَّ الرهنَ تابعٌ للحق، فلا يسبقه.
- vol. 3, p. 488
ويصحُّ رهنُ مبيعٍ غيرَ نحوِ مكيلٍ على ثمنِه وغيرِه، ويلزمُ في حقِّ راهنٍ فقط بقبضٍ، واستدامتُه شرطٌ للزومِه، ولا ينفذُ تصرُّفُ راهنٍ فيه بغيرِ إذنِ مرتهنٍ إلَّا العتقَ، وتؤخذُ قيمتُه رهنًا مكانَه، ونماؤُه
(ويصحُّ رهنُ مبيعٍ) قبلَ قبضِه (غيرَ نحوِ (١) مكيلٍ) كموزونٍ ومعدودٍ ومذروعٍ (على ثمنِه وغيرِه) عند بائعِه وغيرِه؛ لأنَّه يصحُّ بيعُه، بخلافِ مكيلٍ ونحوه؛ لأنَّه لا يصحُّ بيعُه قبلَ قبضِه فكذلك رهنُه (ويلزمُ) رهنٌ (في حقِّ راهنٍ فقط) أي: دونَ مرتهنٍ، وإنما لَزِمَ في حقِّ راهنٍ؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيرِه، فلزمَ من جهتهِ؛ كالضمانِ في حقِّ الضامِن، لكن إنَّما يلزمُ (بقبضِ) مُرْتهِنٍ، أو من يتَّفقان (٢) عليه لرهنٍ كقَبْض مبيعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والرَّهنُ قبل (٣) قبْضٍ صحيحٌ غيرُ لازمٍ، فلراهنٍ فسْخُه والتصرُّف فيه؛ فإن تصرَّف فيه بنحوِ بيعٍ أو عتقٍ، بطَلَ (٤) ، وبنحوِ إجارةٍ أو تدبيرٍ، لا يبطلُ؛ لأنَّه لا يمنعُ البيعَ (واستدامتُه) أي: القبضِ (شرْطٌ للزومهِ) أي: الرهن؛ للآيةِ، فإن أخرجَه مرتهنٌ إلى راهنٍ باختيارِه، زالَ لزومُه، فإن ردَّه راهنٌ إليه، عادَ لزومُه (ولا ينفدُ تصرُّفُ راهنٍ فيه) أي: في الرهنِ المقبوضِ (بغير إذنِ مرتهِنٍ) لأنَّه يفوِّتُ على مرتهنٍ حقَّه (إلا العتقَ) أي: عتقَ الراهنِ المرهونَ، فيصحُّ مع الإِثمِ (٥) ؛ لأنَّه مبنيٌّ على التغليبِ والسِّرايةِ (وتؤخذُ قيمتُه) حالَ الإعتاقِ من الراهنِ، وتكونُ القيمةُ (رهنًا مكانَه) لأنَّها بدلٌ عنه، وكذا لو قتلَه، أو أحبلَ الأمَةَ بلا إذنِ مرتهِنٍ، أو أقرّ بعتقٍ، وكذَّبَه.
-
(ونماؤه) أي: الرهنِ المتَّصلُ والمنفصلُ، كسِمَنٍ وتعلُّمِ صنعةٍ وولدٍ وثمرةٍ وصوفٍ.
- vol. 3, p. 489
وكسبُه وأرشُ جنايةٍ عليه، تبعٌ له، ومؤونتُه على راهنٍ
(وكسبُه، وأَرْشُ جنايةٍ عليه، تبعٌ له) أَي: للرهنِ، فيكونُ رهنًا معه، ويباعُ معه لوفاءِ الدَّينِ إذا بيعَ (ومؤونتُه) أي: نفقةُ الرهنِ (على راهنٍ) لحديثِ سعيدِ بنِ المُسيَّبِ عن أبي هريرةَ أنَّ النبيِّ ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرهنُ من صاحبهِ الذي رهنَه، له غُنمُه وعليه غُرمُه" رواه الشافعيُّ والدّارقُطْنيُّ وقال: إسنادهُ حسَنٌ متَّصِل (١)
- vol. 3, p. 490
ككفنِه وأجرةِ مخزنِه، وهو أمانةٌ لا يسقطُ بتلفِه شيءٌ من دَيْنِه،
(ككفَنِه) إن ماتَ، فعلى مالكِه؛ لأنَّه تابعٌ لمؤونتِه (و) كـ (أجرةِ مخْزنِهِ) إن كان مخزونًا، وأجرةِ حفظِه.
-
(وهو) أي: الرهنُ (أمانةٌ) في يدِ مرتهنٍ؛ للخبرِ السابقِ، ولو قبلَ عقدِ الرهنِ، كبعدِ وفاءٍ، إن تَلِف بلا تعدٍّ ولا تفريطٍ؛ فلا ضمان، و (لا يسقطُ بتلفِه) أي: الرهن (شيءٌ من دَيْنِه) لأنَّه كان ثابتًا في ذِمَّةِ الراهنِ قبل التلفِ ولم يوجدُ ما يسقطهُ، فبقيَ بحالِه، وكما لو دفعَ له شيئًا ليبيعَه ويستوفيَ حقَّه من ثمنِه.
- vol. 3, p. 491
ولا ينفكُّ بعضُه مع بقاءِ بعضِ دينِه، وتصحُّ زيادةُ رهنٍ لا دَينِه، وإذا حلَّ الدَّيْنُ وامتنعَ من أدائِهِ، بِيعَ رهنه (١) بإذنِه،
(ولا يَنْفَكُّ بعضُه) أي: بعضُ الرهنِ (مع بقاءِ بعضِ دَيْنهِ) كما لو رهنَه عبدًا على مئةٍ، فوفَّاهُ منها خمسين، فإنَّه لا ينفكُّ نصفُ العبدِ من الرهنِ، بل يبقى العبدُ بتمامِه رهنًا في الباقي؛ لأنَّ الدَّينَ كله متعلِّقٌ بجميعِ أجزاءِ الرهنِ، سواءٌ كانَ ممَّا تمكنُ قسمتُه، أوْ لا.
-
(وتصحُّ زيادةُ رهنٍ) كما لو رهنَه عبدًا على مئةٍ، ثمَّ رهنَه (٢) عليها أيضًا ثوبًا؛ لأنَّه زيادةُ استيثاقِ. و (لا) تصحُّ زيادةُ (دَيْنِه) فإذا رهنَه عبدًا على مئةٍ، لم يصح جعلُه رهنًا على خمسينَ مع (٣) المئة ولو كان يساوي ذلك؛ لأنَّ الرهنَ اشتُغلَ بالمئةِ الأولى، والمشغولُ لا يُشغلُ.
-
وإنْ رهنَ عند اثنين شيئًا، فوفَّى أحدَهما، أو رهناه شيئًا، فاستوفَى من أحدِهما، انفكَّ في نصيبِه، لتعدُّدِ العقدِ إذًا.
-
(وإذا حلَّ الدَّينُ) لزمَ الراهنَ الإِيفاءُ (و) إن (امتنعَ من أدائِه) أي: الدَّينِ (بِيعَ رهنُه) أي: الدَّين، أي (٤) : باعَه المرتهنُ أو العدلُ الذي تحتَ يدِه الرهنُ (بإذنِه) أي: الراهنِ، وإن كان الراهنُ قد أذِنَ في البيعِ عندَ الرهنِ، لم يحتجْ لتجديدِ الإذنِ عند الحلولِ، وإن كان البائعُ العدلَ (٥) ، اعتُبرَ إذنُ المرتهنِ أيضًا، ويوفَّى الدَّينُ من ثمنِ الرهنِ؛ لأنَّه المقصودُ بالبيعِ، وإن فضلَ من ثمنِه شيءٌ، فلمالِكه، وإن بقيَ من الدَّينِ شيءٌ، فعلى الراهنِ.
- vol. 3, p. 492
وإلَّا، أجبرَه حاكمٌ، فإن أصرَّ، باعَه عليه ووفَّى.
-
ويُقبَلُ قولُ راهنٍ في قَدْرِ رهنٍ ودَيْنٍ ورَدِّهِ، لا أنَّه مِلْكُ غيرِه، أو جَنَى، ويؤاخذُ به بعد فكٍّ ما لم يصدِّقْه مرتهنٌ.
-
ولمرتهنٍ ركوبٌ وحَلْبٌ بقَدْرِ نفقتِه بلا إذنٍ متحرِّيًا للعدلِ،
(وإلا) يأذنُ راهنٌ في البيعِ ولم يُوفِّ، (أجبرَه حاكم) على وفائِه، أو بيعِ الرهنِ (فإن أصرَّ) أي: أقامَ على الامتناعِ، أو كان غائبًا أو تغيَّب (باعَه) الحاكمُ (عليه) أي: على الراهنِ (ووفَّى) الدّينَ؛ لأنَّه حقٌّ تعيَّن عليه فقامَ الحاكمُ مقَامَه فيه، وليس لمرتهنٍ بيعُه إلا بإذنِ ربِّه أو الحاكمِ.
-
(ويُقبَلُ قولُ راهنٍ في قَدْرِ رهنٍ) فإذا قال المرتهنُ: رهنتني هذا العبدَ والأمَةَ. وقال الراهنُ: بل العبدَ وحده. فقولُه؛ لأنَّه منكِرٌ (و) يُقبلُ قولُه أيضًا في قَدْرِ (دَيْنٍ) بأن قال المرتهنُ: هو رهنٌ بألفٍ. فقال الراهنُ: بل بمئةٍ فقط. فقولُه، لمَا تقدَّم (و) يُقبلُ قولُه أيضًا في (ردِّه) بأنْ قال المرتهنُ: رددتُه إليكَ. وأنكرَ الراهنُ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ معه والمرتهنُ قبضَ العينَ لمنفعتِه، فلم يُقبل قولُه في الردِّ كالمستأجِر، و (لا) يُقبلُ قولُ راهنٍ (أنَّه) أي: الرهنَ (مِلكُ غيرِه، أو) أنَّ الرهنَ (جَنَى) فلا يقبلُ على مرتهنٍ؛ لأنَّه متَّهَمٌ في حقِّه، بل يُقبلُ قولُ راهنٍ على نفسِه (ويؤاخَذُ) أي: يطالبُ الراهنُ (به) أي: بإقرارِه (بعد فَكٍّ) الرهنِ بوفاءِ الدَّينِ، أو الإبراءِ منه، فيلزمُه دفعُه للمُقَرِّ له إذا (١) انفكَّ الرهنُ (ما لم يصدِّقْه) أي: الراهنَ (مرتهِنٌ) في إقرارِه، فيبطلُ الرهنُ في الأولى، ويقدمُ به المجنيُّ عليه في الثانيةِ؛ لوجودِ المقتضي السالم عن المعارض.
-
(ولِمرْتهِنٍ ركوبُ) ما يُركَبُ من الرهنِ (وحَلْبُ) ما يُحلَبُ (بقَدْرِ نفقتِه بلا إِذْنِ) راهنٍ (متحرِّيًا للعدلِ) لقولهِ ﷺ : "الظَّهْرُ يُركَبُ بنفقتِه إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ
vol. 3, p. 493وإن أنفقَ عليه بنيَّةِ رجوعٍ وتعذَّرَ استئذانُ مالكٍ، رجعَ كوديعةٍ وعاريَّةٍ ومؤجَرةٍ، لا إنْ خربت فعمَّرَها بلا إذنٍ.
-
يُشرَبُ إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَركبُ وَيشربُ النفقةُ" رواه البخاريُّ (١) . وتُسترضعُ الأمَةُ بقَدْرِ نفقتِها، وما عدا ذلك من الرهنِ لا يُنتفعُ به إلا بإذنِ مالكهِ (وإن أنفقَ) مرتهنٌ (عليه) أي: على الحيوانِ المرهونِ بغيرِ إذنِ راهنٍ (بنيَّةِ رجوعٍ) بما أنفقَه على راهنٍ (وتعذَّر استئذانُ مالكِ) الرهنِ؛ لتوارِيه أو غَيْبتِه (رجَعَ) مرتهنٌ بالأقلِّ ممَّا أنفقَ أو نفقةِ المِثلِ، ولو لم يستأذنْ حاكمًا أو يُشهِدْ، فإن أمكنَ استئذانُ مالكِ الرهنِ، ولم يستأذته مرتهنٌ، لم يَرجعْ (كوديعةٍ وعاريةٍ ومؤجَرةٍ) فلمنفِقٍ عليها الرجوعُ كالرهنِ (لا إن خَرِبت) الدارُ المرهونةُ (فعَمَّرها) مرتهنٌ (بلا إذنِ) مالكِها فمتبرِّع لا يرجعُ إلا بآلتِه فقط؛ لأنَّها ملِكُه دون ما تحفظُ به ماليَّةُ الدارِ وأجرةِ المعمِّرين؛ لأن العِمارةَ ليست واجبةً على الراهنِ، فلم يكنْ لغيرِه أن ينوبَ عنه فيها، بخلافِ نفقةِ الحيوانِ؛ لحرمتِه في نفسهِ.