باب العارية

22 paragraphs · vol. 4, p. 63

  1. تصحُّ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مباحٍ غيرِ البُضْع، وعبدٍ مسلمٍ لكافرٍ يخدمُه، وصيدٍ لمُحرِمٍ.

    vol. 4, p. 63
  2. ولا تعارُ أمَةٌ شابَّة لغيرِ مَحْرَمٍ أو امرأةٍ.

  3. ومَنْ أعار حائطًا لوضْع خَشَبٍ، لم يرجِعْ

    باب العارِيَّة

    بتخفيفِ الياءِ وتَشْديدِها؛ من العُرْي: وهو التجرُّد (١) . سُمِّيَتْ عاريةً؛ لتجرُّدها من العِوض. وهي: العينُ المأخوذةُ للانتفاعِ بها بلا عوض. والإعارةُ: إباحةُ نَفْعِها بلا عِوض (٢) . وتنعقدُ بكلِّ لفظٍ أو فعلٍ دلَّ عليها. وشُرِطَ أهليَّةُ مُعيرٍ للتبرُّع شرعًا، وأهليَّةُ مستعيرٍ للتبرُّع له. وهي مستحبَّةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .

  4. و (تصحُّ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مباحٍ) كدارٍ، وعبدٍ، ودابَّهٍ، وثوبٍ (غيرِ البُضْعِ) لأنَّ الوَطءَ لا يجوزُ إلا في نكاحٍ أو مِلكِ يمينٍ، وكلاهُما مُنتفٍ هنا (و) غيرِ (عبدٍ مسلمٍ) فلا تصحُّ إعارتُه (لكافرٍ يخدمُه) لأنَّه لا يجوزُ له استخدامُه (و) غيرِ (صيدٍ) ونحوه (لمُحرِمٍ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .

  5. (ولا تُعارُ أمَةٌ شابَّة لغيرِ) رجلٍ (مَحْرَمٍ أو امرأةٍ) لأنَّه لا يُؤمنُ عليها. ولا بأسَ بشوهاءَ وكبيرةٍ لا تُشتَهى.

  6. ولمعيرٍ رجوعٌ متى شاءَ ما لم يأذنْ في شغلِه بشيءٍ يستضرُّ مستعيرٌ برجوعِه فيه، كسفينةٍ لحملِ متاعِه، فلا رجوعَ له حتى تُرْسَى (٣) .

  7. (ومَنْ أعار حائطًا لوضْع خَشَبٍ) أو بناءٍ عليه، فوضَع مستعيرٌ أو بنَى (لم يَرجِعْ) مُعيرٌ.

  8. حتَّى يسقطَ، ولا أجرةَ، فإنْ سقط، لم يُرَدَّ بلا إذنِه.

    vol. 4, p. 64
  9. وتُضمنُ العاريةُ ولو لم يفرَّطْ، أو شَرَطَ نَفْيَ ضمانِها غير كتبِ وقفٍ ونحوِها،

    (حتَّى يسقطَ) الخشبُ أو البناءُ؛ لأنَّه يرادُ للبقاءِ وفيه ضررٌ على المستعيرِ بِقَلْعِه (ولا أجرة) لمعيرٍ في الحالةِ المذكورة؛ لأنَّ بقاءَه بحكمِ العارية، فوجب كونُه بلا أجرةٍ. بخلافِ من أعارَ أرضًا لزرعٍ، ثمَّ رجَعَ فيبقى الزَّرعُ بأجرةِ [مِثْلٍ لحصَاده] (١) ؛ جمعًا بين الحقَّيْن (فإنْ سقطَ) خشبٌ أو بناءٌ لهدمٍ أو غيرهِ (لم يردَّ) أي: لم يُعَدِ الخشبُ (بلا إذنِه) أي: المعيرِ؛ لأنَّ الإذنَ تناولَ الأوَّل، فلا يتعدَّاه لغيرِه بلا إذنٍ جديدٍ، أو عندَ الضَّرورةِ إلى وضعهِ إذا لم يتضرَّرِ الحائطُ، كما تقدَّم في "الصُّلْحِ" (٢) . واستظهرَ ابنُ نصرِ الله أن محلَّه إذا كان صاحبُ الحائطِ طالَبَ برفعِ ما عليه، وإلا فيعيدُه؛ استصحابًا للإذنِ الأوَّل.

  10. (وتُضمنُ العاريةُ) المقبوضةُ إذا تلِفَتْ في غير ما استُعيرت له؛ لقوله ﷺ : "وعلى اليَدِ ما أخذتْ حتَّى تؤدّيَه" رواهُ الخمسة (٣) ، وصحَّحَه الحاكمُ (٤) .

  11. فيضمنُها مستعيرٌ (ولو لم يفرَّطْ) في حِفْظِها (أو شَرَطَ نَفْيَ) أي: عَدَم (ضَمانِها) فيلْغُو الشَرْطُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ اقتضى الضَّمانَ، لم يغيِّرْه الشَّرْطُ. وإن تَلِفتْ هي أو جزؤُها في انتفاعٍ بمعروفٍ، لم تُضمن؛ لأنَّ الإذنَ في الاستعمالِ تَضَمَّن الإذنَ في الإتلاف، وما أُذِن في إتلافِه غيرُ مضمونٍ (غير كتبِ) علمٍ (وقفٍ ونحوِها) كدروعٍ موقوفةٍ على غُزاةٍ، فلا تُضمنُ بلا تفريطٍ، كسرقةٍ من حِرْزِ مثلها؛ لأنَّ قابضَها قبضَها

    vol. 4, p. 65وعليه مؤنةُ ردِّها، ولا يُعيرُ مستعيرٌ ولا يُؤجِرُ، فإنْ تَلِفَ عندَ ثانٍ، ضمَّن أيَّهما شاء.

  12. ولا يضمنُ منقطِعٌ أُركِبَ للثواب، ولا ضيفٌ، ولا رديفُ ربّها،

    باستحقاقِه، فليستْ عاريةً محضةً، وأمَّا الوقفُ على معيَّن فكالطّلْق.

  13. (وعليه) أي: على مستعيرٍ (مؤنةُ ردِّها) أي: العاريةِ؛ لما تقدَّم من حديث: "على (١) اليد ما أَخَذَتْ حتَّى تؤدّيَه" (٢) . وإذا كانت واجبةَ الردِّ على مستعيرٍ، فمؤنتُه (٣) عليه؛ بخلافِ مؤجَرةٍ كما تقدَّم.

  14. (ولا يُعيرُ مستعيرٌ) العاريةَ (ولا يؤجرُ) ها؛ لأنَّها إباحةُ منفعةٍ، فلم يجزْ أنْ يُبيحَها غيرَه كإباحةِ طعامٍ (٤) .

  15. (فإنْ) أعارها و (تَلِفـ) ـتْ (عند) مستعيرٍ أو مستأجرٍ (ثانٍ ضمَّن) بتشديد الميم، مالكُ العَيْن قيمتَها وأجرتَها (أيَّهما) أي (٥) : أيَّ الشَّخصين -المستعيرِ والآخذِ منه- (شاءَ) أمَّا الأوَّلُ؛ فلأَنَّه سلَّط غيرَه على أَخْذِ مالِ غيرِه بغَيْرِ إذنِه. وأمَّا الثاني؛ فلفوات العَيْنِ والمنفعةِ تحت يدِه، والقرارُ على الثاني إنْ عَلِمَ، وإلا، ضَمِنَ العينَ في عاريةٍ، ويستقرُّ ضمانُ المنفعةِ على الأوَّل.

  16. (ولا يضمنُ) شخصٌ (منقطعٌ) دابَّةَ (أُرْكِبَ) بالبناءِ للمفعول؛ أي: أَركبه إيَّاها مالكُها (للثوابِ) فتَلِفَتْ تحتَ المنقطِع.

  17. (ولا) يضمنُ (ضَيْفٌ) غُطِّيَ بلحافٍ، فسُرِق (ولا ردِيفُ ربَّها) أي: الدَّابَّةِ؛ بأنْ أَرْكبَ ربُّ الدَّابَّة معه آخرَ فتلفتْ تحتَهما، فلا ضمانَ؛ لأنَّها غيرُ مقبوضة؛ لأنَّها بيدِ صاحبِها، والمستعيرُ لم ينفردُ بحفظِها.

  18. أو وكيلُه.

    vol. 4, p. 66
  19. وإنْ قال: أعرْتُكَ. قال: بل أجرتني -والعينُ تالفةٌ- فقولُ مالكٍ. وكذا: أجرتُكَ. قال: بل أعرْتَنِي. عَقِبَ عقْدٍ، فإنْ (١) مضى ماله أجرةٌ، فأجرةُ مِثْلٍ لماضٍ، وأعرْتَني، أو: أجَرْتني، أو: أوْدَعتني. قال: بل غصَبْتني. أو اختلفا في ردّ، فقولُ مالكٍ بيمينِه.

  20. وفُهم منه: أنَّه لو انفردَ الرّاكبُ بحفظِها عن مالكِها بحيث لم تكنْ تحتَ يدِ مالكِها فتَلفِتْ، ضمنها. وانْظُر هل يخالفُ هذا قولَ ابنِ نصر الله: لو ماتتْ بالانتفاعِ بالمعروفِ، فلا ضمانَ؟

  21. (أو وكيلُه) أي: ولا يضمنُ وكيلُ ربّ الدَّابَّةِ في حفظِها إذا تلفتْ تحتَ يدِه؛ لأنَّه لم يَثبُتْ لها حكمُ العاريةِ.

  22. (وإن قال) ربُّ عَيْنٍ لآخذِها: (أعَرْتُكَ) فـ (قال) قابضٌ: (بل أجرتني، والعيْنُ تالفةٌ) عند الاختلاف (فقولُ مالكٍ) بيمينِه؛ لأنَّ الأصلَ في القابضِ لمالِ غيرِه الضمانُ (وكذا) لو قال مالكٌ: (أجرتُكَ. قال (٢) ) قابضٌ: (بل أعرتني) وكان ذلكَ الاختلافُ (عَقِبَ عقْدٍ، فإن) لم يمضِ مالَه أجرةٌ، فقولُ قابضٍ بيمينِه أنَّه لم يستأجِرْها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الإجارةِ، وتُرَدُّ لمالكِها. وإن كان اختلافُهما بعدَ أنْ (مضى ما) أي: زمنٌ (له أجرة، فـ) قولُ مالكٍ فيما مضى بيمينِه، ويجبُ له (أجرةُ مثلٍ لماضٍ، و) إنْ قال قابضٌ لمالك: (أعرتني، أو) قال له: (أجرتني. أو) قال له: (أودعتني. قال) مالكٌ: (بل غصَبْتني) والعيْنُ قائمةٌ، فقولُ مالكٍ بيمينِه في وجوبِ الأجرةِ ورَفْعِ اليد. (أو اختلفا) أي: المعيرُ والمستعيرُ (في ردِّ) العَيْنِ (فقولُ مالكٍ بيمينِه) لأنَّ المستعيرَ قبضَ العَيْنَ لحظّ نفسِه؛ فلم يُقبل قولُه في الردّ.