مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)
297 paragraphs · vol. 3, p. 432
Page 3 of 8
- vol. 3, p. 458
فإنما نهى عن ذلك، لأنَّ الصلاةَ عندها واتخاذَها مساجدَ ضربٌ من عبادة الأوثان، وسببٌ إليه، لأنَّ عُبَّاد الأوثان ما كانوا يقولون: إنَّ تلك الحجارة والخشب خَلَقتهم، وإنما كانوا يقولون: إنها تماثيل أشخاص معظَّمين من الملائكة أو النجوم أو البشر، وإنَّهم بعبادتهم يتوسَّلون إلى الله. فإذا توسَّل العبد بالقبر إلى الله فهو عابدُ وثن، حتَّى يعبد الله مخلصًا له الدين، من غير أن يجعل بينه وبينه شفعاء وشركاء، كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه؛ ويعلمَ أنه ليس من دون الله وليٌّ ولا شفيعٌ، كما أخبر تعالى.
-
ولهذا جمع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين مَحْق التماثيل وتسوية القبور المُشْرِفة، إذ كان بكلاهما (٣) ، يُتوسَّل بعبادة البشر إلى الله. قال أبو الهيَّاج الأسدي: قال لي عليٌّ رضي الله تعالى عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أن لا تدعَ تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٤) .
- vol. 3, p. 459
وأخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذه (١) الأمة ستتبع سَنَنَ من كان قبلها حذوَ القُذَّة بالقُذَّة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلوا معهم. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟» (٢) .
-
وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللَّاتُ والعُزَّى (٣) ، وحتَّى تضطربَ ألَياتُ [نساءِ] (٤) دوس حول ذي الخَلَصَة، صنمٌ كان لهم في الجاهلية (٥) .
-
ولهذا قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: لا يجوز أن يُبنَى مسجدٌ على قبر، ولا فيما بين القبور. والواجب في المساجد المبنيَّة على تُرَبِ الأنبياء والعلماء والشيوخ والملوك وغيرهم أن لا تُتَّخذ مساجدَ، بل يُقطَع ذلك عنها إمَّا بهدمها، أو سدِّها، أو نحو ذلك، مما يمنع أن تُتَّخذ مسجدًا. ولا تصح الصلاة في شيء منها، ولا يجوز الوقف عليها، ولا إسراج ضوء فيها، سواء كان بدهن أو شمع، ولا يصح النذر لها، بل هو نذر معصية، فتجب فيه كفَّارةُ يمين، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لعن مَن يتخذ القبورَ مساجدَ (٦) ، ولعن من يتخذ عليها السُّرُج (٧) ، ونهى عن اتخاذها مساجد (٨) ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلُ القول في ذلك.
- vol. 3, p. 460
وأمَّا من يصلِّي عند القبر اتفاقًا من غير أن يقصده، فلا يجوز أيضًا، كما لا يجوز السجود بين يدي الصنم والنار وغير ذلك مما يُعبد من دون الله، لما فيه من التشبُّهِ [ص ١٥٨] بعُبَّاد الأوثان، وفتحِ باب الصلاة عندها، واتهامِ من يراه أنه قصَد الصلاةَ عندها. ولأنَّ ذلك مظِنَّة تلك المفسدة، فعُلِّق الحكمُ بها، لأنَّ الحكمة قد لا تنضبط؛ ولأنَّ في ذلك حسمًا لهذه المادة، وتحقيقَ الإخلاص والتوحيد، وزجرَ النفوسِ (١) أن تتعرض لها بعبادة (٢) ، وتقبيحًا (٣) لحال من يفعل ذلك.
-
ولهذا نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عند طلوع الشمس، لأنَّ الكفار يسجدون للشمس حينئذ (٤) . ونهى أن يصلِّي الرجلُ، وبين يديه قنديل أو نحوه (٥) . وكان إذا صلَّى إلى سترة انحرف عنها، ولم يصمُد لها صَمْدًا (٦) .
- vol. 3, p. 461
كلُّ ذلك حسمًا لمادة الشرك صورةً ومعنًى، كما نهى سعدًا أن يدعو بإصبعين، وقال: «أحِّدْ أحِّدْ» (١) ، وأن يقول الرجل ما شاء الله وشاء فلان (٢) ، وأن يحلف الرجل بغير الله، وقال: «من حلَف بغير الله فقد أشرَكَ» (٣) .
-
ولعلَّ بعض الناس يخيَّل إليه أنَّ ذلك كان في أول الأمر، لقرب العهد بعبادة الأوثان؛ وأنَّ هذه المفسدة قد أمِنت اليوم. وليس الأمر كما تخيَّله، فإنَّ الشركَ وتعلُّقَ القلوب بغير الله عبادةً واستعانةً غالبٌ على قلوب الناس في كلِّ وقت، إلا من عصَم الله. والشيطانُ سريعٌ إلى دعاء الناس إلى ذلك، وقد قال الحكيم الخبير {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: ١٠٦] ، وقال إمام الحنفاء: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦] ، وقد قال الناس
vol. 3, p. 462لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين عقيبَ فتح مكة: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: «الله أكبر. قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. إنها السُّنَن. لتتبعُنَّ سُنَنَ من قبلكم» (١) . وسيعود الدين غريبًا كما بدأ، ويصير الصغير كبيرًا، فكيف تؤمن المفسدة؟ بل هي واقعة كثيرة. فهذه هي العلَّة المقصودة لصاحب الشرع في النهي عن الصلاة في المقبرة واتخاذ القبور مساجد، لِمن تأمَّل الأحاديث، ونظَر فيها. وقد نصَّ الشارع على هذه العلَّة، كما تقدَّم.
-
فأما إن كان التراب نجسًا، فهذه علَّة أخرى قد تُجامع الأولى، لكن تكون المفسدة الناشئة من اتخاذها أوثانًا أعظم من مفسدة نجاسة التراب، فإنَّ تلك تقدح في نفس التوحيد والإخلاص، الذي هو أصلُ الدين وجِماعُه ورأسُه، والذي بُعثت به جميعُ المرسلين، كما قال سبحانه وتعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: ٤٥] ، وقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إلى قوله: {أَنْ أَقِيمُوا [ص ١٥٩] الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: ١٣] . ولهذا كانت فاتحة دعوة المرسلين من نوح وهود وصالح
vol. 3, p. 463وشعيب وغيرهم {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥] .
-
وقد تفارق الأولى إذا كان بينه وبين التراب حائل من البِساط ونحوه، أو كانت المقبرة جديدة لاسيَّما المسجدُ المبنيُّ على قبر نبيٍّ أو رجل صالح، فإنَّ تربته لم يُدفَن فيها غيرُه، فلا نجاسة هناك البتَّة، مع ما فيه من نهي الشارع.
-
وأما أعطان الإبل، فقد صرَّح النبي - صلى الله عليه وسلم - في توجيه ذلك بأنها من الشياطين (١) ، وبأنها خُلقت من الشياطين (٢) .
-
وفي رواية (٣) : أنها جِنٌّ خُلِقت من جِنٍّ. وفي حديث آخر: «على ذِروةِ كلِّ بعير شيطان» (٤) .
-
والشيطان: اسم لكلِّ عاتٍ متمرِّد من جميع الحيوانات، والشياطينُ من ذرِّية ابليس تُقارب شياطينَ الإنس والدوابِّ؛ فمعاطنها مأوى الشياطين. أعني أنها في أنفسها جِنٌّ وشياطينُ لمشاركتها لها في العتوِّ والتمرُّد والنَّفْر
vol. 3, p. 464وغير ذلك من الأخلاق، وأنَّ ذرية إبليس مقترنة بها.
-
وإذا كان كذلك فالمواضع التي هي مألف الشياطين ومثواهم، نهى الشارع عن الصلاة فيها، لما في الصلاة فيها من المفسدة التي تعكِسُ على المصلي مقصودَه من العبادة؛ بل هي من أبلغ الأسباب المانعة من صحة العبادة وصلاحها؛ كما فضَّل الأماكنَ التي هي مألف الملائكة والصالحين مثل المساجد الثلاثة، لما يرجى هناك من مزيد الرحمة والبركة وكمال العبادة؛ ولما يُخاف هنالك من نقص الرحمة والبركة ونقص العبادة. ألا ترى إلى قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] ؟ ألا ترى أنَّ المسجد صِينَ عن كلِّ ما ينفِّر الملائكةَ من التماثيل والجنُب وارتفاع الأصوات ونحو ذلك؟
-
فعُلِمَ أنَّ مواضع العبادة يُقصَد أن تكون مما تنزل فيه الرحمة والسكينة والملائكة، وأنَّ ما كان محلًّا لضدِّ ذلك لم يُجعَل موضعَ صلاة. وهذه العلَّة التي أومأ إليها الشارع هنا أومأ إليها في مواضع أخَر، فإنَّهم لما ناموا عن صلاة الفجر بعد القفول من غزوة خيبر واستيقظوا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليأخذ كلُّ رجل منكم برأس راحلته، فإنَّ هذا منزلٌ حضَرَنا فيه الشيطانُ» (١) ، مع أمره بصلاة الفائتة حين يُنتبَه لها وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا كفارة لها إلا ذلك» (٢) . فعُلِم أنَّ الصلاةَ ببقعةٍ يحضرها الشيطانُ أمرٌ محذورٌ في الشرع.
-
واعتُبِر هذا المعنى في قطع الصلاة بمرور المارِّ [ص ١٦٠] فقال لمَّا سئل عن الفرق بين الكلب الأسود والأبيض والأحمر: «الكلب الأسود
vol. 3, p. 465شيطان» (١) . وقال: «إنَّ عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطعَ عليَّ الصلاةَ، فأمكنني الله منه، فذَعَتُّه» (٢) الحديث (٣) . وفي رواية: «مرَّ علي الشيطانُ، فتناولتُه، فأخذتُه فخنقتُه» (٤) .
-
ونحن نقول بجميع هذه السنن، ونعلِّل بما علَّل به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يعلم ما لا نعلم، وأمرُه يتبَع علمَه، بأبي هو وأمي. وحينئذ فيجب طردُ هذه العلَّة، فإنَّ الحُشَّ مع أنه مظِنة النجاسة، فإنَّ الشياطين تحضره، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذه الحشوش محتضرَة» وأمَر عند دخولها بالتسمية والاستعاذة من الشيطان الرجيم (٥) .
-
وكذلك الحمَّام، فإنه مع أنه مظِنة النجاسة، فإنه بيتُ الشيطان، كما جاء في الأثر الذي ذكرناه في الطهارة: أنَّ الشيطان قال: أيْ ربِّ اجعل لي بيتًا. قال: بيتك الحمَّام (٦) وهو محلٌّ للخبَث، والملائكةُ لا تدخل بيتًا فيه خبَث.
-
وأما المجزرة والمزبلة، فهي كالحمَّام سواء، وأسوأ لأنها مظنَّة النجاسة. وهي ــ والله أعلم ــ محتضَرة من الشياطين، فإنَّهم أبدًا يأوون
vol. 3, p. 466مواضعَ النجاسات. فما خبُث من الجمادات والأجساد مقرونٌ أبدًا بما خبُث من الحيوانات والأرواح، وليس اعتبارُ طهارة البقعة من الأجسام الخبيثة بدون اعتبار طهارتها من الأرواح الخبيثة، بل العنايةُ بتطهيرها من هؤلاء الخبيثين والخبيثات من الأماكن أولى. ولمَّا كان هذا مُغَيَّبًا عن عيون الناس عَلَّق الشارعُ الحكمَ بمظنَّة ذلك وعلامته (١) ، وهو مكان النجاسات.
-
وأما قارعة الطريق، فقد صرَّح - صلى الله عليه وسلم - بأنها مأوى الحيَّات والسِّباع (٢) . وهذا ــ والله أعلم ــ ينزع إلى ذلك؛ لأنَّ الحيَّات والسِّباع من أخبث شياطين الدوابِّ، ومأواها أسوأ حالًا من مأوى الإبل.
-
وقد أشار أبو بكر الأثرم (٣) إلى نحو من هذه الطريقة، فقال لما ذكر حديث زيد بن جَبيرة، واعتمَده، وبيَّن الجمعَ بينه وبين الأحاديث المطلقة، فقال: «قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جُعلت لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا» (٤) إنما أراد به الخلافَ على أهل الكتاب، لأنهم لا يصلُّون إلا في كنائسهم وبِيَعهم، فقال: فُضِّلتُ على الناس بذلك وبغيره. ثم استثنى بعد الخلاف عليهم مواضعَ لمعانٍ غير معاني أهل الكتاب». قال: « [فأمّا] (٥) الحمام والمقبرة، فإنَّ الحمام ليس من بيوت الطهارة، لأنه بمنزلة المراحيض التي (٦) يغتسل فيها (٧) من الجنابة والحيض.
- vol. 3, p. 467
والمقبرة أيضًا إنما كُرهت للتشبُّه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبورَ أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وسائرُ المواضع التي استثناها إنما كرِه نجاستها [ص ١٦١] . ومعاطنُ الإبل قال: إنها خُلِقت من الشياطين. فقد بيَّن في كلٍّ معناه». هذا كلام الأثرم.
-
وقد تبيَّن بما ذكرناه أنَّ العلَّة في أكثر هذه المواضع كونها مأوى الشياطين ومألفهم، وأنَّ إلفَ الشيطان إياها بسبب النجاسة وغيرها.
-
فإن قيل: فعندكم تجوز الصلاة في الموضع الذي نسيَ الصلاةَ فيه، وهو موضع شيطان. وتجوز في السوق بنصِّ السُّنَّة (١) ، وبها يركُز الشيطان رايته (٢) . وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي على البعير وإليه (٣) . ثم ما كان مأوى الشيطان فينبغي أن تكون الصلاة فيه أفضل، كما فُضِّل ذكرُ الله في السوق لأنه محلُّ الغفلة (٤) ، وكما أنَّ الأذان يطرد الشيطان (٥) .
-
قلنا: الأماكن قسمان، أحدهما: ما يألفونه ويلزمونه، ولا يمكن طردهم عنه مطلقًا، لثبوت المقتضي لحضورهم، مثل الحُشِّ والحمّام وأعطان الإبل. فهذا الذي لا تصح الصلاة فيه.
- vol. 3, p. 468
والثاني: ما يعرضون فيه، ولا يقيمون، مثل السوق وموضع النوم عن الصلاة. فهذا تُكرَه الصلاة فيه، نصَّ عليه. ومتى أمكن طردهم بالصلاة والذكر لم تُكرَه الصلاة. ولهذا لم تكره الصلاة على البعير ولا إليه، بخلاف البقعة التي اتخذها موطنًا ومدارًا (١) .
-
الفصل الخامس
في تحديد هذه الأماكن
أما المقبرة، فلا فرق فيها بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وما انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق بين أن يكون بينه وبين الأرض حائل أو لا يكون؛ لما تقدَّم من الأحاديث وعمومها لفظًا ومعنًى، ولأنَّا قد بيَّنًا أنه لا يجوز أن يراد بتلك الأحاديث المقبرة العتيقة المنبوشة فقط، لأنه نهى عن الصلاة في المقبرة، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن اتخاذ قبر النبي أو الرجل الصالح مسجدًا، ومعلوم أنَّ قبور الأنبياء لا تُنبش؛ ولأن عامَّة مقابر المسلمين كانت جديدة، ولا يجوز أن يطلق «المقبرة» ، ويريد بها مقابر المشركين العُتُق، مع أنَّ المفهوم عندهم مقابرهم. ولا يجوز أن يريد بها ما يتجدَّد من القبور العُتُق، دون المقابر الموجودة في زمانه وبلده، فإنَّ ما يعرفه المتكلِّم من أفراد العامِّ هو أولى بالدخول في كلامه.
-
ثم إنه لو أراد القبور المنبوشة وحدها لوجب أن يقرُن بذلك قرينةً تدلُّ عليه، وإلَّا فلا دليل يدلُّ على أنَّ المراد هو هذا. ومن المحال أن يُحمَل الكلامُ على خلاف الظاهر المفهوم منه من غير أن يُنصَب دليلٌ على ذلك.
- vol. 3, p. 469
ثم إنه نهانا عما كان يفعله أهل الكتابين من اتخاذ القبور مساجد، وأكثر ما اتخذوه من المساجد مقبرة جديدة، بل لا يكون إلا كذلك. ثم هم يفرشون [ص ١٦٢] في تلك الأرض مفارش تحول بينهم وبين تربتها، فعُلِمَ أنه - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن ذلك.
-
وبالجملة، فمَن جعَل النهي عن الصلاة في المقبرة لأجل نجاسة الموتى فقط، فهو بعيد عن مقصود النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما تقدَّم.
-
ثم لا يخلو إمَّا أن يكون القبر قد بُني عليه مسجد، فلا يصلَّى في هذا المسجد، سواء صلَّى خلف القبر أو أمامه، بغير خلاف في المذهب؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك» (١) . وقال: «لعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) وقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوا على قبره مسجدًا» الحديث (٣) . وقال: «لعن الله زوَّاراتِ القبور والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ» (٤) فعمَّ بالنهي أن يُتَّخذ شيءٌ من القبور مسجدًا، وخصَّ قبورَ الأنبياء والصالحين؛ لأنَّ عكوفَ الناس على قبورهم أعظم، واتخاذَها مساجد أكثر. ونصَّ على النهي عن أن يُتَّخذ قبر واحد مسجدًا، كما هو فعل أهل الكتاب. ولذلك إن
vol. 3, p. 470لم يكن عليه مسجدٌ، لكن قصَده إنسان ليصلِّي عنده، فهذا قد ارتكب حقيقةَ المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، وقد اتخذ القبورَ مساجدَ يقصدها للصلاة فيها، والصلاة عندها، كما يُقصَد المسجدُ الذي هو مسجدٌ للصلاة فيه؛ فإنَّ كلَّ مكان أُعدَّ للصلاة فيه أو قُصِد لذلك فهو مسجد. بل كلُّ ما جازت الصلاة فيه فهو مسجد، كما قال: «جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا» (١) وقال عليه السلام: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» (٢) وسواء كان في بيت أو مكان محوط، وقد بُني عليه بناءٌ لأجله أو لم يكن.
-
وأما إن كان في موضعٍ قبرٌ وقبران، فقال أبو محمد (٣) : لا يُمنَع من الصلاة هناك؛ لأنه لا يتناولها اسمُ المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا. وليس في كلام أحمد وعامَّة أصحابه هذا الفرق، بل عمومُ كلامهم وتعليلُهم واستدلالُهم يوجِب منع الصلاة عند قبر من القبور. وهذا هو الصواب، فإنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تتخذوا القبور مساجد» (٤) أي (٥) لا تتخذوها موضع سجود. فمن صلَّى عند شيء من القبور فقد اتخذ ذلك القبر مسجدًا؛ إذ المسجدُ في هذا الباب، المرادُ به: موضع السجود مطلقًا، لاسيَّما ومقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد، فيكون المقصود: لا يُتَّخَذ قبرٌ من القبور
vol. 3, p. 471مسجدًا من المساجد. ولأنه لو اتُّخِذ قبرُ نبيٍّ أو قبرُ رجل صالح مسجدًا لكان حرامًا بالاتفاق، كما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم -، فعُلِمَ أنَّ العدد لا أثر له. وكذلك قصدُه للصلاة فيه وإن كان أغلظ، لكن هذا الباب [ص ١٦٣] سُوِّي في النهي فيه بين القاصد وغير القاصد سدًّا لباب الفساد. ولأنه قد تقدَّم عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تصلِّ في حمام ولا عند قبر (١) .
قال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلَّى فيه. فعلى هذا ينبغي أن يكون المنع متناولًا (٢) لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف اليه.
قال أصحابنا: ولا تجوز الصلاة في مسجد بُني على المقبرة، سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفًا.
-
فأمَّا إن لم يكن في أرض المقبرة، وكانت المقبرة خلفه أو عن يمينه أو عن شماله، جازت الصلاة فيه. يعنون: إذا لم يكن قد بُني لأجل صاحب القبر. فأما إن بُني لأجل صاحب القبر بأن يُتَّخَذ موضعًا للصلاة، لمجاورته القبرَ وكونه في فنائه، فهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما إن كانت المقبرة أمامه، فسيأتي إن شاء الله.
-
هذا قول القاضي وغيره. وقال ابن عقيل (٣) : إن بني بعد أن تقلَّبت
vol. 3, p. 472أرضُها بالدفن لم تجُز الصلاة فيه. وإن بُني مسجدٌ في ساحة طاهرة، وجُعلت الساحة مقبرةً، فالمسجد على أصل جواز الصلاة، لأن أكثر ما فيه أنه في جوار مقبرة، فلم يمنع من الصلاة فيه، كسائر ما جاورها من الدور والمساجد.
-
والصحيح أنه لا فرق في بناء المسجد في المقبرة بين أن تكون جديدة أو عتيقة، كما تقدَّم.
وقال جماعة كثيرة من أصحابنا: إن بني مسجد في المقبرة لم تصحَّ الصلاة فيه بحال؛ لأن أرضه جزء من المقبرة. وإن كان المسجد متقدِّمًا فاتُّخِذ ما حوله مقبرة جازت الصلاة فيه، إلا أن تكون المقبرة في قبلته. وفَسَّروا إطلاق القاضي وغيره بهذا.
-
فإن زال القبر إمَّا بنبش الميِّت وتحويل عظامه مثل أن تكون مقبرة كفار، أو ببِلاه وفنائه إذا لم يبق هناك صورة قبر؛ فلا بأس بالصلاة هناك، لأنَّ مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت فيه قبور المشركين، فأمَر بها، فنُبشت لمَّا أراد بناءه.
-
وإن لم يعلم بِلاه (١) ، أو كان ممن يعلم أنه لم يَبْلَ (٢) ، لكن قد ذهب تمثالُ القبر واندرس أثره، بحيث لم يبق علَمٌ على الميت، ولا يظهر أنَّ هناك أحدًا مدفونًا= فهنا ينبغي أن تجوز فيه الصلاة إذا لم يقصد الصلاة عند المدفون هناك، لأن هذا ليس صلاةً عند قبر، ولا يقال لمثل هذا مقبرة.
- vol. 3, p. 473
ولهذا يقال: إنَّ إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حِجْر البيت (١) ، ويقال: إنَّ جماعة من الأنبياء مدفونون بمسجد الخَيف (٢) ، وآخرين مدفونون بين زمزم والمقام (٣) ؛ مع أنَّ الصلاة هناك جائزة حسنة بالسنَّة المتواترة والإجماع، لأنه لا يُتوهَّم أن تلك الأمكنة مقابر، ولا أنَّ الصلاة عندها صلاةٌ عند قبر، ولأن الصلاة عند القبور كُرِهت خشيةَ أن تُتَّخذ [ص ١٦٤] أوثانًا تُعبَد. فإذا كان هناك تمثالٌ أو عَلَمٌ يُشعِر بالمدفون كان كصورته المصوَّرة إذا صُلِّي عنده، فيصير وثنًا. أما إذا فُقِد هذا كلُّه، فلا عين ولا أثر، وليس فيه ما يفضي إلى اتخاذ القبور وثنًا، حتَّى لو فرِضَ خشيةُ ذلك نُهِي عنه.
-
فصل
وأمَّا الحمَّام، فقال أصحابنا: لا فرق فيه بين المغتسَل الذي يتعرَّى الناس فيه ويغتسلون فيه من الوسطاني والجوَّاني، وبين المسلخ وهو الموضع الذي توضع فيه الثياب. بل كلُّ ما دخل في مسمَّى الحمام لا يصلَّى فيه. ويدخل في ذلك كلُّ ما أُغلِق عليه بابُه.