باب الحجر
22 paragraphs · vol. 4, p. 11
- vol. 4, p. 11
من عجزَ عن وفاءِ شيءٍ من دَيْنِه، حَرُمَ طلبُه وحبسُه، ومن مالُه قدرَ دَيْنِه أو أكثرَ، لم يُحجَرْ عليه، وأُمرَ بوفائهِ، فإن أَبى، حُبسَ بطلبِ ربِّه،
باب الحَجْر
وهو في (١) اللُّغةِ: التضييقُ والمنعُ، ومنه سُمِّيَ الحرامُ حِجْرًا.
-
وشرعًا: مَنْعُ إنسانٍ من تصرُّفِه في مالِه.
-
وهو ضربان: حَجْرٌ لحقِّ الغيرِ، كعَلَى مُفلسٍ، ولحقِّ نفسِه، كعلَى صغيرٍ ونحوِه. (مَن عجزَ عن وَفاءِ شيءٍ من دَيْنِه) بأن لم يَقدر على شيءٍ أصلًا (حَرُمَ طلبُه وحبسُه) وملازمتُه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فإن ادَّعَى العُسرةَ، ودَيْنُه عن عِوضٍ، كثمنٍ وقرْضٍ، أوْلا، وعُرفَ له مالٌ سابقٌ، الغالبُ بقاؤُه، أو كان أقرَّ أنَّه مَلِيءٌ، حُبسَ إن لم يُقِمْ بينَةً تخبِرُ باطنَ حالِه، وتُسمَعُ قبلَ حبسٍ وبعدَه، وإلَّا، حُلِّفَ وخُلِّيَ سبيلُه. (ومَن مالُه قدر دَيْنِهِ، أو) مالُه (أكثر) من دَيْنِه (لم يُحجَر عليه) لعدمِ الحاجةِ إلى الحَجرِ عليه (وأُمِرَ) -بالبناءِ للمفعولِ- أي: وجبَ (٢) على الحاكمِ أمرُه (بوفائِهِ) بطلبِ غريمِه؛ لحديث: "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ" (٣) .
-
ولا يترخَّصُ من سافرَ قبله (٤) . ولغريم من أرادَ سفرًا (٥) ، منعُه من غيرِ جهادٍ متعيَّينِ حتَّى يوثِّقَ برهنٍ يُحرزُ، أو كفيلٍ مَلِيءٍ.
-
(فإنْ أَبى) قادرٌ وفاءَ دَيْنٍ حالٍّ (حُبسَ بطلبِ ربِّه) ذلك؛ لحديثِ: "لَيُّ الواجدِ
vol. 4, p. 12فإن أصرَّ، باعَه حاكمٌ وقضاه، ولا يطالبُ بمؤجَّلٍ، ومن ماله لا يفي بحالِّ دَيْنِه، حُجِرَ عليه بسؤالِ بعض غرمائِه.
-
ظلمٌ، يحِلُّ عِرُضه وعقوبتَه " رواه أحمدُ وأبو داوة وغيرُهما (١) .
قال الإمام (٢) : قال وكيعٌ (٣) : "عرضُه " (٤) : شكواه. و" عقوبتُه ": حبُسه. فإنْ أَبى، عزَّرَه مرَّةً بعدَ أخرى.
-
(فإن أصرَّ) على الامتناعِ من قضاءِ دَيْنِهِ وبيعِ مالِه (باعَه حاكمٌ، وقضاه) لقيامِه مقامَه، ودفعًا لضررِ ربِّ الدَّيْنِ بالتأخيرِ.
-
(ولا يطالَبُ) مَدينٌ بدَيْنٍ (مؤجَّلٍ) لأنَّه لا يلزمُه أداؤه قبلَ حلولِه، ولا يُحجَرُ عليه من أجلِه. (ومَن) أي: أيُّ مدينٍ (مالُه لا يفي بحالِّ دينهِ) أي: بدَيْنِه الحالِّ (حُجِرَ) بالبناءِ للمفعولِ - أي: حَجَرَ الحاكمُ وجوبًا (عليه بسؤالِ) كلِّ أو (بعضِ غرمائه) لحديثِ كعبِ بن مالكٍ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ حجرَ على معاذٍ، وباعَ مالَه" رواه الخلَّالُ بإسنادِه (٥) .
- vol. 4, p. 13
ويستحبُّ إظهارُه، فلا ينفذُ تصرُّفُه فيه بعدَه ولا إقرارُه عليه. ومن وجدَ عينَ ما باعَه، أو أقرضَه له، ونحوَه ولو بعدَ حجرِه جاهلًا به، رجعَ به،
(ويستحبُّ إظهارُه) أي: حَجْرِ الفَلَسِ، وكذا السَّفَهِ؛ ليعلمَ الناسُ بحالِه، فلا يعاملوه إلَّا على بصيرةٍ.
-
ثُمَّ اعلم أنَّه يتعلَّقُ بحَجْرِه أحكامٌ:
أحدُها: المنعُ من التصرُّفِ في مالِه، وإلى هذا أشارَ بقولِه: (فلا ينفذُ تصرُّفُه) أي: المحجورِ عليه؛ لِفَلَسٍ (فيه) أي: في مالِه الموجودِ، والحادثِ بإرث، وغيرِه (بعدَه) أي؛ بعدَ الحجرِ عليه بغيرِ وصيَّةٍ، أو تدبيرٍ (ولا إقرارُه عليه) أي: على مالِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه، وأمَّا تصرفُه في مالِه قبلَ الحجرِ عليه، فصحيحٌ؛ لأنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه، لكن يحرمُ عليه الإضرارُ بغريمِه.
-
(و) الثاني: أنَّ (مَن وَجدَ عينَ ما باعَه) للمفلسِ (أو أقرضَه له ونحوَه) كما لو وجدَ عينَ ما أعطاه له رأسَ مالِ سَلَمٍ (ولو) كان بيعُه، أو قرضُه له (١) ، ونحوه (بعدَ حَجْرِه) ، حالَ كونِ المعاملِ للمفلسِ (جاهلًا به) أي: بالحجْرِ عليه (رجعَ به) أي: بعينِ مالهِ حيثُ كان باقيًا بحالِه (٢) ، ولم يأخذْ من ثمنِه شيئًا؛ لقوله ﷺ : "من أدركَ
vol. 4, p. 14وإن تصرَّفَ في ذمَّتِه، أو أقرَّ بدَيْنٍ طولبَ به بعد فكِّ حجرِه، ويبيعُ حاكمٌ مالَه، ويقسمُه بالمحاصَّةِ، ولا يحلُّ مؤجَّلٌ بحَجْرٍ
متاعَه عندَ إنسانٍ أفلسَ، فهو أحقُّ به" متَّفقٌ عليه من حديثِ أبي هريرةَ (١) . ويصح رجوعُه بقولٍ: كرجعت في متاعي، أو: أخذتُه ونحوِه، ولو متراخيًا بلا حاكمٍ.
-
وعُلمَ من كلامِه أنَّ مَن عاملَه بعدَ الحجْرِ عالمًا به، فلا رجوعَ له؛ لدخولِه على بصيرةٍ، ويتبعُ ببدلِها بعدَ فَكِّ الحجرِ عنه.
-
(وإن تصرَّفَ) محجورٌ عليه؛ لفَلَسٍ (في ذمَّتِهِ) كأن اشترى شيئًا بثمنٍ في الذمَّةِ، أو (٢) تزوَّجَ امرأةً بصَداقٍ في الذمَّةِ، (أو أَقرَّ بدَيْنٍ) صحَّ، و (طولبَ) المحجورُ عليه (به) أي: بما لزمه (٣) في ذمَّتِه بعدَ الحَجْرِ عليه (بعدَ فكِّ حَجْرِه) فلا يشاركُ الغرماء.
-
(و) الثالث: أنَّه (يبيعُ (٤) حاكمٌ مالَه) أي: مالَ المفلسِ الذي ليس من جنسِ الدَّينِ بثمنِ مثله، أو أكثرَ (ويقسمُه) أي: ثمنَ ما باعَه بين الغُرماءِ فورًا (بالمُحاصةِ) أي: بقدرِ الديونِ. وطريقُ المُحاصَّة: أن تجمعَ الديونَ، وتنسبَ إليها مالَ المفلسِ، وتعطيَ كلَّ غريمٍ من دَيْنِه بتلكَ النسبةِ. فلو كان مالُ المفلسِ ألفًا، وعليه لِزيدٍ ألفٌ وأربعمئة، ولعمرٍو ستُّمئة، فمجموعُ (٥) الدَّيْنِ ألفان، ونسبةُ مالِ المفلسِ إليهما نصفٌ، فلزيدٍ نصفُ دَيْنِهِ سبعمئة، ولعمرٍو نصفُ دَيْنِه ثلاثمئة، وعلى هذا فقِسْ، فإنَّه ينفعُك (٦) هنا، وفي الوصيَّة، وغيرِها.
-
(ولا يَحلُّ) دينٌ (مؤجَّلٌ) على مفلسٍ (بحَجْرٍ) عليه؛ لأنَّ الأَجَلَ حقٌّ للمفلسِ، فلا يسقطُ بحجرِه كسائرِ حقوقِه.
- vol. 4, p. 15
ولا بموت إن وثِّقَ برهنٍ أو كفيلٍ مَلِيءٍ.
-
وإن ظهرَ غريمٌ بعدَ قسمةٍ، رجعَ على الغرماءِ بقسطِه، ولا ينفكُّ حجرُه إلَّا بوفائِه، أو حكمِ حاكمٍ، ويجبرُ على تكسُّبٍ؛ لوفاءِ بقيَّتِه.
-
(ولا) يَحلُّ مؤجَّلٌ أيضًا (بموت) مَدِينٍ (إن وثِّقَ) -بالبناءِ للمفعولِ، وتشديدِ الثاءِ المثلَّثةِ- أي: إن حفظَ الورثةُ الدَّينَ (برهنٍ) يحرزُ (١) (أو كفيلٍ مَليءٍ) بأقلِّ الأمرين من قيمةِ التركةِ أو الدَّينِ؛ لأنَّ الأجلَ حقٌّ للميتِ، فورثَ عنه، كسائرِ حقوقهِ، فإن لم يوثِّقوا، حلَّ الدَّيْنُ، لغلبةِ الضررِ.
-
(وإن ظهرَ غريمٌ) للمفلسِ (بعدَ قسمةِ) الحاكمِ مالَ المفلسِ، لم تنقضِ القسمةُ (ورجعَ على الغرماءِ بقسطِه) لأنَّه لو كان حاضرًا، شاركَهم، فكذلك إذا ظهر، ففي المثالِ: لَو (٢) ظهرَ غريمٌ ثالثٌ، دينُه خمسمئة، كانت نسبةُ مالِ المفلسِ إلى جملةِ الدَّيْنِ (٣) خُمْسَيْنِ، فلكلِّ غريمٍ خُمسَا دَيْنِه، فلهذا الثالثِ مئتان، وهما خُمسُ الألفِ الذي هو مالُ المفلسِ، فيرجعُ على كلِّ من الغريمين الأوَّلَين بخُمسِ ما في يده، فيأخذُ من زيدٍ مئةً وأربعين، ومن عمرٍو ستِّين.
-
(ولا ينفكُّ حَجْرُه) أي: المفلسِ: (إلا بوفائِه) لِدَيْنِه، فينفكُّ؛ لزوال المعنى الذي شُرعَ له الحجرُ، والحكمُ يدورُ مع عِلَّتِه (أو حُكْمِ حاكمٍ) فينفكُّ بِحُكمِه، ولو مع بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ؛ لأنَّ حكمَه بفكِّه مع بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ لا يكونُ إلا بعدَ البحثِ عن فراغِ مالِه، والنظرِ في الأصلحِ من بقاءِ الحجرِ و (٤) فكِّه (ويُجبَرُ) بالبناءِ للمفعولِ. أي: يلزمُ الحاكمَ إجْبارُ مفلسٍ له كسبٌ (على تكَسُّبٍ) ولو بإيجارِ نفسِه فيما يليقُ به (لوفاء بقيَّتهِ) أي: باقي الدَّيْنِ بعد قسمةِ ما وُجدَ من مالِه.
- vol. 4, p. 16
فصل
من دفعَ مالَه لمحجورٍ عليه لحظِّه، كصغيرٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ، رجعَ به إنْ بقيَ. وإن أتلفُوه، فلا ضمانَ، وعليهم أرشُ ما جنَوه، وضمانُ ما لم يُدفْع إليهم.
-
وإذا تَمَّ لصغيرِ خمسَ عشْرةَ سنةً، أو أنزلَ، أو نبتَ حولَ قُبُلِه شَعرٌ خَشِنٌ، أو حاضت أنثى، فقد بلغَ.