باب الوديعة
28 paragraphs · vol. 4, p. 83
- vol. 4, p. 83
تستحبُّ لمن قَوِيَ على الحِفْظِ، ولا يضمنُها بتَلَف بلا تعدٍّ ولو من بين مالِه.
-
وعليه حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها، وإنْ عيَّنه (١) ربُّها، فأحرزها بدونِه بلا ضرورةٍ، ضمن.
-
[باب الوديعة]
-
مِن ودَع الشيءَ: إذا تركَه (٢) ؛ لأنَّها متروكةٌ عندَ المودَع، والإيداعُ توكيلٌ في الحفظِ تبرُّعًا، والاستيداعُ توكُّلٌ فيه كذلك، ويعتبرُ لها ما يُعتبرُ في وكالةٍ.
-
و (تستحبُّ) الوديعةُ (لمن قَوِيَ على الحِفْظِ) وأمِنَ نفسَه عليها، وتُكْره لغيره إلا برضا ربِّها.
-
(ولا يضمنُها) أي: الوديعةَ (بتَلَفِـ) ـها (بلا تعدٍّ) ولا تفريطٍ (ولو) تَلِفَتْ (من بين مالِه) لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: "من أودِع وديعةً، فلا ضمانَ عليه" . رواه ابنُ ماجه (٣) .
-
(و) يجبُ (عليه) أي: على الوديعِ (حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها) عُرْفًا، كما يحفظُ مالَه؛ لأنَّه تعالى أمرَ بأدائِها، ولا يمكنُ ذلك إلا بالحفظ. قال في "الرِّعاية" : من استُودِعَ شيئًا، حَفِظَه في حِرْزِ مثلِه عاجلًا مع القُدرة، وإلا، ضَمن (وإنْ عيَّنه) أي: الحرزَ (ربُّها، فأحرزَها بدونه بلا ضرورةٍ، ضمن) سواءٌ ردَّها إليه أوْلا؛ لمخالفته. وإن أحرزها بمثلِه أو فوقَه، لم يضمنْ، وكذا بدونه لضرورةِ.
- vol. 4, p. 84
وإنْ لم يعلِفْ دابَّةً بلا قولِ ربِّها، أو قال: اتركْها في جيبِك، فتركها في يدِه أو كمِّه، ضمن، لا عكسه.
-
وله دفعُها لمن يحفظُ مالَه أو مالَ ربِّها، لا حاكمٍ أو أجنبيٍّ.
-
وقرارُ ضمانٍ على وديعٍ إنْ جَهِلا، وإنْ حدث خوفٌ. عامٌّ، ردَّها على ربِّها.
-
وله السَّفَرُ بها مع حضورِه، نصًّا
(وإن لم يَعْلِفْ) وَدِيعٌ (دابَّةً) بأنْ قطعَ عنها العَلَفَ (بلا قولِ ربِّها) ضمن؛ لأنَّ العَلَفَ من كمالِ الحِفْظ، بل هو الحفظُ بعينِه؛ لأنَّ العرفَ يقتضي عَلْفَها وسَقْيَها، فهو مأمورٌ به عُرفًا. وإنْ نهاهُ مالكٌ عن عَلفِها وسَقيها، لم يضمنْ، لكن يأثمُ؛ لحرمةِ الحيوان (أو قال) ربُّها: (اتركْها) أي: احفظْها (في جيبِك. فتركها في يدِه أو كُمِّه، ضمن) لأنَّ الجيْبَ أحرزُ، وربَّما نسي فسقطَ ما في يِده أو كُمِّه (لا عكسه) يعني لو قال له: اتركْها في يدِك، أو: كُمِّك. فتركها في جيبِه، لم يضمن؛ لأنه أحرزُ. وإنْ قال: اتركْها في يدِك. فتركها في كُمِّه، أو بالعكس. أو قال: اتركْها في بيتِك. فشدَّها في ثيابِه وأخرجَها، ضَمِن.
-
(وله) : أي: للوديع (دَفْعُها لمن يحفظُ مالَه) عادةً كزوجتهِ وعبدِه (أو) أي: وله ردُّها إلى من يحفظُ (مالَ ربِّها) عادةً، و (لا) يجوزُ لوديعٍ دفعُها إلى (حاكمٍ أو أجنبيٍّ) فإنْ دفَعها فتلفتْ، فلمالِكٍ مطالبةُ مَنْ شاء منهما.
-
(وقرارُ ضمانٍ على وديعٍ [إنْ جَهلا) أي: جهل] (١) الحاكمُ والأجنبيُّ أنَّها وديعة. وإن عَلما، فقرارُ الضَّمان عليهما.
-
(وإنْ حَدث خوفٌ عامٌّ، ردَّها) وجوبًا (على ربِّها) أو وكيلِه في حِفْظِها؛ لأنَّ في ذلك تخليصها من التلفِ (وله السَّفَرُ بها مع حضورِه نصًّا) إذا لم يخفْ عليها؛ لأنَّ
vol. 4, p. 85ما لم يَنْهَهُ، وإنْ خاف عليها، أَوْدَعَها ثقةً.
-
وإنْ ركبها مودَعٌ لغير نَفْعِها، أو لَبِسَها لا لخوفِ عُثٍّ، أو أخرج نحوَ دراهم من حِرْزِها، أو فكَّ خَتْمَها ونحوَه عنها، أو خلطها بغيرِ متميِّز فضاعت، ضَمِن.
-
القَصْدَ الحِفْظُ وهو موجودٌ هنا (ما لم يَنهَه) ربُّها عن السَّفَرِ بها.
-
(وإنْ خاف عليها) في السفر، أو كان نُهيَ عنه، دَفَعَها إلى حاكمٍ أمينٍ، فإنْ أودعها مع قدرته على الحاكِم، ضَمِنَها؛ لأنَّه لا ولايةَ له. فإنْ تعذَّر حاكمٌ أهلٌ (أوْدَعها ثقة) لفعلِه ﷺ لمَّا أرادَ أنْ يهاجرَ، أودعَ الودائعَ التي كانتْ عندَه لأمِّ أيمن. - [على وزن أفضل] (١) رضي الله عنها (٢) . ولأنَّه موضعُ حاجةٍ، وكذا حكمُ من حضَرَه الموتُ.
-
(وإنْ ركبها) أي: الدابَّةَ المودَعَةَ (مودَع) بفتح الدَّال (لغيرِ نَفْعِها) أي: عَلفِها وسَقْيِها، ضَمِنَ (أو لَبِسَها) أي: الوديعةَ، إن كانت ممَّا يُلبس، ضَمن، و (لا) يضمنُ إنْ لبسها (لخوفِ عُثٍّ) (٣) ونحوِه (أو أخرجَ نحوَ دراهم) مودَعةٍ (من حِرْزِها) ثمَّ ردَّها إلى حِرْزِها (أو فكَّ خَتمَها ونحوَه عنها) كأنْ كانتْ مشدودةً، فأزالَ الشَّدَّ، ضَمِنَ، أخرج منها شيئًا أوْلا؛ لهتكِ الحِرزِ (أو خلطها بغيرِ متميِّز) كدراهمَ بدراهم، وزيتٍ بزيتٍ (فضاعت) الوديعةُ بضياعِ الكُلِّ (ضَمن) الوديعةَ، وإنْ ضاعَ البعضُ ولم يَدْرِ أيَّهما ضاعَ، ضَمن أيضًا.
- vol. 4, p. 86
ويُقبلُ قولُه في ردِّها لربِّها أو غيرِه بإذنه، وتَلَفِها، ونَفْي تفريطٍ.
-
وإنْ قال: لم تودعني. ثمَّ ثبتت، لم تُقبلْ دعواه ردًّا أو تلفًا سابقَيْن لجحودِه ولو ببيِّنةٍ، لا إنْ قال: ما لكَ عندي شيءٌ. ونحوَه.
-
ولا تُقبلُ دعوى وارثه ردًّا بلا بيِّنةٍ، ولوَديعٍ ونحوِه طَلَبُ غاضبٍ بها.
-
(ويُقبلُ قولُه) أي: الوديعِ (في ردِّها لربها) أو مَن يحفظُ مالَه (أو غيرِه بإذنِه) بأنْ قال: دفعتُها لفلانٍ بإذنِك. فأنكرَ مالِكُها الإذنَ أو الدَّفْعَ، فقولُ وديعٍ. لا إن ادَّعَى ردَّها لحاكمٍ، أو ورثةِ مالكٍ.
-
(و) يُقبلُ قولُه أيضًا في (تلَفِها، ونَفْي تفريطٍ) بيمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، لكنْ إن ادَّعَى التَّلَفَ بظاهرٍ، [كُلِّف ببيِّنة] (١) ، ثمَّ قُبل قولُه في التَّلف.
-
(وإن قال: لم تودعني. ثمَّ ثبتت) الوديعةُ ببيِّنة أو إقرارٍ (لم تُقبلْ دعواه) أي: الوديعِ (ردًّا) للوديعةِ (أو تلفًا) لها (سابقَين) أي: الردَّ والتلَفَ (لجحودهِ ولو ببينةٍ) لأنَّه مكذِّب لها.
-
وإنْ شَهِدت بأحدِهما ولم تُبيِّن وقتًا، لم تُسمع؛ لتحقُّقِ وجوب الضَّمان، فلا يسقطُ بمحتمل.
-
وعُلم منه أنَّه لو ادَّعى ردًّا أو تلفًا بعد جحودهِ، قُبِل بالبيِّنة، لكنْ متى ثبت التلفُ بعد الجحود، لم يسقط الضَّمانُ، كالغاصبِ (لا إنْ قال) مدَّعى عليه بوديعة لمدَّعيها: (مالك عندي شيءٌ ونحوَه) كـ: لا حقَّ لكَ قِبَلي. ثمَّ ثبتت، فادعى ردًّا أو تلفًا سابقَين لإنكاره، فيُقبلُ منه بيمينه؛ لأنه ليس بمنافٍ لجوابه.
-
(ولا تُقْبلُ دعوى وارثه) أي: الوديعِ (ردًّا) منه أو مِنْ مورِّثه (بلا بيِّنهٍ) لأنَّ صاحبَها لم يأتمِنْه عليها، بخلافِ وديعٍ.
-
(ولِوَديع ونحوِه) كمُضارِب، ومرتهِن، ومستأجِرٍ إذا غُصبِت العينُ منهم (طَلَبُ غاصبٍ بها) لأنَّهم مأمورون بحفظِها وذلك منه، وإنْ صادَرَه سلطانٌ، فأخذها منه قَهرًا، لم يضمن. قاله أبو الخطَّاب.