باب الاستنجاء
197 paragraphs · vol. 2, p. 179
Page 1 of 5
- vol. 2, p. 179
باب الاستنجاء
البابُ في الأصل: ما يدخلُ منه إلى المقصودِ. وقد يُطلق على الصِّنْفِ. وهنا (١) : اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العِلْمِ، مشتملةٍ على مسائلَ وفصولٍ غالبًا،
[باب الاستنجاء]
- وألغز فيه بعضهم فقال:
-
وما شيءٌ حقيقته مجازُ … وأوله وآخره سواءُ
وفيه صحةٌ وبه اعتلالُ … له الإعرابُ حقًّا والبناءُ
والجواب: أنَّه الباب، فإنَّه حقيقة في الفرجةِ التي يُجازُ منها، وأوله باء، وآخره باءٌ، وفيه حرفان صحيحان وحرف مُعَلٌّ، وهو معرب، ويُبنَى البناءَ الحسيَّ الذي يكونُ في الأجسام، وليس المرادُ به ما قابلَ الإعراب. وأصلُه: "بوب" ؛ لقولهم في الجمع: أبواب، تحركت الواو، وانفتحَ ما قبلَها، فقُلِبت ألفًا، فصارَ بابًا. دنوشري.
-
(وقد يُطلق على الصنْف) إطلاقًا لغويًا، فيقال: أبواب مُبوبة، أي: أصناف مصنفة. وهو لغةً: فُرجَةٌ في ساترٍ، يُتوصَّل بها من داخلٍ إلى خارج، وعكسه.
-
وفي الاصطلاح: اسمْ للألفاظِ المخصوصةِ من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة، فبابُ الشيءِ ما يُتوصَّل منه إليه، كبابِ الدار، فبابُ الاستنجاء ما يتوصل منه إلى الوقوفِ على مسائله.
-
(وهنا) أي: في الاصطلاح. (على مسائلَ وفصولٍ غالبًا) راجعٌ للفصول، ومن غير الغالبِ لا تُذكَرُ الفصولُ في الأبواب.
- vol. 2, p. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
كما تقدَّمت الإشارة إليه.
-
والاستنجاءُ: من نجوتُ الشجرةَ وأنجَيتُها: إذا قطعتَها، كأنَّه (١) يقطع الأذى عنه (٢) .
-
(كما تقدمت الإشارةُ إليه) في قوله: "وهو كالكتاب والباب عرفًا" (٣) .
-
(والاستنجاءُ) والاستطابةُ والاستجمارُ عبارة عن إزالةِ الخارجِ من السبيلين عن مخرج، فالاستطابةُ والاستنجاءُ يكونان تارة بالماء، وتارة بالأحجار.
-
والاستجمارُ مختص بالأحجار، فبينَ الاستنجاءِ والاستجمارِ عموم وخصوص مُطلَق، فكلُّ استنجاء استجمار، ولا عكس. مأخوذٌ من الجمار، وهي الحصى الصغار، قال في "القاموس" : واستطَاب: استَنْجَى، كأطاب (٤) . سُمِّي استطابة؛ لأنَّ نفسَهُ تطيبُ بإزالةِ الخبث. مصنف (٥) . (إذا قطعتَها) بفتح التاء، بخلافِ ما لو أتيت بـ: "أي" بدل "إذا" ، فإنَّه كان يتعيَّن ضم التاء، وإلى هذه التفرقة أشار بعضهم بقوله:
إذا كَنَيتَ بأي فعلًا تُفسره … فضُم تاءَك فيه ضم معترِفِ
وإن تكن بإذا يومًا تُفسِّره … ففتحةُ التاءِ أمرٌ غيرُ مختلفِ (٦)
-
ووجههُ: أن التاءَ مع "أي" تاءُ المتكلِّم، ومع "إذا" تاءُ المخاطَب، توضيحُ ذلك: أنَّه إذا فسرتَ الفعلَ بـ "أي" ، ضممتَ؛ لأنَّ ما قبلَ "أي" عين ما بعدَها، كما في قول الفقهاء:
vol. 2, p. 181. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وعُرفًا: إزالةُ خارج من سبيل بماءٍ أو حجر ونحوِه.
-
نجوتُ الشجرةَ، أي: قطعتُها، وإذا فسرتَهُ بـ "إذا" فتحتَه؛ لأنَّ "إذا" لما يَستقبِلُ من الزمان، فيكونُ مخاطِبًا لغيره. محمَّد الخلوتي بإيضاح.
-
(إزالة خارجٍ من سبيلٍ) معتادٍ، فإنْ قيل: التعريفُ غيرُ مانع؛ لدخولِ غيرِ أفرادِ المحدود فيه، إذْ لو زالَ الخارجُ من سبيل عن نحو بدن، لم يُعَدّ ذلك استنجاءً، مع أن الحدّ يُدْخِله؛ لتعلق "من سبيل" بـ "إزالة" ؟ أجيب بزيادة الحدّ من سبيل، أي: عنه، على أن قولَه "من سبيل" يتنازَعُه كل من "إزالة" و "خارج" فأُعمِل الثَّاني، وأُهمل الأوَّل، فـ "من" مستعملة في حقيقتِها ومجازِها، أي: إزالةُ خارج من سبيل عنه.
-
والسبيل: الطريقُ، يذكَّر ويؤنَّث. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
-
والمراد هنا: طريقُ الخارجِ، وهو القُبُل والدبُر. محمَّد الخلوتي بإيضاحٍ وزيادة.
-
(بماءٍ أو حجرٍ) لمنع الخُلُو، فتَجوزُ الجمع يؤخذ منه أن الاستجمارَ بالحجر ونحوه يُسَمَّى استنجاء أيضًا، وهو كذلك، وصرح به في "المطلع" (١) .
-
وقوله: (ونحوه) من كل طاهر قالع مباحٍ مُنْقٍ، كخشب وخزفٍ، ولا يجزئُ بطعام، ولا عظم، ولا مُتَصَلبٍ بحيوانٍ، كما سيأتي التنبيهُ عليه. وإزالةُ الخارج عن المخرج يسمى أيضًا استجمارًا، وهو استفعال من الجمار، وهي الحجارةُ الصِّغار؛ لأنَّ المستنجي يستعملُها في إزالةِ الخارج من السبيلين.
-
وعبَّر بعضُهم بالاستطابةِ وآدابِ التخلي، كصاحب "الإقناع" (٢) ، يقال: استطابَ وأطابَ: إذا استنجى. قالهُ أهلُ اللُّغة. دنوشري مع زيادة.
- vol. 2, p. 182
يُستحب عندَ دخولِ خلاءٍ
وأولُ من استنجى بالماء إبراهيمُ عليه السلام .
-
(يُستحب) لمريدِ قضاءِ حاجةٍ (عند) أي: قبلَ (دخولِ) نحو (خَلاءٍ) بالمدِّ، وهو المكانُ المُعد لقضاءِ الحاجةِ (١)
-
(يستحب لمريدِ قضاء حاجة … إلخ) ولما كان المقتضي للاستنجاء قضاء الحاجة، بدأ بذِكرِ آدابها، وهي كثيرة، ذكر منها المؤلفُ فوق العشرين، منها ما يُستحبُّ فعله، وما يُكرَه، وما يحرم فعله. لا يقال: المصنِّفُ صرّح بالاستحباب، وصاحب "المنتهى" عبَّر بقوله: يسن لداخل خلاءٍ … إلخ (٢) . فهل هناك فرق بين السُّنة والاستحباب، فيتبع "المنتهى" في التعبير، إلَّا أن يقال: صرَّح صاحب "المنتهى" في "تحرير الأصول" : المندوب يسمى سنة ومُستحَبًا (٣) . فكل منهما يثاب فاعلُه، ولا يعاقب تاركه. هذا هو السر في تعبير المصنف بـ "يستحب" ، وتعبير "المنتهى" بـ "يُسَن" ، فهو تفنن. وفُرِّق بين المستحب والمباح بأن الأوَّل سنَّة كإغاثةِ الملهوف، وإطعامِ الجائع، فيثابُ على ذلك، وأمَّا المباح فكأكلِ الإنسانِ وشُرِبه، فلا يُثابُ عليه.
-
(نحو خلاء بالمدِّ) ، وهو المكانُ الذي لا شيءَ فيه، والمراد هنا: (المكانُ المعد لقضاء الحاجة) . قال الجوهري: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يتخلى فيه، أي: ينفردُ لقضاءِ حاجتِه. ونحو الخلاء: كالصحراء، والحمام، فإن الشَّيخ العلقمي (٤) نصَّ في "حاشية الجامع
vol. 2, p. 183قول: بسمِ الله،
(قولُ) بالرفعِ نائبُ فاعل "يستحبُّ" : (بسمِ اللهِ) لحديثِ عليٍّ يرفعُه: "سَتْرُ ما بينَ الجنِّ وعَوراتِ بَني آدمَ إِذا دَخلَ الكَنِيفَ أن يقولَ: بِسمِ اللهِ" رواه ابن ماجه
الصغير " نقلًا عن " إحياء " الغزالي (١) ، أَنَّه ينبغي أن يُقَال هذا الذكْرُ عندَ دخولِ الحمَّام. وكان الشَّيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي شيخُ الشيخِ منصورٍ المؤلفِ يفعلُه، وسيأتي كلامُ الشارحِ في باب السواك عندَ قول المصنِّف: " وشأنه كله " (٢) ، غير ما استثني كدخولِ الخلاءِ والحمامِ، وهذا يشيرُ إلى إلحاقِ الحمام بالخلاء. محمَّد الخلوتي.
-
(بسم الله) أي: يَحسُن عندَ دخولِ الخلاء، أو عند إرادةِ قضاءِ الحاجة بالصحراء. دنوشري. (سترُ ما بين … إلخ) يعني: أن اسمَ الله كالسترِ، أو سببٌ له؛ لأنَّها إذا ذكرت، ذهبت العلة، (لحديثِ علي … إلخ) ومعناه: أتحصَّنُ ببسم الله من الشَّيطان الرجيم، ويقالُ في ابتداء كُل فعل؛ تبركًا بها، وقُدمت هنا على الاستعاذةِ، لأنَّ التعوذَ هناك للقراءة، والبسملةُ من القرآن، فيقدمُ التعوذ عليها، وابتدأ بها هنا للتبركِ، بخلاف القراءة، وشرطُه أن لا يقصِد بالبسملة القرآنَ عد دخولِ الخلاء، فإنْ قصدَه [حرم] . قاله بعضهم. قاله في "المبدع" (٣) .
قال محمَّد الخلوتي: لعلهُ أشارَ بقوله: قاله بعضهم، إلى التبرُّؤ منه، ووجهُ التبرؤ واضحٌ؛ لأنَّه محمولٌ على إرادةِ الدخول كما هو صريحُ روايةِ البُخاريّ (٤) ، فلا وجهَ للتحريم، واستعمال الفعل في إرادتِه مستفيضٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ، فتدبر.
-
(إذا دخل الكنيف) أي: إذا أراد دخولَ الكنيف.
- vol. 2, p. 184
أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبْثِ والخبائِثِ، وعندَ خروجهِ:
والترمذي (١) ، وقال: ليس إسناده بالقوي.
-
ثم يقول: (أَعوذُ باللهِ) أي: ألجأ إليه (مِنَ الخُبث) بإسكان الباء، أي: الشر (والخَبائثِ) أي: الشياطين. وهذا قولُ القاضي عياضٍ (٢) ، وذكر أنَّه أكثرُ رواياتِ الشيوخِ؛ فكأنّه استعاذَ مِن الشَّر وأهلِه. وقال الخطابي (٣) : الخُبُثُ، بضمّ الباءِ: جَمع خبيثٍ. والخَبائثُ: جمع خَبِيثَة؛ فكأنَه استعاذَ مِن ذُكرانِ الشياطينِ وإناثِهم؛ وذلك لحديثِ أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ الخلاءَ قال: "أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبثِ والخبائِثِ" (٤) .
-
(و) يستحبُّ (عند خُروجِه) أي: بعد خروجِ قاضي الحاجةِ مِن نحوِ خلاءٍ أن
(من الخُبثِ بإسكان الباء) اسمُ مصدرٍ بمعنى الشر، والاستعاذةُ منهم في البناء المعد لقضاءِ الحاجة؛ لأنَّه مأواهم، وفي الفضاء؛ لأنَّه يصير مأواهم بخروج الخارج.
-
(بضمّ الباء) أي: والخاء، جمعُ خبيث، وهو كل مُؤذٍ من الجن والإنس والشياطين.
(أن النَّبي ﷺ … إلخ) فيه أنَّه ﷺ محفوظ من الإنس والجن والشياطين، فكيف أن يستعيذ من ذلك؛ لأن الشيطانَ لا يوسوس له، إلَّا أن يقال: أَنَّه كان يأتي بذلك للتعميم، وإظهارًا للعبودية.
- vol. 2, p. 185
الحمدُ للهِ الذي أذْهبَ عني الأذَى وعافاني.
-
وتقديمُ يُسرْى رجليه دخولًا،
يقولَ: (الحمدُ للهِ الذي أَذهبَ عني الأذَى وعافاني) ؛ لقول أنسٍ: كان رسولُ اللهِ- ﷺ إذا خَرج مِن الخلاءِ قال: "الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه (١) ، مِن رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الأكثرُ.
-
(و) يستحب لداخلِ نحوِ خَلاء: (تقديمُ يُسْرَى رِجْلَيْه دخولًا) ؛ أي: في حالةِ دخولِه نحوَ الخلال فقوله: "دخولًا" منصوبٌ على الحالِ، على تأويل داخلًا، كما في: جاء زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا (٢) .
-
(الحمد لله الذي أذهب عني … إلخ) والسر في هذا الدعاء أنَّه لما خَلَص من النجو والبول المثقِلَينِ للبَدَن، سألَ الخلاصَ مما يُثقِل القلب -وهو الذنبُ- بالغفران؛ لتكملَ له الراحةُ الحسيةُ والمعنويةُ بغفرانِ الذنوب وسَتْرها، وروي عن سيِّدنا نوح عليه الصلاة والسلام أَنَّه كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمدُ لله الذي أذاقني لذَّته، وأذهبَ عني مشقته، وأبقى في جسمي قوته (٣) . دنوشري.
-
(وتقديم يسرى رجلَيه دخولًا) أي: حالةَ دخوله الخلاء، ومثلُه حمام، ومغتسل، ونحوهما؛ لأنَّ اليسرى للأذى، واليمنى لما سواه؛ لأنَّها أحق بالتقديمِ إلى الأماكن الطيِّبةِ، ولما رَوى الحكيمُ التِّرمذيُّ (٤) عن أبي هريرة أَنَّه قال: من بدأ برجلِه اليمنى قبلَ يسارِه إذا دخل الخلاءَ، ابتلي بالفقر. دنوشري.
-
(علي تأويل داخلًا) الذي أحوجَه للتأويل، أن الحالَ لا تكونُ إلَّا مشتقة، و "ركضًا"
- vol. 2, p. 186
واعتمادهُ عليها جالِسًا، واليُمْنى خروجًا،
(و) يستحب (اعتمادُه) أي: قاضي الحاجةِ، أي: اتكاؤه (عليها) أي: على يُسرى رِجليه، حالَ كونهِ (جالسًا) لقضاءِ حاجتهِ، وينصِب اليُمنى، فيضع أصابِعَها على الأرضِ وَيرفع (١) قَدَمَها؛ لحديث سُراقةَ بنِ مالكٍ قال: أمَرنا رسولُ الله ﷺ أن نتكِئَ على اليُسرى، وأن نَنْصِبَ اليُمنى. رواه الطّبرانيُّ والبيهقي (٢) ؛ ولأنه أسهلُ لخروجِ الخارجِ.
-
(و) يستحبُّ لقاضي الحاجةِ تقديمُ رِجله (اليمنى خروجًا) أي: خارجًا مِن نحوِ خلاء؛ لما روَى الحكيمُ الترمذي (٣) عن أبي هريرةَ: مَن بَدَأ برجْله اليُمنى قَبلَ يَساره إذا دخلَ الخلال ابتُلِيَ بالفقر. ولأن اليُسرى للأَذى، واليُمنى لما سواه.
-
مصدر جامد، هذه طريقه، وهي التي مَشى عليها الشارحُ؛ لترجُّحِها عنده، والثانية طريقةُ ابنِ مالك بأن الحالَ تكونُ مشتقةً غالبًا (٤) ، فـ "ركضًا" حال على هذا من غير تأويلِ بمشتق.