باب الشركة

34 paragraphs · vol. 4, p. 31

  1. وهي أنواعٌ: شركةُ عِنانٍ: بأنْ يشتركَ اثنانِ فأكثر بنقدٍ معلومٍ يُحضِراهُ ولو من جنسينِ،

    باب

    الشَّرِكةُ: بفتحِ الشينِ المعجمةِ، مع كسرِ الراءِ وسكونِها، وبكسرٍ فسكونٍ.

    vol. 4, p. 31
  2. وتجوزُ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وقولِه ﷺ : "يقولُ الله تعالى: أنا ثالثُ الشريكين ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَ أحدُهما صاحبَه، خرجْتُ من بينهما" رواه أبو داودَ (١) . والمرادُ: بركتُه تعالى.

  3. (وهي) نوعان: اجتماعٌ في استحقاقٍ بنحوِ إرثٍ، أو عقدٍ، واجتماعٌ في تصرُّفٍ وهو المقصودُ هنا، وهو (أنواعٌ) خمسةٌ:

    أحدُها (٢) : (شركةُ عِنانٍ) بكسر العينِ المهملةِ، سُمِّيت بذلك؛ لتساوي الشريكين في المال والتصرُّفِ، كالفارسَيْنِ إذا سوَّيا بين فرسَيْهمَا وتساوَيا في السَّيْرِ.

  4. وتحصلُ (بأن يشتركَ اثنانِ) مسلمانِ، أو أحدُهما (فأكثرُ) من اثنين، ولا تُكرهُ مشاركةُ كتابيٍّ لا يلي التصرُّفَ (بنقدٍ) ذهبٍ أو فضَّةٍ (معلومٍ) لكلِّ منهما (يُحضراه (٣) ) أي: النقدَ المعلومَ من مالِهما (ولو) كان النقدُ (من جنسينِ) بأنْ أحضرَ أحدُهما ذهبًا،

    vol. 4, p. 32أو متفاوتًا؛ ليعملا فيه، والربحُ بينهما بحسبِ الشرِط. فينفذُ تصرُّفُ كلٍّ بحكم (١) المِلكِ في نصيبِه، والوكالةِ في نصيبِ شريكِه.

  5. فإنْ لم يذكرِ الربحُ، أو شُرِطَ لأحدِهما جزءٌ مجهولٌ، أو دراهمُ معلومةٌ، أو ربحُ سِلعةٍ، أو سفرةٍ، ونحوِه،

    والآخرُ فضَّةً (أو) كان (متفاوتًا) بأنْ أحضرَ أحدُهما مئةً، والآخرُ مئتين (ليعملا) متعلِّقٌ بـ "يُحضراه (٢) " ، أي: ليعملَ الشريكانِ (فيه) أي: في (٣) المالِ جميعهِ (والربحُ بينهما بحسبِ الشرطِ) الذي يتَّفقانِ عليه، سواءٌ جعلا (٤) لكلِّ منهما من الربحِ بنسبةِ مالِه أو أكثر، ويصحُّ أنْ يعملَ فيه أحدُهما، ويكونَ له من الربحِ أكثر من مالِه، فإنْ كان بدونِه، لم يصحَّ، وبقدرِه إبضاعٌ (٥) (فينفذُ تصرُّفُ كلٍّ) منهما في الماليْن (بحكمِ المِلكِ في نصيبِه، و) بحكمِ (الوكالةِ في نصيبِ شريكِه) ويغني لفظ الشركة عن إذنٍ صريحِ في التَّصرُّف.

  6. (فإن لم يذكر الربح) لم تصحَّ؛ لأنَّه المقصودُ من الشركةِ، فلا يجوزُ الإخلالُ به (أو شُرِطَ) بالبناءِ للمجهولِ (٦) (لأحدِهما جزءٌ مجهولٌ) كحصَّةٍ أو نصيبٍ من الربحِ، لم تصحَّ؛ لأنَّ الجهالةَ تمنعُ تسليمَ الواجبِ (أو) شُرطَ لأحدِهما (دراهمُ معلومةٌ) لم تصحَّ؛ لاحتمالِ أنْ لا يربحَها (٧) ، أو لا يربحَ غيرَها (أو) شُرِطَ لأحدِهما (ربحُ سلعةٍ) كثوبٍ مجهولٍ أو معيَّنٍ (أو) ربح (سَفْرةٍ) معيَّنةٍ، أو مجهولةٍ (ونحوِه) كربحِ تجارةٍ في شهرٍ (٨) ، أو عامٍ بعينه، لم تصحَّ؛ لأنَّه قد يربحُ في ذلك دونَ غيرِه، فيختصُّ به من شُرِطَ له، وهو منافٍ لموضوعِ الشركةِ.

  7. أو كان المالُ غيرَ نقدٍ، أو نُقْرةً، أو مغشوشًا كثيرًا، لم تصحَّ؛ كمضاربةٍ.

    vol. 4, p. 33
  8. والوضيعةُ بقَدْرِ المالِ، ولا يشترطُ خَلطُ المالَيْنِ.

  9. الثاني: المضاربةُ: كاتَّجرْ بهذا والربحُ بينَنا. فيتناصفاه.

  10. وإن سُمِّيَ لأحدهِما، فالباقي للآخَرِ،

    (أو كان المالُ) الذي أحضراه عندَ عقدِ الشركةِ (غيرَ نقدٍ) كعَرْضٍ، لم تصحَّ، نصًّا (أو) كان المالُ (نُقْرَةً (١) ) وهي الفضَّةُ التي لم تُضربْ، لم تصحَّ؛ لأنَّها كالعَرْضِ (أو) كان المالُ نقدًا (مغشوشًا) غشًّا (كثيرًا، لم تصحَّ) الشركةُ؛ لعدمِ انضباطِ الغِشِّ (كمضاربةٍ) فإنَّها لا تصحُّ بعَرْضٍ، ولا نُقرةٍ، أو مغشوشٍ كثيرًا.

  11. (والوضيعةُ) أي: الخسرانُ (بقدرِ المالِ) سواءٌ كانت (٢) لتلفٍ، أو نقصانِ ثمنٍ، أو غيرِ ذلك (ولا يشترطُ) لصحَّةِ الشركةِ (خلطُ المالَيْنِ) لأنَّ القصدَ الربحُ، وهو لا يتوقَّفُ على الخَلْطِ.

  12. النوعُ (الثاني: المضاربةُ) من الضربِ في الأرضِ: وهو السفرُ للتِّجارةِ، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وتُسمَّى قِراضًا ومعاملةً.

  13. وهي: دفعُ نقدٍ معلومٍ لمن يتَّجرُ فيه بجزءٍ مُشاعٍ معلومٍ من ربحِه (كاتَّجرْ بهذا) المالِ (والربحُ بيننا) أو: اتَّجرْ به، ولكَ نصفُ الربحِ، ولي نصفُه (فيتناصفاه (٣) ) أي: يأخذُ كلٌّ منهما نصفَ الربحِ (وإن سُمِّيَ لأحدِهما) جزءٌ من الربحِ، وسُكتَ عن الآخَرِ، كـ: اتَجِرْ به ولك - أوْ: لي- ثلثُ الربحِ. (فالباقي) من الربحِ (للآخَرِ) المسكوتِ عَنْه.

  14. وإن اختلفَا لِمَنِ المشروطُ، فلعاملٍ، كمساقاةٍ ومزارعةٍ.

    vol. 4, p. 34
  15. ولا يضاربُ لآخَرَ إنْ ضرَّ بالأوَّلِ بلا إذنِه، فإنْ فعلَ، ردَّ حصَّته في الشركةِ.

  16. ولا يشتري من يعتقُ على ربِّ المالِ بلا إذنِه،

    (وإن اختلفَا لمن) الجزءُ (المشروطُ، فـ) هو (لعاملٍ) قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنَّه يستحقه بالعملِ، وهو يقل ويكثرُ، وإنَّما تتقدَّرُ حصَّتُه بالشرطِ، بخلافِ ربِّ المالِ، فإنَّه يستحقه بمالِه، ويُحلَّفُ مدَّعي المشروطِ.

  17. وإن اختلفا في قدرِ الجزءِ المشروطِ، فقولُ مالكٍ بيمينِه (كمساقاةٍ ومزارعةٍ) فيما إذا اختلفا في جزء مشروطٍ، أو في قدرِه؛ لما تقدَّمَ.

  18. (ولا يضارِبُ) عاملٌ (لآخَرَ) أي: لا يأخذُ العاملُ مالًا مضاربةً من غيرِ المالكِ (إن ضرَّ) عملُه للثاني (بالأوَّلِ) هكذا بخطِّه، والصوابُ: حذف الباءِ من المفعولِ، أو زيادةُ الهمزةِ في الفعل؛ لأنَّه يقالُ: ضرَّه، وأضرَّ به (١) ، يتعدَّى بنفسِه ثلاثيًّا، وبالباءِ (٢) رباعيًّا، كما في "المصباح" (٣) (بلا إذنِه) أي: الأوَّلِ؛ لأنها انعقدَت على الحظ والنماءِ، فلم يَجُز له أنْ يفعلَ ما يمنعُه، فإنْ لم يكن فيها (٤) ضرر على الأوَّلِ، أو أذِنَ، جازَ (فإن فعلَ) بأن ضاربَ لآخَرَ مع ضررِ الأوَّلِ بلا إذنِه (رد) عاملٌ (حصته) من ربحِ الثانيةِ (في الشركة) الأولى؛ لأنَّه استحق ذلك بالمنفعةِ التي استُحقَّت بالعقدِ الأوَّلِ (ولا يشتري) عاملٌ (مَن يَعتِقُ على ربِّ المالِ بلا إذنهِ) وظاهرهُ: لقرابةٍ (٥) ، أو

    vol. 4, p. 35فإن فعلَ، ضمنَ ثمنَه وعتقَ.

  19. ولا يقسَمُ ربحٌ مع بقاءِ عقدٍ إلا باتِّفاقهما.

  20. وإن تلفَ رأسُ المالِ أو بعضُهُ وبعدَ تصرُّفٍ أو خسرَ، حسبَ من الربحِ قبلَ قسمةٍ ناضًّا أو تنضيضِه مع المحاسبةِ.

  21. تعليقٍ، أو إقرارٍ (١) بحرِّيَّته؛ لأنَّ عليه فيه ضررًا.

  22. (فإن فعلَ) أي: اشترى من يعتقُ على ربِّ المالِ، صحَّ الشراءُ، و (ضمنَ) عاملٌ (ثمنَه) الذي اشتراه به؛ لمخالفتِه (وعتَق) على رَبِّ المالِ؛ لتعلُّقِ حقوقِ العقدِ به.

  23. (ولا يُقسمُ ربحٌ مع بقاءِ عقدِ) المضاربةِ (إلا باتِّفاقِهما) لأنَّ (٢) الحقَّ لا يخرجُ عنهما، والربحُ وقايةٌ لرأسِ (٣) المالِ (وإن تَلِفَ رأسُ المالِ، أو) تلفَ (بعضُه) قبلَ تصرُّفٍ، انفسخت فيه المضاربةُ (وبعدَ تصرُّفٍ) ببيعٍ (٤) ، ونحوِه (أو خسرَ) في إحدى سِلعتَينِ أو سَفرتَين، (حُسِبَ (٥) ) أي: جُبِرَ ذلك التلفُ أو الخسرانُ (من الربحِ) ولم يستحق العاملُ شيئًا إلا بعد كمالِ رأس المالِ، ومحلُّ ذلك إذا وقعَ (قبل قسمه) أي: المالِ حالَ كونِه (ناضًّا) أي: نقدًا (أو) قبلَ (تنضيضِه) أي: تصفيتِه من العُروضِ، بجعلهِ كله نقدًا (مع المحاسبةِ) فإذا احتسبَا وعَلِما ما لهما، لم يُجبر خسرانٌ بعدَ ذلك ممَّا قبلَه؛ تنزيلًا للتنضيضِ مع المحاسبة (٦) منزلةَ المقاسمةِ.

  24. وإن انفسخَ العقدُ، والمالُ عَرْضٌ أو دَينٌ، فطلبَ ربُّ المالِ تنضيضَه، لزمَ العاملَ.

  25. الثالث: شركة الوجوه: كأن يشتركا في ربح ما يشتريانِ في ذممِهما بجاهِهما، فما ربحاه فبينهما ونحوه. وكلٌّ وكيلُ صاحبِه وكفيلُه بالثمنِ، والملكُ والربحُ كما شرطا، والخسرانُ بحسَب ملكَيْهما.

    vol. 4, p. 36
  26. الرابع: شركة الأبدان: كأن يشتركا فيما يكتسبانِ من مباحٍ كاحتشاشٍ واصطيادٍ، أو يتقبلان

    النوع (الثالث: شَرِكةُ الوجوهِ) سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّهما يعامِلانِ (١) فيها (٢) بوجوهِهما، أي: جاهِهما، والجاهُ والوجهُ واحدٌ.

  27. (كأن يشتركا في ربحِ ما يشتريان) من العُروضِ بثمنٍ (في ذممهِما (٣) ) من غير أنْ يكونَ لهما مالٌ؛ بل يشتريان (بجاهِهما، فما ربحاه فـ) هو (بينَهما) على ما شرطَاه (٤) (ونحوِه) كأنْ يقولَ كلٌّ منهما لصاحبهِ: ما اشتريتُ من شيءٍ فهو بيننا. فلا يُشترطُ أنْ يعيِّنَ كلٌّ منهما لصاحِبه ما يشتريه، أو جنسَه، أو قدرَه (وكلُّ) واحدٍ منهما (وكيلُ صاحبهِ وكفيلُه بالثمنِ) لأنَّ مبناها على الوكالةِ والكفالةِ (والمِلك) فيما يشتريانه (والربح) فيه (كما شرطَا (٥) ) من تساوٍ أو تفاضلٍ؛ لأنَّ أحدَهما قد يكونُ أوثَقَ عندَ التجَّارِ وأبصرَ بالتجارةِ من الآخرِ (والخسرانُ بحسبِ) أي: بقَدرِ (مِلكيهِما) فمن له فيه الثُّلثُ، فعليه ثُلثُ الوضيعةِ، ومن له الثلثان، عليه ثُلثاها؛ سواءٌ كان الربحُ بينهما كذلك، أو لا.

  28. النوعُ (الرابعُ: شَرِكةُ الأبدانِ، كأن يشتركَا فيما يكتسبانِ) بأبدانِهما (من مباحٍ، كاحتشاشٍ واصطيادٍ) وتلصّصٍ على دارِ حربٍ (أو) يشتركا فيما (يتَقبَّلان) أي:

    vol. 4, p. 37من عمل كحدَّادين ونجَّارين، ويلزمهما فعلُ ما تقبَّله أحدُهما، ومن مَرِضَ، أُقيم مقامَه بطلب شريكِه، والكسب بينهما.

  29. ولا تصحُّ شركة دلَّالين.

  30. الخامس: شركة المفاوضة: كأن يفوِّضَ كلٌّ منهما للآخَر كلَّ تصرُّف ماليٍّ وبدنيٍّ، وإن أَدخلا كسبًا نادرًا أو غرامةً،

    يلتزمانِ في ذمَّتِهما (١) (من عملٍ كحدَّادين) يتقبَّلون حِدادةً (ونجَّارين) يتقبَّلون نِجارةً، وقصَّارين، وخيَّاطين (ويلزمُهما) أي: يلزمُ كلا من الشريكين (فعلُ ما تقبَّله أحدُهما) من عملٍ؛ لأنَّ مبناها على الضمانِ، فكأنَّها تضمَّنت ضمانَ كلِّ واحدٍ منهما عنِ الآخَرِ ما يلزمُه.

  31. وتصحُّ مع اختلافِ صنائع، كقصَّار مع خيَّاطٍ، ولكلِّ واحدٍ منهما طلبُ أجرةٍ، ولمستأجرٍ دفعُها إلى أحدِهما، ومن تَلِفَتْ بيدِه بلا تفريطٍ، لم يضمن.

  32. (ومن مَرِضَ) منهما، أو تَرَكَ العملَ؛ لعُذرٍ أَو لا (أُقيمَ) أي: لزمَه أن يستنيبَ من يقومُ (مقامَه) في العملِ؛ ليعملَ ما لزمَه للمستأجِر (بطلبِ شريكِه، والكسبُ) الحاصلُ من العملِ (بينهما، ولا تصحُّ شَرِكَةُ دلاَّلين) لأنَّ الشركةَ الشرعيَّةَ إمَّا وكالةٌ أو ضمانٌ، ولا وكالةَ هنا؛ لأنَّه لا يمكنُ توكيلُ أحدِهما على بيعِ مالِ الغيرِ. ولا ضمانَ؛ لأنَّه لا دَيْنَ بذلك يصيرُ في ذمَّةِ واحدٍ منهما، ولا تقبُّل عملٍ.

  33. النوعُ (الخامسُ: شَرِكةُ المفاوضةِ: كأن يفوِّضَ كل منهما للآخَرِ كل تصرُّفٍ ماليٍّ وبدنيٍّ) بيعًا وشراءً في الذمَّةِ، ومضاربةً وتوكيلًا، ومسافرةً بالمالِ، وارتهانًا وضمانَ - أي: التزامَ- ما يرى من الأعمالِ، أو يشتركا في كل ما يثبتُ لهما وعليهما؛ فتصحُّ. وربحٌ على ما شَرطا، والوضيعةُ بقدرِ المالِ (وإن أدخلا) فيها كسبًا نادرًا) كوجدانِ لُقطَةٍ، أو رِكازٍ أو ميراثٍ (أو) أدخَلا فيها (غرامةً) كأرش جناية، وما يلزم أحدَهما من

    vol. 4, p. 38فسدت، ولكلٍّ كسبه، وعليه ضمانُ غصبِه ونحوِه.

  34. ضمان غصب ونحوه (فسدت) الشركةُ؛ لكثرة الغَرَر (ولكلٍّ) من الشريكين عند فسادها (كسبُه) من ربحٍ وغيرِه (وعليه ضمانُ غصبِه ونحوِه) كأرش جنايته؛ لأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبت، وعليها ما اكتسبت.