باب طريق الحكم وصفته

25 paragraphs · vol. 4, p. 359

  1. إذا حضرَ إليه خصمانِ، أجلسَهما وقدَّمَ من سبقَ بالدعوى، فإن أقرَّ مدَّعًى عليه، حكمَ بسؤالِ مدَّعٍ، وإن أنكرَ، قال لمدَّعٍ: إن كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئتَ. فإن أحضرَ، سمعَها ولا يتعنَّتها، ولا يردِّدها، وحكمَ له بها، ولا يحكمُ بعلمِه، وان قال: مالي بيِّنةٌ. عرَّفَه أنَّ له اليمينَ على خصمِه.

    vol. 4, p. 359
  2. [باب طريق الحكم وصفته]

  3. طريقُ كلِّ شيءٍ: ما توصلَ به إليه. والحكمُ: فصلُ الخصوماتِ.

  4. (إذا حضَرَ إليه خصمان، أجلسهَما) نَدْبًا بين يديه، ثُمَّ له أن يسكتَ حتَّى يبدأَ أحدُهما، وله أن يقولَ: أيُّكما المدَّعِي (وقدَّمَ مَن سَبقَ) منهما (بالدعوى) فإن ادَّعَيَا معًا، قدَّمَ من قَرَعَ (فإن أقرَّ مدَّعًى عليه، حكَم) قاضٍ (بسؤالِ مدَّعٍ) له؛ لأنَّ الحقِّ في الحكمِ للمدَّعِي، فلا يستوفَى إلَّا بطلبِه (وإن أنكرَ) بأن قال لمدَّعٍ قرْضًا أو ثمنًا: ما أقرضني، أو: ما باعني، أو: لا يستحقُّ عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا (١) منه، أو: لا حقَّ له عليَّ. صحَّ الجوابُ، ما لم يَعترف بسببِ الحقِّ، و (قال) الحاكمُ (لمدَّعٍ: إن كان لك بيِّنَة فأحضرْها إن شئت. فإن أحضرَ (٢) ) البيِّنةَ (٣) ، لم يسألها، ولم يلقِّنها، فإذا شَهِدَت (سَمِعها، ولا) يجوزُ له أن (يَتَعَنَّتَها) أي (٤) : يطلبَ زَلَّتها (ولا) أن (يردِّدَها (٥) وحكمَ له بها) إذا اتَّضحَ الحكمُ، وسأله المدَّعِي. (ولا يحكمُ) القاضي (بعلمِه) ولو في غيرِ حَدٍّ؛ لإفضائِه إلى التُّهمَةِ والحكمِ بما يشتهي. (وإن قال) المدَّعِي: (مالي بيِّنةٌ. عرَّفَه) الحاكمُ (أن له اليمينَ على خصمِه) لما رُوِيَ: أنَّ رجلين اختصَما إلى النبيِّ ﷺ

    vol. 4, p. 360فإن سألَ إحلافَه، اْحلفَه على صفةِ جوابهِ، وخلَّى سبيلَه، وإن نكلَ، قال له: إن حلفتَ، وإلَّا قضيتُ عليك بالنكولِ. فإن لم يحلفْ، قضى عليه، وإن أحضرَ مدَّعٍ بيِّنةً بعدَ حلفِ منكرٍ، حكمَ بها، إلَّا إن كان قال: لا بيِّنةَ لي. ونحوَه، بخلافِ: لا أعلمُ لي بيِّنةَ.

  5. فصل

    ولا تصحُّ الدعوى إلَّا محرَّرةً

    حَضْرَميِّ وكِنْديِّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا غلبني على أرضٍ لي. فقال الكنديُّ: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حقٌّ. فقال النبي للحضرميِّ: "ألكَ بيِّنةٌ" ؟ قال: لا. قال: "فلك يمينُه" حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١) ، قاله في "شرحِ المنتهى" (٢) .

  6. (فإن سأل) المدَّعي من القاضي (إحلافَه) أي: المدَّعَى عليه (أحلفه) الحاكمُ، وتكونُ يمينُه (على صفه جوابِه وخلَّى سبيلَه) بعدَ تحليفهِ (وإن نَكلَ) أي: امتنعَ المدَّعَى عليه من اليمينِ (قال له) الحاكمُ: (إن حلفتَ) خلَّيتُ سبيلَك (وإلَّا) تحلف (قضيتُ عليك) بالحقِّ (بالنُّكولِ) أي: بسببهِ (فإنْ لم يحلفْ، قضَى عليه. وإن أحضرَ مدَّعٍ بيِّنةً بعدَ حلفِ منكرٍ، حكمَ) القاضي (بها) ولم تكنِ اليمينُ مزيلةً للحقِّ (إلَّا إن كان) المدَّعِي (قال: لا بيِّنةَ لي. ونحوَه) كما لو قال: كلُّ بيِّنةٍ أقيمُها، فهي زورٌ، أو باطلةٌ. فلا تسمعُ بيِّنتُه بعدُ؛ لأنَّه مكذِّبٌ لها (بخلافِ) قولِه: (لا أعلمُ لي بيِّنةً) فتسمعُ إذا أقامَها؛ لأنَّه ليس مكذِّبًا لها.

  7. فصل

    (ولا تصحُّ الدعوى إلَّا محرَّرةً) لأنَّ الحكمَ مرتَّبٌ عليها، ولذلك قال رسول الله ﷺ :

    vol. 4, p. 361معلومةَ المدَّعى به إلَّا ما يصحُّ مجهولًا من وصيَّةٍ، ومهرٍ، وخُلعٍ منفكَّة عمَّا يكذِّبُها.

  8. ومن ادَّعى عقدَ نكاحٍ، أو بيعٍ، أو نحوِه، أو شهدَ به؛ ذكرَ شروطَه.

  9. وإن ادَّعت امرأةٌ نكاحًا؛ لطلبِ مهرٍ، أو نفقةٍ ونحوِه، سُمعت دعواها. وإلَّا، فلا، وإن ادَّعى إرثًا، ذكرَه،

    "وإنَّما أقضي على نحوِ ما أسمعُ" (١) .

  10. ولا تصحُّ أيضًا إلَّا (معلومةَ المدَّعَى به) بأن تكونَ بشيءٍ معلومٍ؛ ليتأتَّى الإلزامُ به (إلَّا) الدعوى بـ (ــــــما يصحُّ مجهولًا من وصيَّةٍ ومهرٍ وخُلعٍ) فلا يُشترطُ علمُه كما تقدَّمَ، فيصحُّ بعبدٍ من عبيدِه. ويشترطُ أن تكونَ (منفكَّة) أي: خاليةً (عمَّا يكذِّبُها) فلا تصحُّ (٢) على إنسانٍ بأنَّه قتَلَ، أو سرَقَ من عشرين سنةً وعمرُه دونَها.

  11. (ومن ادَّعَى عقْدَ نكاحٍ أو (٣) (عقْدَ (بيعٍ، أو نحوِه) كإجارةٍ، ذَكَر شروطَه (أو شهدَ به) أي: بالعقدِ (ذكَرَ شروطَه) لاختلافِ الناسِ فيها، فقد لا يكونُ العقدُ صحيحًا عندَ القاضي. وإن ادَّعَى استدامةَ الزوجيَّةِ، لم يُشترطْ ذكرُ شروطِ العقد.

  12. (وإن ادَّعتِ المرأةُ نكاحًا لطلبِ مهرٍ، أو نففةٍ ونحوِه، سُمعت دعواها) لأنَّها تدَّعِي حقًّا تُضيفُه إلى سببِه (وإلَّا) تدَّعِ سوى (٤) النكاحِ (فلا) تسمعُ دعواها؛ [لأنَّه حقٌّ للزوجِ عليها، فلم تُسمَعْ دعواها] (٥) حقًّا لغيرِها.

  13. (وإن ادَّعَى إرثًا، ذكرَه) أي: ذكرَ سببَه؛ لاختلافِها، فلا بُدَّ من تعيينهِ (٦) ............

  14. أو قتلًا، وصفَه.

    vol. 4, p. 362
  15. ويعتبرُ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهرًا وباطنًا في غيرِ نكاحٍ، فإن جهلَ عدالتَها، سألَ عنها، وإن علمَها، عملَ بها.

  16. وإن جرحَ الخصمُ الشهودَ، كُلِّفَ البيِّنةَ له، وأُمهلَ ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه، ولمدَّعٍ ملازمتُه، فإن لم يأتِ ببيِّنةٍ، حكمَ عليه.

  17. وتزكيةٌ وجَرْحٌ وترجمةٌ وتعريفٌ عندَ حاكمٍ كشهادةٍ على ما يأتي تفصيلُه.

  18. (أو) ادَّعَى (قتلًا) لمورِّثه (وصَفه) أي: القتلَ، فيقولُ: قتلَه بسيفٍ أو عصًا ونحوِهما، ويذكرُ كونَه عمدًا (١) أو غيرَه، وأنَّ القاتلَ انفردَ بقتلِه أو لا.

  19. (ويُعتبرُ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهرًا وباطنًا) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] . (في غيرِ نكاحٍ) فتكفي نيه العدالة ظاهرًا كما تقدَّمَ (فإن جهلَ) الحاكمُ (عدالتَها، سألَ عنها) مَن له خبرةٌ باطنةٌ بصحبةٍ أو معاملةٍ ونحوِها (٢) (وإن عَلمَها) أي: علمَ القاضي عدالةَ البيِّنة (عَمِلَ بها) ولم يحتج لتزكيةٍ، وكذا لو علمَ فسقَها، لم يحتجْ لجرْحٍ.

  20. (وإن جَرَحَ الخصمُ الشهودَ) [أي: أظهرَ فيهم ما تُرَدُّ به شهادتُهم] (٣) (كُلِّفَ) بالبناءِ للمفعولِ؛ أي: كلَّفَه القاضي (البيِّنةَ له) أي: للجَرْحِ (وأمهلَ) من ادَّعى الجرحَ (ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه) أي: الإمهالَ، ولا بُدَّ من بيانِ سبب الجرحِ عن رؤيةٍ أو استفاضةٍ. (ولمدَّعٍ ملازمتُه) أي: ملازمةُ خصمِه في مدَّةِ الإمهالِ؛ لئلَّا يهربَ (فإن لم يأتِ) مدَّعي الجرحِ (ببيِّنةٍ، حكمَ عليه) لأنَّ عجزَه عن إقامةِ البيِّنةِ فيها دليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه من الجرحِ.

  21. (وتزكيةٌ وجَرحٌ وترجمةٌ وتعريفٌ عندَ حاكمٍ كشهادةٍ) في العدالةِ والعددِ وغيرِهما (على ما يأتي تفصيلُه) في الشهاداتِ.

  22. ولا تسمعُ الدعوى على حاضرٍ بالبلدِ، أو قربهِ حتَّى يحضرَ مجلسَ الحكمِ، ما لم يتوارَ، فتسمعُ عليه الدعوى والبيِّنةُ، ويحكمُ عليه كغائبٍ مسافةَ قصرٍ، وهو على حجَّتِه إذا حضرَ.

    vol. 4, p. 363
  23. ويقبلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في كلِّ حقِّ آدميٍّ حتَّى قذفٍ، لا زنًى ونحوِه، فيقرأه القاضي الكاتبُ، ويشهدهما عليه.

  24. فصل

    لا تجوزُ قسمةُ ملكٍ لا ينقسمُ

    (ولا تُسمعُ الدعوى على) شخصٍ (حاضرٍ (١) بالبلدِ أو قُربه) دونَ مسافةِ قصْرٍ (حتَّى يحضُرَ) المدعَى عليه (مجلسَ الحكمِ) لأنَّه أمكنُ لسؤالِه، فلم يجزِ الحكمُ عليه قبلَه (ما لم يتوارَ) حاضرٌ أي: يستتر (فتسمعُ عليه الدعوى والبيِّنةُ ويحكمُ عليه) بها؛ لتعذُّرِ حضورهِ (كـ) ما تسمعُ الدعوى والبيِّنةُ على (غائبٍ مسافةَ قصرٍ) ويحكمُ بها على الغائبِ (وهو) أي: الغائبُ (على حُجَّتِه إذا حضَر. ويُقبلُ كتابُ القاضي الى القاضي في كلِّ حقِّ آميٍّ) كقرْضٍ وبيعٍ وإجارةٍ (حتَّى قَذْفٍ) وطلاقٍ.

  25. و (لا) يقبلُ في حدودِ اللهِ تعالى كحدِّ (زنًى ونحوِه) كشربِ خمرٍ؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على السترِ

    والدَّرءِ بالشبهاتِ. وإنَّما يُقبلُ كتابُ القاضي فيما ثبتَ عندَه؛ ليحكمَ به القاضي المكتوبُ

    إليه، بشرطِ أن يكونَ بينهما مسافة قصرٍ (فيقرأُه) أي: الكتابَ (القاضي الكاتبُ) على عدلَين

    (ويُشهدُهما عليه) فيقولُ: اشهدَا أن هذا كتابي إلى فلان بنِ فلان، أو إلى من يصلُ إليه

    كتابي من قضاةِ المسلمين. ثُمَّ يدفعُه إليهما، فإذا دفعَاه الى المكتوبِ إليه وشهدَا أنَّه كتابُ

    فلانٍ إليه، لَزِمَه العملُ به.