باب الصلح

27 paragraphs · vol. 4, p. 5

  1. يصحُّ على إقرارٍ وإنكارٍ، فإذا أقرَّ له بِدَيْنٍ أو عينٍ، فأسقطَ، أو وهبَ البعضَ، وأخذَ الباقي، صحَّ بلا شرطٍ وبلا لفظِ صُلحٍ،

    [باب الصلح]

    vol. 4, p. 5
  2. هو لغةً: قَطْعُ المنازعةِ.

  3. وشرعًا: معاقدةٌ يتوصَّلُ بها إلى إصلاحٍ بينَ متخاصمَيْن، ويكونُ في الأموالِ وغيرِها.

  4. والأَوَّلُ المقصودُ هنا قسمان: صُلْحُ إقرارٍ، وصلحُ إنكارٍ؛ فلهذا قال:

    (يصحُّ) الصلحُ (على اقرارٍ وإنكارٍ) ولكلِّ أحكامٌ تخصُّه، فأشارَ إلى الأَوَّلِ بقوله: (فإذا أقرَّ له بدَيْنٍ أو عينٍ، فأسقطَ) عنه من الدَّينِ بعضَه (أو (١) وهبَ البعضَ (٢) ) من العينِ (وأخدَ الباقي) من الدَّينِ أو العينِ (صَحَّ) لأنَّ الإنسانَ لا يُمنَعُ من إسقاطِ بعضِ حقِّه كما لا يُمنَعُ من استيفائِه؛ لأنَّه ﷺ كلَّمَ غُرَماءَ جابرٍ ليضَعُوا عنه (٣) .

  5. ومحلُّ صحَّةِ ذلك إذا كان (بلا شرطٍ) بأن يقولَ المقِرُّ: بشرطِ أن تعطيَني كذا. أو: على أن تعطيني كذا. ويقبلُ الآخَرُ على ذلك، فلا يصح.

  6. (و) محلُّه أيضًا إذا كان (بلا لفظِ صُلحٍ) فإن وقعَ بلفظهِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه صالحَ عن بعضِ مالِه ببعضٍ، فهو هضمٌ للحقِّ.

  7. ومحلُّه أيضًا ألا يمنَعه حقَّه بدونِه، وإلا، بطلَ؛ لأنَّه أكل مال الغير بالباطلِ.

  8. ومحلّه أيضًا أن يكونَ الإسقاط ممَّن يصحُّ تبرُّعُه، فلا يصحُّ من مكاتَبٍ، وناظر

    vol. 4, p. 6وإن وضعَ بعضَ حالٍّ وأجَّلَ باقيَه، صحَّ الوَضْعُ لا التأجيلُ.

  9. وإن صالح عن مؤجَّلٍ ببعضه حالًّا، أو عكسه، أو أقرَّ له ببيتٍ فصالحَه على سُكناهُ مُدَّةً، أو بناءِ غرفةٍ له فوقَه،

    وقفٍ، ووليِّ صغيرٍ و مجنونٍ؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وهُمْ لا يملكونه إلَّا (١) إن أنكرَ من عليه الحق ولا بيّنَة؛ لأنَّ استيفاءَ البعضِ عند العجزِ عن استيفاءِ الكلِّ أولى من تركِه.

  10. (وإن وضعَ) ربُّ دَيْنٍ (بعضَ) دَينٍ (حالٍّ وأجَّلَ (٢) باقيَه، صحَّ الوضعُ) لأنَّه أسقطَ عن طيبِ نفسِه، ولا مانعَ من صحَّته، و (لا) يَصِحُّ (التأجيلُ) لأنَّ الحالَّ لا يتأجَّلُ (٣) ، وكذا لو صالحَه عن مئةٍ صحاحٍ بخمسين مكسَّرةٍ، فهو إبراءٌ من الخمسين، ووعْدٌ في الأخرى، ما لم يقعُ (٤) بلفظِ الصلحِ، فلا يَصِحُّ كما تقدَّم.

  11. (وإنْ صالحَ عن مؤجَّلٍ ببعضه حالًّا) لم يَصِحُّ في غير كتابةٍ؛ لأنَّه يبذلُ القدرَ الذي يحطُّه عوضًا عن تعجيلِ ما في ذمَّته، وهو لا يجوزُ (أو عكسُه) بأن صالحَ عن حالٍّ ببعضه مؤجَّلًا، لم يصحَّ إن كان بلفظ الصلحِ كما تقدَّمَ.

  12. (أو أقَرَّ له (٥) ببيتٍ) ادَّعاه (فصالَحه على سُكناه مدَّةً) معيّنةً أو أبدًا (أو) صالحَه على (بناءِ عُرفةٍ له فوقَه) أو [صالحَه على بعضِه] (٦) ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه صالحه عن ملكِه بملكِه أو منفعتِه (٧) ، وإن فعل ذلك، كان متبرِّعًا، متى شاءَ أخرجَه، وإن فعلَه على سبيل المصالحةِ معتقدًا وجوبَه عليه بالصلحِ، رجَع عليه بأجرةِ ما سكنَ؛ لأنَّه أخذه بعقدٍ فاسدٍ.

  13. أو صالحَ مكلَّفًا؛ لِيُقرَّ له بعبوديَّةٍ، أو زوجيَّةٍ بعِوَضٍ، لم يَصِحَّ.

    vol. 4, p. 7
  14. وأَقِرَّ لي بِدَيْني وأعطيك كذا. صحَّ الإقرارُ فقط، وإن ادَّعى عليه بعينٍ أو دَيْنٍ، فسكتَ، أو أنكرَ وهو يجهلُه، فصالحَه، صحَّ،

    (أو صالحَ مكلَّفًا (١) ؛ ليُقِرَّ له بعبويَّةٍ) أي: بأنَّه مملوكُه (٢) ، لم يَصِحَّ (أو) صالحَ امرأةً؛ لتُقِرَّ له بـ (زوجيَّةٍ) أي: بأنَّها زوجتُه (بِعوَضٍ، لم يَصِحَّ) الصلحُ؛ لأنَّ ذلك يُحلُّ حرامًا. وإن بذلَ المدَّعَى رقُّه أو (٣) زوجيَّتُه (٤) عوضًا لمدَّعٍ صلحًا عن دعواه، جازَ البذلُ دونَ الأخذِ.

  15. (و) إن قال: (أَقِرَّ لي بدَيْني وأُعطيكَ) منه كذا) فَفَعلَ (صَحَّ الإقرارُ) لأنَّه أقرَّ بحقٍّ يَحرُمُ عليه إنكارُه (فقط) أي: دونَ الصلحِ، فلا يَصِحُّ (٥) ؛ لأنَّه يجبُ عليه الإقرارُ بما عليه من الحقِّ، فلم يحِلَّ له أخذُ العِوضِ عليه، فإنْ أخذَ شيئًا، ردَّه (٦) .

  16. وأشارَ إلى القسمِ الثاني -وهو صلحُ الإنكارِ- بقولهِ: (وإن ادَّعَى عليه بعيْنٍ أو دَينٍ، فسكتَ) المدَّعَى عليه (أو أنكرَ، وهو) أي: والحالُ أن المدَّعَى عليه (يجهلُه) أي: يجهلُ ما ادُّعِيَ به عليه (فصالَحه) عنه بمالٍ حالٍّ أو مؤجَّلٍ (صحَّ) الصلحُ؛ لعمومِ قولهِ ﷺ : "الصلحُ جائزٌ بينَ المسلمين إلَّا صُلْحًا حرَّمَ حلالًا، أو أحَلَّ حرامًا" رواه أَبو داود والترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وصحَّحَه الحاكمُ (٧) . ومن ادَّعيَ عليه

    vol. 4, p. 8ومن كذبَ منهما، لم يَصِحَّ في حقِّه باطنًا، وما أخذَ حرامٌ.

  17. ولا يصحُّ بعِوَضٍ عن حدٍّ، أو شُفعةٍ،

    بوديعةِ أو تفريطٍ فيها أو قرضٍ، فأنكرَ وصالحَ على مالٍ، فهو جائز (١) ، ذكرهَ في "الشرح" (٢) وغيرِه، وصلحُ الإنكارِ في حقِّ مدَّعٍ: بيعٌ يردُّ بعيبٍ فيما أخذَه، ويُفسخُ الصلحُ، ويؤخذُ منه بشُفعةٍ إن كان العوضُ مشفوعًا. وفي حقِّ منكِرٍ: إبراءٌ؛ لأنَّه افتدى بيمينِه، فلا ردَّ له ولا شُفعةَ، بخلافِ صلحِ الإقرارِ، فإنَّ الاعتياضَ عن المقرِّ به بيعٌ في حقِّهما.

  18. (ومن كذبَ منهما) في دعواه أو إنكارِه، وعَلمَ بكذبِ نفسِه (لم يَصِحَّ) الصلحُ (في حقِّه باطنًا) لأنَّه عالمٌ بالحقِّ، قادرٌ على إيصالِه لمستحقِّه (وما أخذَه) من العوضِ (حرامٌ) عليه؛ لأنَّه أَكْلٌ للمالِ بالباطلِ.

  19. (ولا يَصِحُّ) الصلحُ (بِعوَضٍ عن حَدِّ) سرقةٍ وقذفٍ وغيرِهما؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يؤولُ إليه (أو) (٣) عن حقِّ (شُفعةٍ) لأنَّها شُرعت إزالةً لضررِ الشركةِ فلا يُعتاضُ عنها

    vol. 4, p. 9أو تركِ شهادةٍ، أو خيارٍ.

  20. وإن حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ جارِه، أو عِرْقُها في أرضِه، أزالَه، فإن أَبى، لواه الجارُ إن أمكنَ، وإلَّا، قطعَه.

  21. ويجوزُ في دربٍ نافذٍ فتحُ بابٍ؛ لاستطراقٍ، لا إخراجُ نحوِ رَوْشَنٍ

    ومِيْزابٍ بلا إذنِ إمامٍ أو نائبِه، ولا دَكَّةٍ ودكَّانٍ، ولا يفعلُ ذلك

    (أو) أي: ولا يَصِحُّ الصلحُ عن (تركِ شهادةٍ) بحقٍّ أو باطلٍ (أو) عن حقِّ (خيارٍ) لأنَّه شُرعَ للنظرِ في أحظِّ الأمرين، لَا لاستفادةِ مالٍ، ويسقطُ حدٌّ وشفعةٌ وخيارٌ صولحَ عنها.

  22. (وإن حصلَ غُصنُ شجرتهِ في هواءِ جارِه) المختصِّ به أو المشترَكِ (أو) حصلَ (عِرْقُها) أي: الشجرةِ (في أرضِه) أي: أرضِ جارِه (أزالَه) مالكُه وجوبًا، إمَّا بقطعِه، أوْ لَيِّه إلى ناحيةٍ أخرى (فإن أبَى) مالكُ الغُصنِ أو العِرْقِ إزالتَه (لواهُ) أي: الغصنَ (الجارُ) المالكُ للهواءِ (إن أمكنَ، وإلا) يمكنُ ليُّه (قَطَعَه) الجارُ؛ لوجوبِ إخلاءِ ملكِه، ولا يفتقرُ إلى حاكمٍ، ولا يُجبرُ المالكُ على الإزالةِ؛ لأنَّه ليس من فعلِه، وإن قَطَعَه مالكُ الهواءِ مع إمكانِ ليِّه، ضَمِنَه.

  23. (ويجوزُ في دَربٍ نافذٍ فتحُ بابٍ لاستطراقٍ) لأنَّه لم يتعيَّن له مالكٌ، ولا ضررَ فيه على المجتازِيْن.

  24. و (لا) يجوزُ فيه (إخراجُ نحوِ رَوشَنٍ) على أطراِف خشبٍ أو حَجَرٍ مدفونٍ في الحائطِ، ولا إخراجُ ساباطٍ وهو المستوفي للطريقِ كلِّه على جدارَيْن (و) لا إخراجُ (مِيزابٍ) ولو لم يضرَّ (١) بالمارَّةِ (بلا إذنِ إمامٍ أو نائبِه) بلا ضررٍ؛ لأنَّه نائبُ المسلمين فجرى مجرى إذنِهم (ولا) إخراجُ (دَكَّةٍ) وهي بناءٌ يجلسُ عليه في الطَّرِيقِ (و) لا إخراجُ (دُكَّانٍ) وهو الحانوتُ، بلا إذنِ إمامٍ أو نائبِه بلا ضررٍ (ولا يفعلُ ذلك) أي: ما ذكرَ

    vol. 4, p. 10في مِلكِ جارِه، ولا دربٍ مشترَكٍ بلا إذنِ أهلِه، ولا وضعُ خشبِهِ على حائطِ جارِه، إلَّا إذا لم يمكنْ تسقيفٌ إلَّا به، فيجوزُ، ولو لمسجدٍ أو يتيمٍ.

  25. وإذا انهدمَ مشتركٌ، أو خِيفَ ضررُه، فطلبَ أحدُهما أنْ يعمِّرَ الآخَرُ معه، أُجبرَ.

  26. (في مِلكِ جارِه، ولا) في (دربٍ مشترَكٍ) غيرِ نافذٍ (بلا إذنِ أهلِهِ) الجارِ أو أهلِ الدَّربِ؛ لأنَّ المنع لأجلِ المستحقِّ، فإذا رضيَ بذلك، جازَ (ولا) يجوزُ لجارٍ (١) (وضعُ خشبِهِ على حائطِ جارِه) أو حائطٍ مشتركٍ بلا إذنٍ (إلا إذا لم يمكن تسقيفٌ إلَّا به) ولا ضررَ (فيجوزُ) لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: "لا يمنعنَّ جارٌ جارَه أن يضعَ خشبَه على جدارِه" . ثُمَّ يقولُ أبو هريرةَ: مالي أَراكُم عنها معرِضين! واللهِ لأرْمِينَّ بها بين أكتافِكم. متَّفقٌ عليه (٢) . ويجوزُ ما ذُكِرَ (ولو) كان الحائطُ (لمسجدٍ أو يتيمٍ) فلِجارِه وضعُ خشبِه عليه إذا لم يمكنْ تسقيفٌ إلَّا به بلا ضررٍ.

  27. (وإذا انهدمَ) بناءٌ (٣) (مشترَكٌ، أو خِيفَ ضررُه) بسقوطِه (فطلبَ أحدُهما أن يعمِّرَ) شريكُه (الآخَرُ معه، أُجبِرَ) عليه إن امتنعَ، دفعًا لضررِه؛ لحديثِ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (٤) فإن أبَى، أخذَ حاكم من مالِه، أو باعَ عَرْضَه (٥) ، أو اقترضَ عليه، وأنفقَ.