مسألة: (ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتيه فيرقى عليه، ويكبر الله ويهلله ويدعوه، ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الآخر، ثم يمشي إلى المروة، فيفعل كفعله على الصفا)
55 paragraphs · vol. 6, p. 179
Page 2 of 2
- vol. 6, p. 191
وذكر القاضي في «المجرد» وأبو الخطّاب وغيرهما التلبيةَ على الصفا والمروة مطلقًا، ثم قالوا بعد ذلك (١) : «فإن كان معتمرًا أو متمتعًا» ، و «إن كان مفردًا أو قارنًا» . وقد روى الأزرقي (٢) بإسناد صحيح عن مسروق، قال: «قدمتُ معتمرًا مع عائشة - رضي الله عنها - وابن مسعود، فقلتُ: أيَّهما ألزمُ؟ ثم قلت: ألزمُ عبد الله بن مسعود، ثم آتي أمَّ المؤمنين فأسلِّم عليها، فاستلم عبد الله بن مسعود الحجر، ثم أخذ على يمينه، ورمل ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، وخرج إلى الصفا، فقام على صَدْعٍ (٣) فيه فلبَّى. فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا من أصحابك ينهون عن الإهلال هاهنا، قال: ولكني آمرُك به، هل تدري ما الإهلال؟ إنما هي استجابة موسى عليه السلام لربه عز وجل، قال: فلما أتى الوادي رَملَ، قال: «ربِّ اغفر وارحَمْ، إنك أنت الأعزُّ الأكرم» (٤) .
-
والصوابُ الأول؛ لما تقدَّم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يلبِّي في عمرته حتى يستلم الحجر. وأثر ابن مسعود قد خالفه فيه عدة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ذكره مسروق، وإذا تنازع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت السنة قاضيةً بينهم. وليس هو صريحًا بأن ابن مسعود كان معتمرًا، وإنما الصريح فيه أن
vol. 6, p. 192مسروقًا كان هو المعتمر؛ لكن الظاهر أنه كان معتمرًا أيضًا، لأنهم إذ ذاك إنما كانوا يُحرِمون بعمرة في غير (١) أشهر الحج (٢) ، كما كان عمر قد أمرهم به. وظاهره أن أكثر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينهون عن الإهلال على الصفا مطلقًا في الحج والعمرة، كما تقدم.
-
فصل
وأما كون الطواف بالصفا والمروة سبعًا، وأن يحسب بالذهاب مرةً وبالعود مرةً، فيفتتح بالصفا ويختم به (٣) ؛ فيكون وقوفه على الصفا أربع مرات، وعلى المروة أربعًا= فهي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنقولة نقلًا عامًّا مستفيضًا، كما تقدّم أنه طاف سبعًا ختم بالمروة، وعليها كان التقصير والإحلال، [ق ٣٣٤] وعندها أمر أصحابه بالإحلال من إحرامهم.
-
وأما صفة السعي بين الصفا والمروة، ففي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثم نزلَ يعني من الصفا، حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي رمَلَ، حتى إذا صعِدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخرُ طوافٍ على المروة» . رواه مسلم (٤) وغيره.
-
وفي رواية للنسائي (٥) : «ثم نزل ماشيًا، حتى تصوَّبتْ قدماه في بطن (٦)
- vol. 6, p. 193
المَسِيل، فسعى حتى صعدتْ قدماه، ثم مشى حتى أتى المروةَ فصعِدَ فيها، ثم بدا له البيتُ».
-
وتقدَّم حديث ابن عمر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف بالبيت الطوافَ الأول خبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطنِ المَسِيل إذا طاف بين الصفا والمروة» . متفق عليه (١) ، ولفظ البخاري: «بطنَ المسيل» .
-
وعن علي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسعى بين الصفا والمروة في المسعى، كاشفًا عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه. رواه أحمد (٢) .
-
وعن صفية بنت شيبة [عن امرأةٍ منهم أنها رأت النبي - صلى الله عليه وسلم - من خَوْخَةٍ (٣) وهو يسعى في بطن المسيل، وهو يقول: «لا يُقطع الأبطحُ إلا شَدًّا» ] (٤) .
-
وذكر أصحابنا القاضي ومَن بعده أنه يسعى ببطن المسيل سعيًا شديدًا. ولفظ أحمد (٥) : «وامْشِ حتى تأتي العَلَم الذي في بطن الوادي، فارمُلْ من
vol. 6, p. 194العَلَم إلى العَلَم». وكذلك قال الأثرم: يسعى بين الميلين الأخضرين أشدَّ من الرَّمَل قليلًا، ويقول في رَمَله: «ربِّ اغفرْ وارحمْ، إنك أنت الأعزُّ الأكرم» .
-
وقد حدَّد الناس بطنَ الوادي الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسعى فيه بأن نصبوا في أوله وآخره أعلامًا، وتُسمَّى أميالًا، ويُسمَّى واحدها المِيْل الأخضر؛ لأنهم ربما لطخوه بلون خُضرةٍ ليتميز لونه للساعي، وربما لطخوه بحمرة.
-
فأول المسعى حدُّ الميل المعلَّق بركن المسجد، هكذا ذكر كثير من المصنفين، وآخره الميلان المتقابلان؛ أحدهما بفِناء المسجد بحِيال دار العباس، هكذا في كثير من الكتب المصنفة؛ لأنه كان (١) كذلك في ذلك الوقت. واليومَ هي أربعة أميال: ميلان متقابلان أحمران أو أخضران عليهما كتابة، ثم ميلان أخضران. والدار المذكورة هي اليوم خَرِبةٌ؛ لكن الأعلام ظاهرة معلَّقة لا يَدْرُس عَلَمُها.
وقد ذكر القاضي وأبو الخطاب (٢) وجماعة من أصحابنا أن أول المسعى من ناحية الصفا قبل أن يصل إلى الميل بنحوٍ من ستة أَذْرُع، وآخره محاذاة الميلين الآخرين. ولفظ أحمد: «ارمُلْ من العَلَم إلى العَلَم» كما ذكره الشيخ، وهكذا ذكر ... (٣) .
-
فصل
ويُستحبُّ أن يذكر الله في السعي بين الصفا والمروة، قال أحمد في رواية
vol. 6, p. 195المرُّوذي: ثم انحدِرْ من الصفا، وقلْ: «اللهم استعمِلْني بسنة نبيك، وتوفَّني على ملَّته، وأعِذْني من مُضِلَّات الفتن» ، وامْشِ حتى تأتي العَلَم الذي ببطن الوادي، فارمُلْ من العَلَم إلى العَلَم، وقُلْ في رَمَلك: «ربِّ اغفر وارحمْ، وتجاوزْ عما تعلم، واهدِني للتي هي أقوم، إنك أنت الأعزُّ الأكرم. اللهم نَجِّنا من النار سِراعًا سالمين، وأدخِلْنا الجنة بسلام آمنين» ، وامشِ حتى تأتي المروةَ، فتصعد عليها، وتقف منها حيثُ تنظر إلى البيت، ثم تكبِّر أيضًا، وتدعو بما دعوتَ به على الصفا، ثم تقول: «اللهم إني أعوذ بك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن» . وما دعوتَ به أجزأك، تفعلُ ذلك ثلاث مرات.
وقال أحمد (١) : كان عبد الله بن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: «رب اغفر وارحم، وأنت الأعزُّ الأكرم» . وقد تقدَّم ذلك عن ابن مسعود، وتقدَّم عن ابن عمر أنه كان إذا أتى على المسعى سعى وكبَّر.
-
فصل
وليس على النساء سعيٌ بين العَلَمين، ولا صعودٌ على الصفا والمروة، كما أنه ليس عليهن في الطواف رَمَلٌ ولا اضطباع؛ لأن المرأة مأمورة بالستر ما أمكن، وفي رَمَلِها ورُقِيِّها تعرُّضٌ لظهورها. فإن فعلتْ ذلك ... (٢) .
-
ومن أهلَّ بالحج من أهل مكة لم يكن عليه سعيٌ بين العَلَمين، كما لا رمَلَ عليه في الطواف. قاله ابن أبي موسى (٣) .