باب النذر
14 paragraphs · vol. 4, p. 349
- vol. 4, p. 349
يَصحُّ مِن مكلَّفٍ ولو كافرًا. وإذا قال: لله عليَّ نذزٌ، ونحوَه؛ فكفَّارةُ يمينٍ. ونذرُ اللَّجاجِ والغضبِ يخيَّر فيه بينَه وبين كفَّارةِ يمينٍ،
[باب النذر]
-
هو لغةً: الإيجابُ؛ يقال: نَذرَ دمَ فلانٍ، أي: أوجبَ قتلَه.
-
وشرعًا: إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى شيئًا غيرَ مُحالٍ بكلِّ قولٍ يدلُّ عليه. (يصحُّ) النَّذْرُ (مِن) كلِّ (مكلَّفٍ) مختارٍ؛ فلا يصحُّ من صغير، ومجنون، ومُكرَه (ولو) كان (كافرًا) نَذرَ عبادةً، فيصحُّ؛ لحديث عمرَ: إنِّي كنتُ نَذرت في الجاهليَّة أن أعتكفَ ليلةً، فقال له النبي ﷺ : "أوْفِ بنذرِك" (١) .
- (و) الصحيحُ من النَّذر ستَّةُ أقسامٍ:
-
أحدُها: النذرُ المطلَق، كما (إذا قال: للهِ عليَّ ندزٌ) ولم يُسمِّ شيئًا (ونحوَه) كـ: إنْ فعلتُ كذا، فلِللّهِ عليَّ نَذرٌ. ولا نيَّةَ، وفَعلَه (فـ) يلزمُه (كفّارةُ يمينٍ) لحديث عُقبةَ ابنِ عامرٍ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "كفَّارةُ النَّذرِ إذا لم يُسَمّ كفّارةُ يمينٍ" رواه ابنُ ماجه، والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب (٢) .
-
(و) الثاني: (نذْرُ اللَّجاجِ والغضبِ) وهو تعليقُ نذرِه بشرطٍ، بقصد المنعِ منه أو الحملِ عليه، أو التَّصديقِ أو التكذيبِ، كقوله: إنْ كلَّمتُك، أو: إنْ لم أَضرِبْك، أو: إنْ لم يكن هذا الخبرُ صِدْقًا، أو كذِبًا، فعليَّ الحجُّ، ونحوه، فـ (يُخيَّر فيه) أي: في هذا النوعِ (بينَه) أي: بين فِعلِ ما نَذَره (وبين كفّارةِ يمينٍ) لحديث عمرانَ بنِ حُصينٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا نذرَ في غضبٍ، وكفّارتُه كفارةُ يمينٍ" رواه
vol. 4, p. 350كنذر المباحِ. ونذرُ المكروهِ، كالطَّلاق، يُسنُّ أن يكفِّرَ ولا يَفعلَه. ونذرُ المعصيةِ، كالقتل، وشُربِ الخمرِ، يَحْرُم الوفاءُ به، ويكفِّرُ. ونذرُ التبرُّر، كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، ونحوِه، يَلَزم الوفاءُ به، ومنه: إنْ شفَى اللهُ مريضي، أو: سَلِمَ مالي، ونحوه؛ فللَّه عليَّ كذا، إذا وجد شرطُه.
-
سعيدٌ في "سننه" (١) .
-
(كنذر المباح) كلُبْس ثوبِه، ورُكوب دابَّته. وهو النوعُ الثالث، فيُخيَّر فيه، كالذي قبلَه، بينَ فِعلهِ وكفَّارةِ يمينٍ.
-
(و) الرابعُ: (نذرُ المكروهِ. كـ) نذرِ (الطَّلاقِ) ونحوِه، كأكل بصلٍ وثومٍ فـ (يُسنُّ أنْ يكفِّرَ ولا يفعلَه) كما لو حلفَ عليه.
-
(و) الخامسُ: (نذرُ المعصيةِ. كـ) نذرِ (القتلِ وشُربِ الخمرِ) فـ (يَحْرُم الوفاءُ به) لحديث: "ومَن نذرَ أنْ يعصيَ اللهَ، فلا يَعصِه" (٢) (ويكفِّرُ) مَن لم يفعلْه كفَّارةَ يمينٍ.
-
(و) السادسُ: (نذرُ التبرُّر. كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، ونحوِه) كالعُمرة بقصْد التقرُّب مطلقًا، فـ (يَلزمُ الوفاءُ به) أو معلَّقًا بحصول نِعمةٍ، أو دفعِ نِقمةٍ؛ كما أَشارَ إلى ذلك بقوله: (ومنه) أي: مِن نَذْر التبرُّرِ قولُه: (إنْ شفَى اللهُ مريضي، أو: سَلِم مالي) الغائبُ (ونحوه، فلِلّه عليَّ كذا) أو حلفَ بقصد التقرُّب، كـ: واللهِ إنْ سلم مالي لأَتصدَّقنَّ بكذا، فيَلزمُه الوفاءُ به (إذا وجد شرطُه) نصًّا، وكذا: إن طلعت الشمسُ، أو قَدِم الحاجُّ، فللّهِ عليَّ كذا. ذكَره في "المستوعِب" ؛ لعموم حديثِ: "مَن نذرَ أنْ يطيعَ اللهَ، فليُطِعه" رواه البخاريُّ (٣) .
- vol. 4, p. 351
ومَن نذرَ الصدقةَ بماله كلِّه، أَجزأَه ثُلثُه. وإنْ نذرَ صومَ شهرٍ ونحوِه، لَزِمه تتابُعُه، لا أيامًا معدودةً، إلَّا بشرطِه أو نيَّتِه.
-
(ومَن نذرَ الصَّدقةَ بماله كلِّه) وهو ممَّن تُسنُّ له الصدقةُ بكلِّ مالِه (أَجزأَه) أنْ يتصدَّقَ بـ (ثُلثه) ولا كفَّارةَ عليه، نصًّا. ولو نذرَ الصدقةَ بمسمًّى يزيدُ على ثُلُث مالِه، كألف، لَزِمه التَّصدقُ به؛ كما في "الإنصاف" (١) . وقطعَ به في "المنتهَى" (٢) .
-
(وإنْ نذرَ صومَ شهرٍ) معيَّنٍ، كرجبٍ، أو مُطْلقٍ (ونحوِه) كسَنَةٍ (لَزِمه تتابعُه) لأنَّ إطلاقَ الشهرِ والسَّنة يقتضي التتابعَ، و (لا) يَلزمُه التتابعُ إنْ نذرَ (أيامًا معدودةً) كعشرةِ أيامٍ أو ثلاثينَ يومًا؛ لأنَّ الأيامَ لا تدلُّ على التَّتابع (إلَّا بشرطه) أي: التتابع، كأنْ يقولَ: متتابِعة (أو نيَّتِه) بأنْ ينويَ التتابُعَ حالَ النذرِ، فيَلزمُه.