مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)
297 paragraphs · vol. 3, p. 432
Page 4 of 8
- vol. 3, p. 474
وكذلك أتُّون الحمام، لا تجوز الصلاة فيه، لأنه مزبلة. هذا تعليل القاضي وغيره. فعلى هذا إذا عُلِمَ أنه لا يوقد فيه إلا وقود طاهر، فهو كالمزبلة التي عُلِمَ أنه لا يوضع فيها إلا شيء طاهر. وجعل ابن عقيل وغيره الأتُّون داخلًا في مسمَّى الحمام، فيكون النهي فيه لعلَّتين.
-
وقيل: تجوز الصلاة فيما ليس مظنّةً للنجاسة من الحمام كالمسلَخ ونحوه تعليلًا للحكم بكون البقعة مظنَّةَ النجاسة، فإذا تيقّن طهارتها زال سبب المنع.
-
والأول: المذهب، للنصوص المتقدِّمة. فإنَّ اسم الحمَّام يشمل الجوَّاني والبرَّاني، فلا يجوز التفريق بينهما في كلام الشارع؛ ولأن العلَّة لو كانت مجرَّد النجاسة المتيقَّنة (١) لم يكن فرق بين الحمام وغيره (٢) . ولو كانت مظنة (٣) النجاسة أو توهّمها لوجب أن تحرُم الصلاةُ في كلِّ بقعة شككنا في نجاستها إذا أمكن نجاستها.
-
وقد تقدَّم أن العلَّة التي أومأ الشارع إليها كونها محتضرة من الشياطين (٤) ، وهذا القدر يعمُّها كلَّها. ثم لو كانت العلَّة مجرَّد أنها مظنَّة النجاسة، فالصور النادرة قد لا يلتفت الشارع إلى استثنائها إلحاقًا للنادر بالغالب، كما هو في أكثر المواضع التي تُعلِّق الأحكام بالمظانِّ.
- vol. 3, p. 475
وأما الحُشُّ، فهو المكان المُعَدُّ لقضاء الحاجة، فلا تصح الصلاة في شيء من مواضع البيت المنسوب إلى ذلك، سواء في ذلك موضع التغوُّط أو موضع الاستنجاء أو غيرهما. فأمَّا المطاهر التي قد بُني فيها بيوتٌ للحاجة وللاغتسال (١) أيضًا، وبرَّانيُّها للوضوء فقط، أو للوضوء (٢) والبول= فينبغي أن تكون نسبة برَّانيِّها كنسبة برَّانيِّ الحمام إليها. ولا يصلَّى فيها، بل هي أولى بالمنع من الحمام، لأنها أولى بالنجاسة والشياطين من الحمَّام. ووجود ذلك في الخارج منها أظهر من وجوده في الخارج من الحمام.
-
فأما ما ليس مبنيًّا للحاجة، وإنما هو موضع يُقصَد لذلك، كما في البرِّ والقرى، ومنه ما قد اعتيد لذلك، ومنه ما قد فُعِل ذلك فيه مرَّةً أو مرتَين [ص ١٦٥] فينبغي أن يكون من الحشوش أيضًا، فإنَّ الحُشَّ في الأصل هو البستان، وإنما كَنوا عن موضع التغوُّط به، لأنهم كانوا ينتابونها للحاجة، ولأن العرب لم يكونوا يتخذون الكُنُفَ قريبًا من بيوتهم، وإنما كانوا ينتابون الصحراء. فعُلِمَ أنَّ تلك الأمكنة داخلة في كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإذا طهر المكان وقطعت عنه هذه العادة لم يكن حُشًّا.
-
فصل
وأما أعطان الإبل، فالمنصوص عن أحمد أنها الأماكن التي تقيم بها الإبل وتأوي إليها (٣) .
- vol. 3, p. 476
ومن أصحابنا من قال: هي المواضع التي تصدر إليها بعد أن ترد الماء. وذلك أن الإبل بعد أن ترِد الماءَ، فإنها تُناخُ بمكان، لتُسقَى بعد ذلك عَلَلًا بعد نهَلٍ، فإذا استوفت رُدَّتْ إلى المراعي.
-
وعبارة بعضهم أنه المواضع التي بقرب النهر، فتُناخ فيه الإبلُ حتَّى ترِد الماءَ. فجعلها مناخها قبل الورود.
-
والعبارة الأولى أجود، لأنَّ هذا تفسير أهل اللغة. قالوا: أعطان الإبل: مَبارِكها عند الماء لتشرب عَللًا بعد نهَل. يقال: عطَنت الإبل تعطُن وتعطِن إذا رَوِيت، ثم برَكت (١) ، فهي إبل عاطنة وعواطن. وقد ضربَتْ بعَطَن، أي بركت (٢) .
-
ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر رؤياه: «ثم أخذها ابن الخطَّاب، فاستحالت غَرْبًا. لم أر عبقريًّا من الناس يَفْري فَرْيَه، حتَّى ضرب الناسُ بعَطَن» (٣) . كأنهم امتلؤوا من تلك البئر، ثم صدروا رِواءً كهيئة الإبل إذا رَوِيت. ومنه: إسقاءٌ رَواءٌ (٤) . [و] (٥) قولهم (٦) : فلان واسع العطن والبلد. وأعطنَ الرجلُ
vol. 3, p. 477بعيرَه إذا لم يشرب، فردَّه إلى العطَنِ ينتظر به. قال لبيد:
عافتا الماءَ فلم نُعطِنهما ... إنما يُعطِن مَن يرجو العَلَلْ (١)
-
وتوسَّعوا في ذلك حتَّى قالوا لمرابض الغنم حول الماء: معاطن.
-
والصواب أنَّ الأماكن التي تقيم بها مراد من الحديث (٢) كما نصَّ أحمد؛ لأنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ السائل قال: أنُصلِّي في مبارك الإبل؟ (٣) قال: والمبارك: التي يكثر بروكُها فيها. والمواضع التي تقيم بها أولى بهذ الاسم من مصادرها. ولأنه قابَلَ بين مَعاطن الإبل ومُراح الغنم ومَرابضها، فعُلِمَ أن المعاطن للإبل بمثابة المُراح والمرابض للغنم. ومُراح [الغنم] (٤) : ما تقيم فيه وتأوي إليه، فكذلك معاطن الإبل.
-
ولأنه إذا نُهي عن الصلاة في المواضع التي تقيم بها ساعةً أو ساعتين، فالمواضعُ التي تبيت بها وتأوي إليها أولى بهذا الحكم. فإما أن يكون الحكم أريد في مبيتها بطريق الفحوى والتنبيه [ص ١٦٦] أو يكونوا قد توسَّعوا في العطَن حتى جعلوه اسمًا لكلِّ مأوى لها، كما توسَّعوا فيه حتى جعلوا للغنم أعطانًا وللناس أعطانًا. فإذا قلنا: إنه لا تجوز الصلاة فيما تقيم فيه وتأوي إليه كما نصَّ عليه جازت في مصادرها عند الشرب، فيما ذكره من رجَّح هذا القول من أصحابنا.
- vol. 3, p. 478
والصحيح: أنَّ المعاطن تعُمُّ هذا كلَّه على ظاهر كلام أحمد، فإنه قال: هي الأماكن التي تقيم بها وتأوي إليها، وعلى هذا، فسواءٌ أوت بالليل أو النهار. وهذا لأنَّ لفظ المعاطن والمبارك يعمُّ هذا كلَّه كما تقدَّم، فلا وجه لإخراج شيء منه من الحديث. وهذا لأنَّ اللفظ إذا توسَّع أهلُ العُرف فيه حتى صار معناه عندهم أعمَّ من معناه في اللغة لم يخرج ذلك المعنى اللغوي عن اللفظ، بل يصير بعضه. ولأنه مكان تعتاده الإبل وتأوي إليه، فأشبه مبيتَها، وهذا لأنَّ العطن الذي يكون عند البئر أو الحوض أو النهر قد أعِدَّ لمقام الإبل وبُروكها فيها، فكان من مبركها، كما لو أُعِدَّ لمقامها فيه نهارًا دون الليل.
قال أصحابنا: ولا فرق بين أن تكون الإبل في المعاطن أو لا تكون، ولا فرق بين أن تكون قائمةً حال الصلاة أو غيرَ قائمة، لأن النهي تناول الموضع.
وقال ابن حامد والقاضي وسائر أصحابنا: فأما مكانُ نزولها في سيرها، أو مكانُ مقامها لِتتنقل عنها، أو مكانُ علفها أو ورودها لتسقى الماء= فالصلاةُ فيه جائزة، لأنه لا يسمَّى عطنًا. وقد قال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن موضع فيه أبعار الإبل، نُصلِّي فيه؟ فرخَّصَ، ثم قال: إذا لم يكن من معاطن الإبل التي نُهِي عن الصلاة فيها، التي تأوي إليها الإبل (١) .
-
وذلك لأنَّ هذه الاماكن ليست مُعَدَّة لمقام الإبل، وإنما مقامها فيه عارض، فلا يتناولها النهيُ لفظًا ولا معنًى. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما كانوا يرتحلون في أسفارهم في الحجِّ والعمرة والغزو وغير ذلك على
vol. 3, p. 479الإبل، ومع هذا فكانوا يصلُّون في مناخ إبلهم، وكانوا يصلُّون عليها وإليها، وهذا ظاهر مشهور في سِيَرهم. ولأنَّ تلك الأمكنة ليست أخصَّ بالإبل من الناس الذين نزلوا بها. والكراهة إنما نشأت لسبب في المكان الذي انفردت به، أو غلبت عليه، والله أعلم.
-
فصل
وأمَّا المجزرة، فقال أصحابنا: هي الموضع الذي يُذبَح فيه الحيوان معروفًا بذلك للقصَّابين والشوَّائين (١) ونحوهم. ولا فرق بين أن يكون الموضع نظيفا من الدماء والأرواث [ص ١٦٧] أو غير نظيف، لأنَّ النهي تناول الموضع، والعلَّةُ كونه مظِنَّةَ النجاسة ومحلًّا للشياطين، وهذا عامٌّ. وهذا هو المشهور، وعلى الوجه الذي يعلَّل الحكمُ فيه بحقيقة النجاسة، تجوز الصلاة في الموضع الذي تُيُقِّنت طهارته.
-
وأما المزبلة، فقالوا: هو الموضع الذي تُجمَع فيه الزُّبالة، مثل المواضع التي في الطرقات ونحوها. ولا فرق بين أن يكون عليها نجاسة من الزبالة أو تكون طاهرة.
-
ولفظ بعضهم: لا فرق بين أن يُرمَى فيها زبالة طاهرة أو نجسة. وهذا لأنَّ المكان مُعَدٌّ لإلقاء الزبالات النجسة والطاهرة، فخلوُّه بعضَ الأوقات عن النجاسة لا يمنعه أن يكون معدًّا لها، كالحمَّام الذي غُسِلت أرضه. وإذا كان معدًّا لها تناوله النهيُ لفظًا ومعنًى. ومن علَّل بوجود النجاسة فإنه يجوِّزه إذا تُيقِّنت طهارة المزبلة.
- vol. 3, p. 480
فصل
وأما قارعة الطريق، فقال أصحابنا: هي الجادَّة التي قد صارت محَجَّةً، وسواءٌ في ذلك طريق الحاضر والمسافر. فطريقُ الحاضر مثل الشوارع المستطرَقة بين الدُّروب والأسواق، وطريقُ المسافر هي الجادَّة التي قد صارت محجَّةً. سمِّيت جادَّةً من قولهم: أرض جَدَد، وهي الصلبة. وفي المثل: مَن سلَك الجدَدَ أمِنَ العِثارَ. وأجَدَّ الطريقُ صار جَدَدًا (١) . فالجادَّة هي الطريق التي اشتدَّت وصَلُبت بوطء الناس والدوابِّ. وتسمَّى «قارعة» لكثرة قرع الأرجل لها. فإما أن تكون سمِّيت بذلك لأنها تقرَع الأرجلَ إذا قرعتها الأرجلُ، أو يكون المعنى ذات قرع، أو فاعلة بمعنى مفعولة.
-
والمحجَّة: هي الجادَّة، سُميَّت بذلك لأنَّ الحجَّ هو القصد، والطريق هي موضع قصد الناس إلى حوائجهم.
قال أصحابنا (٢) : وقارعة الطريق هي التي تسلكها السابلة والمارَّة. وليس المراد بذلك كلَّ ما سُلِك؛ لأنَّ المواضع لا تخلو من المشي عليها في الجملة. قالوا: ولا بأس بالصلاة فيما خرج عن قارعة الطريق يَمْنةً ويَسْرةً، لأن النهي إنما ورد عن الصلاة في محجَّة الطريق وفي جوادِّ الطريق. والمحجَّة: الوسط. والجوادُّ: ما صلُب بالمشي.
-
ومنهم من رخَّص الرخصة بجوانب طرقات المسافرين، لأنَّ أحمد إنما نصَّ على ذلك. قال بعضهم: ولا بأس بالصلاة في الطرقات التي يقِلُّ
vol. 3, p. 481سالكوها، كطريق الأبيات اليسيرة. وبكلِّ حال فيجوز أن يصلَّى في الطرقات: التي يكثر لها الجمع، كالجُمَع والأعياد والجنائز؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك (١) .
-
الفصل السادس
في عُلو هذه الأمكنة وسطوحها
قال كثير من أصحابنا، منهم القاضي وأكثر أصحابه كالآمدي [ص ١٦٨] وابن عقيل وغيرهم: لا فرق في الحمام والحُشِّ وأعطان الإبل بين سُفْلِها وعُلْوِها، لأنَّ الاسم يتناول الجميع، والحكم معلَّق بالاسم (٢) . قال الآمدي وابن عقيل: عُلْوُ المجزرة كسُفْلِها. ولم يذكره القاضي في المواضع المنهيِّ عنها، ولم يعدَّها ولا في المنهيِّ عنه عُلْوَ المزبلة.
-
ومن أصحابنا طائفة طردوا الحكمَ في عُلْوِ جميع المواضع المنهيِّ عنها على طريقة هؤلاء، لأنهم منعوا من الصلاة في عُلْوِ الأتُّون مع تعليله بأنه مزبلة. قالوا: ويدخل في كلِّ موضع منها ما يدخل فيه مطلقُ البيع والهبة من حقوق، من سفله وعلوه، اعتبارًا بما يقع عليها الاسم عند الاطلاق. ولأنَّ الحكم تعبُّد، فيناط بما يدخل في الاسم.
-
والفرق بين علو المزبلة وغيرها ــ على ما ذكره الأولون ــ: أنَّ عُلْوَ المزبلة لا يسمَّى مزبلةً، لأنَّ المزبلة: المكانُ المُعَدُّ لوضع الزبالة في الطريق ونحوه. ومعلوم أنَّ عُلْوَ تلك البقعة لا يسمَّى مزبلة، بخلاف الأعطان
vol. 3, p. 482والحشوش والمجازر فإنها أبنية تُبنَى لشيء يُقصَد سترهُ، ويُجعَل سقفُه تابعًا لقراره، فيتناوله الاسم.
-
وأمَّا أبو الخطاب (١) ، فلم يمنع من هذه السطوح إلا من سطح الحُشِّ والحمَّام خاصَّةً. وهذا أجود مما قبله، لأنَّ الحُشَّ والحمَّام اسم لبناء على هيئة مخصوصة، لا تُتَّخَذ إلا لِما بني له، حتَّى لو أُريد لاتخاذه لغير ذلك لَغُيِّر عن صورته، فكان الاسم متناولًا لجميعه، وهو كان (٢) قد أُعِدِّ (٣) لشيء واحد، بخلاف العطَن فإنه اسم لما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، لا يختص ببناء دون بناء، حتَّى لو اتُّخِذَ عطنُها مُراحًا للغنم جازت الصلاة فيه، مع أنَّ صورته باقية. وعُلْوُ العطَن ليس متَّخذًا للإبل ولا مبنيًّا لذلك بناءً يخُصُّه، فلا يلحق به.
-
وكذلك المجزرة والمزبلة، إنما (٤) تصير مجزرة ومزبلةً بالفعل فيها، لا بنفس بنائها. فليس العُلْو تابعًا للسُّفْل في الفعل، ولا في البناء المختصِّ بذلك.
-
ومن أصحابنا من قال بجواز الصلاة على عُلْوِ جميع هذه المواضع. وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ لأنَّ ما فوق سقف الحُشِّ والحمّام قد لا يدخل في النهي لفظًا ولا معنًى؛ لأنَّ الاسم قد لا يتناوله. فإنه لو حلف: لا
vol. 3, p. 483يدخل حُشًّا ولا حمَّاما لم يحنَث بصعود على سطح حُشِّ أو حمام، بخلاف من حلف لا يدخل دارًا، لأن الحُشَّ والحمّام ونحوهما أسماء لأماكن معدَّة لأمور معلومة، وظهورُها ليست من ذلك في شيء. وكونُها مظِنَّة النجاسة أو مظِنَّة الشياطين لا يتعدَّى إلى ظهورها. والهواء تبعٌ للقرار في الملك [ص ١٦٩] ونحوه. أمَّا أنَّه يتبعه في كلِّ شيء، فليس كذلك، فإنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ هواء المزبلة ليس مزبلة، وهواء الحُشِّ الذي فوق سطحه ليس حُشًّا.
-
فأمَّا إن كان العُلو قد اتُّخذ لشيء آخر بحيث لا يتبع السُّفلَ في الاسم، فإنه تصح الصلاة فيه. قال أحمد في رواية أبي داود: إذا بنى رجلٌ مسجدًا، فأراد غيرُه هدمه وبناءه، فأبى عليه الأول، فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم. إذا أحبُّوا هدمَه وبناه. وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد، ويعمل في أسفله سقاية، فمنعهم من ذلك مشايخ ضَعفى، وقالوا: لا نقدر نصعد. فإنه يرفع، ويجعل سقاية. لا أعلم بذلك بأسًا. وينظر إلى قول أكثرهم (١) . فقد نصَّ على بناء المسجد على ظهر السقاية.
-
[و] (٢) قال في رواية حنبل: لا ينتفع بسطح المسجد، فإن جُعل السطح مسجدًا انتفع بأسفله، وإن جُعل أسفله مسجدًا لا ينتفع بسطحه. وكذلك قال القاضي وغيره.
-
فإن كانت المساجد مغلقةً (٣) على حوانيت أو سِقايات فالصلاة فيها جائزة؛ لأنَّ ما تحتها ليس بطريق. وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب
vol. 3, p. 484- رحمه الله - (١) : إن كان المسجد سابقًا، وجُعِل تحته (٢) طريقٌ أو عطَنٌ أو غيرُهما من مواضع النهي، أو كان في غير مقبرة، فحدثت المقبرة حوله= لم يمنع بغير خلاف، لأنه لم يتبع ما حدث بعده. وهذا يقتضي أنه جعل من صور الخلاف ما إذا أُحدِث المسجدُ على عطَن ونحوه من أمكنة النهي.
-
والذي صرَّح به الأصحاب هو ما ذكرناه، وهو منصوص أحمد. والفقه فيه ظاهر، فإنَّ العُلْو إذا اتُّخِذ لشيء آخر غير ما اتُّخِذ السُّفل له لم يكن أحدهما بأن يُجعل تابعًا للآخر بأولى من العكس. وإنما يُجعل تابعًا له عند الإطلاق. ألا ترى أنه لو قال: بعتُك هذا الحُشَّ وفوقه مسكن أو مسجد لم يدخل في مطلق البيع، بخلاف ما لو كان ظهره خاليًا. ولأنَّ الهواء إنما يتبع القرارَ في العقود عند الإطلاق، فإذا قُيِّد العقدُ بأن قيل: بعتُك التحتاني فقط، لم يدخل. واتخاذُ العلو لأمرٍ آخرَ غيرِ ما اتَّخذ له السفل بمنزلة إخراجه عن كونه تابعًا له في القول، وتقييدٌ له بصيغة توجب الانفراد. ولو حلف: لا يدخل حُشًّا أو عطَنَ إبل أو مزبلةً أو حمَّامًا، فدخل مسجدًا مبنيًّا على ظهور هذه الأشياء لم يجُز أن يقال: إنه يحنث في يمينه.
-
فصل
وأمَّا عُلْوُ المقبرة، فإن كان قد بني على المقابر بناءً منهيًّا (٣) عنه كالمسجد، أو بناءً في المقبرة المسبَّلة، كانت الصلاةُ عليه صلاةً في موضع
vol. 3, p. 485محرَّم. أما البناء [ص ١٧٠] في المقبرة المسبَّلة، فإنَّ الصلاة عليه صلاةٌ على مكان مغصوب. والصلاة في علو المسجد صلاة في مسجد في القبور. وأيضًا فإنَّ الصلاة على ظهر البناء المذكور اتخاذٌ للقبور مساجد، ودخول في لعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ الكتاب عليه، فانهم لما اتخذوا الأبنية على قبور أنبيائهم وصالحيهم لُعِنوا على ذلك، سواء صلَّوا في قرار المبنى أو علوه.
-
وان كان الميت قد دُفن في دارٍ، وأعلاها باقٍ على الإعداد للسكنى، فعلى ما ذكره أصحابنا تجوز الصلاة فيه، لأنَّ ذلك ليس من المقبرة أصلًا ولا تبعًا، إلا أن نقول بإلحاق العلو بالسفل مطلقًا، على الوجه الذي تقدَّم في علو العطَن والحُشَّ إذا كان مسجدًا.
-
وإن لم يبق مُعَدًّا للسكنى ونحوها، فهو كما لو دُفن في أرض مملوكة، ثم بُني عليه بناء لم يُعَدَّ للسكنى. فعلى ما دلَّ عليه كلام أحمد وأكثر أصحابه، لا يصلَّى فيه لأنَّ هذا البناء منهيٌّ عنه، وهو تابع للقرار في الاسم، فيقال هذه التربة وهذه المقبرة للعلو والسفل. ولأنَّ الصلاة في علو هذا المكان بالنسبة للمِّيت كالصلاة في أسفله. ولأنَّ حكمة النهي عن الصلاة عند القبر هو ما فيه من التشبُّهِ بعبادة الأوثان، والتعظيمِ المفضي إلى اتخاذ القبور أوثانًا؛ وهذه الحكمة موجودة بالصلاة في قرار الأبنية وعلوها، سواء قصد المصلِّي ذلك، أو تشبَّه بمن يقصد ذلك؛ وخيف أن يكون ذلك ذريعة إلى ذلك. ومن أجاز هذا البناء من أصحابنا ولم يجعل العلو تابعًا للقرار، فإنه يلزمه أن يجوِّز الصلاة فيه.
- vol. 3, p. 486
فصل
وأمَّا عُلْوُ الطريق مثل السوابيط (١) والأجنحة، سواء كانت مساجد أو مساكن، فالمشهور عنه: أنه لا يصلَّى على المساجد المحدَثة على الطرقات والأنهار التي تجري فيها السفن. وقال في رواية عبد الله وجعفر بن محمد: أكره الصلاة على نهر وعلى ساباط (٢) . وقد ذكر أحمد ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وعلَّل ذلك في غير موضع بأنه لا يجوز إحداثه، وأنه في حكم الغصب. وكذلك علَّله القاضي وكثير من أصحابه وغيرهم. ولهذا خصُّوا هذا بالساباط المحدث. قالوا: فإن كان الطريق محدثًا بعد ما بنى المسجد، مثل أن بنى على ملكه مسجدًا، فأُحدِث تحته بعد ذلك طريق يمرُّ الناس فيه، فلا كراهة فيه؛ لأنَّ أحمد إنما كره الصلاة على اتخاذه. هذا لفظ القاضي. قال: وقد تتوجَّه الكراهة أيضًا. وهذا الوجه هو مقتضى ما ذكره الآمدي وابن عقيل، فإنهما عمَّما المنعَ، وعلَّلا ذلك بأن الهواء تابع للقرار بدليل أن سطح المسجد يتبعه في أحكامه. وكذلك سطح الدار، فعلى هذا كلُّ طريق لا يصلَّى فيه [ص ١٧١] لا يصلَّى في سقفه. وأما حكاية هذا عن القاضي فلا يصحّ.
-
والأول هو المذهب المنصوص، لأنَّ السَّاباط والجناح المبنيَّ على الطريق ليس داخلًا في اسم الطريق. وإنما الذي يتبع الطريق الهواء الذي بُني فيه، بخلاف سائر السقوف فإنها قد تتبع ما تحتها في الاسم، كما تقدَّم. وإذا
vol. 3, p. 487لم يكن البناء تابعًا فالهواء أيضًا ليس بطريق، وإنما هو من حقوق الطريق. ولا يلزم أن يكون حكم حقِّه كحكم نفسه في كلِّ شيء. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّل النهي عن الصلاة في الجوادِّ بأنها مأوى الحيَّات والسِّباع، وهذا مفقود في العلو. ولأنَّ الصلاة على يَمنة الطريق ويَسرته تجوز لكونها ليست من الجوادِّ والمحجَّة، فالعلو أبعَد عن الجادَّة والمحجَّة من ميمنتها وميسرتها. ولو كان غصبُ الميمنة والميسرة لا يجوز، ولو صلَّى فيها وهو غاصب لها لم تصحَّ صلاته.
-
ولأنَّ العُلْوَ إنما يتبع القرارَ في حكمه إذا لم يميَّز عن السُّفل، بل يُجعَل سقفًا له فقط. فأمَّا إذا أُعِدَّ لشيء غير ما أُعِدَّ له السُّفل لم يكن طريقًا البتَّة كالمسكن والمسجد المبنيِّ على ظهر السِّقاية ونحوها، فإنه ليس بسقاية. ولأنَّ الصلاة في السفينة [و] (١) على الراحلة تجوز في الجملة مع مسيرها في الطريق، فالصلاةُ على سقف الطريق أولى أن لا يكون صلاةً في الطريق، وأولى بالجواز.
قال بعض أصحابنا: ولأنه لو كان [علَّةُ] (٢) المنع في علو الطريق كونه تبعًا له لجازت الصلاة في الساباط على النهر، لأنه موضع للصلاة في الجملة، بدليل ما لو جمد ماؤه أو كان في سفينة. وهذا ضعيف، لأنه إذا جمد لم يبق طريقًا للسفن، فإن مرَّ الناس فيه واتخذوه طريقًا لم تجُز الصلاة فيه. وأما الصلاة في السفينة، فهي كالصلاة على الراحلة، تجوز مع مسيرها في الطريق. فثبت أنَّ علَّة المنع أنه بناءٌ في هواء الطريق، وهذا غير جائز؛ لما
vol. 3, p. 488سنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه؛ فيكون كما لو بنى جناحًا أو ساباطًا في ملك غيره، فإنه يكون غاصبًا بذلك، وتكون الصلاة فيه صلاةً في مكان مغصوب.
-
فعلى هذا إن كان الساباط جائزًا مثل الساباط المبنيِّ على درب غير نافذ بإذن أهله، فإنه جائز بلا تردد. وكذلك إن كان الساباط لا يضرُّ بالمارَّة، وقد أذن فيه الإمام، فإنه جائز فيما ذكره أصحابنا. وإن كان بدون إذن الامام لم يجز في المشهور. وحكي رواية أخرى بالجواز. فأما ما يضرُّ بالمارَّة فإنه ممنوع رواية واحدة.
-
وأما المسجد المبني في الطريق، فإن كان يضيِّق الطريق لم يجُز، لأنه غصبٌ للطريق. وإن كان الطريق واسعًا بحيث لا يضرُّ المارَّة بناؤه فيه، فعنه: يجوز. [ص ١٧٢] وعنه: لا يجوز.