مسألة: (فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا. فإن تاب وإلا قتل)
137 paragraphs · vol. 3, p. 47
Page 2 of 4
- vol. 3, p. 60
والأصل في ذلك: ما روى شدَّاد بن أوس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله كتَب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحْسِنُوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحْسِنُوا الذِّبحةَ» رواه أحمد ومسلم (٥) .
وقال عليه السلام: «إنَّ أعفَّ الناس قِتلةً أهل الإيمان» (٦) .
- vol. 3, p. 61
وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالصدقة، وينهى عن المثلة (١) . ولهذا موضعٌ (٢) غير هذا.
-
فصل
ويُقتَل لكفره، في إحدى الروايتين.
-
وفي الأخرى: يُقتل كما يُقتل الزاني والمحارب، مع ثبوت إسلامه، حدًّا محضًا (٣) . وهي اختيار ابن بطَّة، وقال: هذا هو المذهب؛ وأنكر خلافَ هذا (٤) ، لما روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن شَهِد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله وكلِمتُه ألقاها إلى مريم ورُوح منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ والنَّارَ حقٌّ= أدخله الله الجنَّةَ على ما كان من العمل» .
-
وعن أنس أنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ــ ومعاذٌ رديفُه على الرَّحل ــ قال (٥) : «يا
vol. 3, p. 62معاذ» قال: لبَّيك يا رسولَ الله وسعدَيك. قال: «ما من عبد [٢٢٧/ب] يشهد أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله إلا حرَّمه الله على النار» . قال: يا رسول الله، أفلا أُخبر بها الناسَ فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتَّكِلُوا» . فأخبَر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متفق عليهما (١) .
-
ولما تقدَّم من حديث عُبادة، وقوله: «من لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهدٌ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له» .
-
وعن أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله (٢) - صلى الله عليه وسلم - قام بآية من القرآن يردِّدها حتى صلَّى الغداة، وقال: «دعوتُ لأمَّتي، وأُجِبتُ بالذي لو اطَّلعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصلاة» . فقال أبو ذرٍّ: يا رسول الله، ألا أبشِّر الناسَ (٣) ؟ فقال: «بلى» فانطلقَ، فقال عمر: إنَّك إن تَبعَثْ إلى الناس بهذا يَنْكُلُوا (٤) عن العبادة. فناداه أن ارجِعْ، فرَجَع. والآية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] . رواه أحمد، وهذا سياقه. ورواه النسائي وابن ماجه (٥) .
- vol. 3, p. 63
ولأنَّ الصلاة عملٌ من أعمال الجوارح، فلم يكفُر بتركه كسائر الأعمال المفروضة. ولأنَّ من أصول أهل السنة أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة (١) بذنب، ولا يُخرجونه من الإسلام بعمل، بخلاف ما عليه الخوارج؛ وإنما الكفر بالاعتقادات.
-
وقد روى أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله. لا نُكفِّره بذنب، ولا نُخرجه (٢) من الإسلام بعمل. والجهادُ ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخِرُ (٣) أمتي الدَّجَّالَ، لا يُبطلِه جورُ [٢٢٨/أ] جائر ولا عدلُ عادل. والإيمانُ بالأقدار» رواه أبو داود (٤) . وذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٥) .
-
وتاركُ الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيحُ الاعتقاد، فلا يكفَّر.
-
والرواية الأولى اختيارُ أكثرِ الأصحاب مثل أبي بكر وابن شَاقْلا وابن
vol. 3, p. 64حامد والقاضي وأصحابه (١) ، وهو المنقول عن جماهير السلف، لقول الله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: ١١] . فعلَّق الأخوَّة في الدين (٢) على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والمعلَّقُ بالشرط عدمٌ (٣) عند عدمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بأخٍ في الدين، ومن ليس بأخٍ في الدين (٤) فهو كافر؛ لأن المؤمنين إخوة مع قيام الكبائر بهم، بدليل قوله في آية المقتتلين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠] ، مع أنه قد سمَّى قتالَ المؤمن كفرًا.
-
ولِمَا روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الجماعة (٥) إلا البخاري والنسائي. وفي رواية لمسلم (٦) : «بين الرجل وبين الشرك تركُ الصلاة» (٧) . وفي رواية صحيحة لأحمد (٨) : «ليس بين العبد والكفر إلا تركُ الصلاة» .
-
وعن بريدة الأسلمي قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «العهد الذي
vol. 3, p. 65بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفَر» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وهو على شرط مسلم (١) .
-
وعن ثوبان قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [٢٢٨/ب] يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان: الصلاة، فإذا تَركها فقد أشرَكَ» رواه هبة الله الطبري (٢) ، وقال: إسناد صحيح على شرط مسلم.
-
وعن عبادة بن الصامت قال أوصانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة تعمُّدًا، فمن ترَكَها تعمُّدًا فقد خرَج من الملَّة» . رواه ابن أبي حاتم في «سننه» (٣) . ونحوه من حديث معاذ (٤) وأبي الدرداء (٥) .
vol. 3, p. 66وقال الإمام أحمد في «رسالته في الصلاة» (١) : جاء (٢) الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أولُ ما تفقِدُون من دينكم: الأمانة. وآخِرُ ما تفقِدون منه: الصلاة» (٣) .
قال الإمام أحمد: كلُّ شيء يذهب آخره، فقد ذهب جميعُه (٤) .
-
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروةُ سنامه الجهاد» رواه الترمذي وصحَّحه (٥) . ومتى
vol. 3, p. 67وقع عمودُ الفسطاط (١) وقع جميعُه ولم يُنتفَع به.
-
ولأنَّ هذا إجماعُ الصحابة. قال عمر - رضي الله عنه - لما قيل له ــ وقد جُرِح (٢) : الصلاةَ الصلاة (٣) ــ: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لِمَن ترك الصلاةَ (٤) . وقصته في الصحيح (٥) . وفي رواية عنه قال: لا إسلام لمن لم يصلِّ. رواه النجاد (٦) . وهذا قاله بمحضر من الصحابة.
وقال علي عليه السلام: من لم يصلِّ فهو كافر. رواه البخاري في «تاريخه» (٧) .
- vol. 3, p. 68
وذكر ابن عبد البر (١) مثله عن أبي الدرداء، وابن عباس، وجابر.
وقال عبد الله بن مسعود: مَن تركَ الصلاةَ فهو كافر (٢) . وفي رواية عنه في إضاعة [٢٢٩/أ] الصلاة قال: هو إضاعة مواقيتها، ولو تركوها لكانوا كفَّارًا (٣) .
وقال أبو الدرداء: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، رواهما النجاد (٤) وهبة الله الطبري وغيرهما (٥) .
-
ورأى حذيفة رجلًا يصلِّي وهو لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده (٦) ، فقال لما قضى صلاته: ما صلَّيتَ! ولو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفطرة التي فطَر الله عليها محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري (٧) .
- vol. 3, p. 69
وعن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال له طبيب حين وقع في عينه الماء: استَلْقِ سبعةَ أيام لا تُصَلِّ (١) . قال ابن عباس: مَن تَركَ الصلاةَ كفَر. رواه النجَّاد (٢) .
وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد (٣) - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ إلا الصلاةَ. رواه الترمذي (٤) .
وقال الحسن: بلغني أنَّ أصحاب محمد (٥) - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرِكَ فيكفرَ: أن يترك الصلاة من غير عذر. رواه النجاد وهبة الله الطبري (٦) .
-
فإن قيل (٧) : هذا محمول على كفر دون كفر، كما قال ابن عباس وغيره (٨) في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
vol. 3, p. 70الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: ٤٥] ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (١) [المائدة: ٤٧] ، إنه كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢) .
-
وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» (٣)
-
وفسَّره بالرياء.
-
وكما قال: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلَّى يرائي فقد أشرك» (٤) .
- vol. 3, p. 71
وكما قال: «الرياء هو الشرك الأصغر» (١) .
-
[٢٢٩/ب] وقال: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» رواه أحمد (٢) .
-
وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من رجلٍ ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر» (٣) . وقال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٤) . وقال: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض» (٥) متفق عليهن.
vol. 3, p. 72وقال: «اثنتان في الناس، هما بهم كفر: الطعنُ في النسب، والنِّياحة على الميِّت» رواه مسلم (١) .
وقال: «أيُّما عبدٍ أبَقَ من مواليه فقد كفر» (٢) . وقال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (٣) رواهما أحمد.
وقال: «ثلاثٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا: مَن إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا اؤتمِنَ خان» متفق عليه (٤) . وفي رواية (٥) : «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» .
-
وكما قال ابن أبي مليكة (٦) : أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، كلُّهم يخاف النفاق على نفسه (٧) .
-
وكما خاف حنظلة الأسدي أن يكون نافَق بنسيانه الذكرَ (٨) واختلافِ
vol. 3, p. 73حاله عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأهله. والحديث في «صحيح مسلم» (١) . وهذا باب واسع أطرافه متشعِّبة (٢) .
-
وربما قال بعض الناس: يُحمَل على كفر النعمة، أو على المبالغة والتغليظ في الترك (٣) ؛ لأنَّ الكفرَ الناقلَ عن الملَّة، والشركَ الذي لا يغفره الله، والنفاقَ الموجبَ للدَّرك الأسفل من النار= لا يثبُت بمجرَّد هذه الأفعال عند أحد من أهل السنَّة، لكن عند الخوارج والمعتزلة الذين تأوَّلوا ظاهر هذا الكلام [٢٣٠/أ] على وفق رأيهم، وأعرضوا عما سواه مما يفسِّره ويبيِّن معناه (٤) ، من الدلالات الكثيرة في الكتاب والسنة، والإجماع على ثبوت أصل الإيمان مع وجود هذه الأعمال. وربما حمله بعضُهم على مقارنة الكفر لذلك.
-
ومن الناس من يحمل الترك على من (٥) تركها جاحدًا غيرَ مُقِرٍّ بوجوبها، ولا ملتزم بها (٦) في الجملة. ويكون تخصيصها (٧) بالذكر لعموم فرضها زمانًا ومكانًا وحالًا وكمالًا (٨) .
- vol. 3, p. 74
قلنا (١) : أما تأويله بكفر النعمة، فساقط في جميع هذه المواضع. ولذلك لم يُنقل هذا عن السلف، لأنَّ كفرَ النعمة إن أريد به جحدُ إنعام الله عليه، فهذا كفر صريح، مع أنَّ هذه المواضع ليس (٢) فيها ما يتضمَّن جحدَ الإنعام بخصوصه. وإن أريد به التقصيرُ في الشكر، فليس بعض (٣) الأعمال بهذا أولى من بعض. بل كلُّ من ترك شيئًا من الفرائض فقد قصَّر في شكر نعمة الله، فينبغي أن يسمَّى كافرًا على هذا الوجه. ثم إنه لا مناسبة بين ذلك وبين أكثر هذه المواضع لمن تدبَّره.
-
ثمَّ (٤) الكفر المطلق لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الذي هو خلاف الإيمان، لأنَّ هذا هو المعنى الشرعي له، ولاسيَّما (٥) إذا قوبل بالإيمان، فإنه يجب حملُه على ذلك. ثمَّ لو صحَّ هذا في بعض المواضع، فهنا إنما أراد به الكفر المخالف للإيمان، كما نصَّ عليه في الحديث، وكما سيأتي تقريره (٦) إن شاء الله تعالى (٧) .
-
وأما قول من يقول: هو على سبيل المبالغة [٢٣٠/ب] والتغليظ،
vol. 3, p. 75فلَعمري إنه (١) مبالغة وتغليظ! لكن على الوجه المحدود من غير مجازفة ولا مجاوزة. ومن اعتقد أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمدح عملًا على سبيل الترغيب, أو يذمُّه على سبيل الترهيب, بمجاوزة في وصفه (٢) , وزيادة في نعته= فقد قال قولًا عظيمًا, وجاء شيئًا إدًّا (٣) ، بل قد كفر بالله ورسوله إن فهم مضمونَ كلامه وأصرَّ عليه. ولهذا لما نهت قريش عبد الله بن عمرو (٤) أن يكتب ما يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغضب (٥) توهُّمًا أنه قد يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا= قال: «اكتُبْ, والذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حقٌّ» (٦) . كيف وهو - صلى الله عليه وسلم - لا ينطِق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحَى.
-
نعم، هو - صلى الله عليه وسلم - يرغِّب في الشيء بذكر أحسن صفاته من غير مجاوزة حدِّه، ويذمُّ الفعل القبيح ببيان أقبح صفاته من غير مجاوزة أيضًا. إنما يجوز أن يُظَنَّ المبالغة الزائدة عن الحدِّ بسائر الناس الذين لا يحفظون (٧) في (٨) منطقهم ولا يُعصَمون في كلامهم، لاسيما الشعراء ونحوهم. ولهذا زجر الإمامُ أحمد عن تأويل أحاديث الوعيد حيث تأولها المرجئةُ على أشياءَ
vol. 3, p. 76تُخرجها عن (١) مقصود الرسول، كما تأولت الجهمية والقدرية الأحاديثَ المخالفة لأهوائهم تأويلًا يخرجها عن مقصوده.
-
وأما حملُه على كفر دون كفر، فهذا منهاج (٢) صحيح ومحمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام. ولهذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين في كثير من المواضع [٢٣١/أ] مفسَّرًا بهذا (٣) ، لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه:
أحدها: أنَّ الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المُخرِج عن الملَّة، فينصرف الإطلاق إليه؛ وإنما صُرِف (٤) في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن وضمائم (٥) انضمَّت إلى الكلام، ومن تأمَّل سياقَ كلِّ حديث وجدها معه (٦) ؛ وليس هنا شيء يُوجب صرفَه عن ظاهره، بل هنا ما يقرِّره (٧) على الظاهر.
-
الثاني: أنَّ ذاك الكفر منكَّر مبهَم، مثل قوله: «وقتاله كفر» ، وقوله (٨) : «هما بهم كفر» ، وقوله: «كفر بالله» ، وشبه ذلك. وهنا عُرِّفَ باللام بقوله:
vol. 3, p. 77«ليس بين العبد وبين الكفر» أو قال: «الشرك» . والكفر المعرَّف (١) ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المُخرِج عن الملَّة.
-
الثالث: أن في بعض الأحاديث: «فقد خرج عن الملَّة» وفي بعضها: «بينه وبين الإيمان» . وفي بعضها: «بينه وبين الكفر» . وهذا كلُّه يقتضي أن الصلاة حدٌّ يُدخله إلى الإيمان إن فعله، ويُخرجه عنه إن تركه.
-
الرابع: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركُ الصلاة» ، وقوله: كان أصحابُ محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ إلا الصلاة= لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الأعظم، لأن بينه وبين غير ذلك مما يسمَّى كفرًا أشياء كثيرة. ولا يقال: فقد يخرج عن الملَّة بأشياء غير الصلاة، لأنا نقول: هذا ذُكِر (٢) في سياق ما كان من الأعمال المفروضة على العموم يُوجِب تركُه الكفرَ. وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس [٢٣١/ب] من الأعمال الظاهرة.
-
الخامس: أنه خرج هذا الكلامُ مخرجَ تخصيصِ الصلاة وبيان مزيَّتها (٣) على غيرها في الجملة. ولو كان ذلك (٤) الكفر فسقًا لشاركها في ذلك عامَّةُ الفرائض.