مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)

297 paragraphs · vol. 3, p. 432

Page 5 of 8

  1. وعنه: إنما يجوز بإذن الإمام خاصَّةً. فإذا جاز إحداثه في جانب الطريق، فإحداثه في هوائه إذا لم يكن فيه ضرر أولى بالجواز. ولهذا لا يجوز لأحد أن يبني في جانب الطريق الواسع لنفسه بناءً، وإن جاز أن يبني فيه مسجدًا للناس. وقد يجوز أن يبني لنفسه ساباطًا إذا أذن فيه الإمام.

    vol. 3, p. 488
  2. وقد روى محمد بن ماهان السِّمسار (١) عن أحمد أنه تجوز الصلاة في الساباط المحدَث على الطريق، دون الساباط المحدَث على النهر. فعلَّله بعضُ أصحابنا بأن الطريق محلٌّ للصلاة في الجملة إذا اتصلت الصفوف في

    vol. 3, p. 489الجُمَع والأعياد، بخلاف النهر الكبير. ويحتمل أن تكون علَّته أنَّ في اتخاذ الساباط على الطريق منفعةً لأبناء السبيل، لأنه يسترهم من الحرِّ والمطر والثلج، بخلاف الساباط على النهر فإنه لا منفعة فيه لأحد.

  3. فصل

    وأما الصلاة إلى هذه المواضع، فقد نصَّ أحمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحُشِّ والحمام. قال في رواية الأثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا تصلَّى فيه الفريضة. وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخَّص أن يصلَّى فيه على الجنائز، ولا يصلَّى فيه على غير الجنائز. وذكر حديث أبي مرثَد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصلُّوا إلى القبور» (١) وقال: إسناده جيد.

  4. وقال في رواية الميموني، وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحُشِّ: نكرهه (٢) .

  5. وقال في رواية أبي طالب، وقد سئل عن الصلاة إلى (٣) المقبرة والحمام والحُشِّ، فكرهه (٤) ، وقال: لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حُشٌّ ولا حمام، وإن كان يجزئه ولكن لا ينبغي.

    قال أبو بكر في «الشافي» : يتوجَّه في الإعادة قولان:

    أحدهما: لا يعيد، بل يُكَره. وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب، وهو اختيار القاضي.

  6. والثاني: يعيد لموضع النهي. قال أبو بكر: وبه أقول (١) . قال ابن عقيل: نصَّ أحمد على حُشٍّ في قبلة مسجد، لا تصح الصلاة فيه. وكذلك قال ابن حامد: لا تصح الصلاة إلى (٢) المقبرة والحُشِّ. ولم يذكر الحمام. وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي: لا تجوز الصلاة إلى القبر. وصرَّح جماعة منهم بأن التحريم والإبطال مختصٌّ بالقبر، وإنما كُرهت الصلاة إلى هذه الأشياء لما تقدَّم عن أبي مرثَد الغنوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصلُّوا إلى القبور» (٣) . وكذلك حديث عمر وغيره في النهي عن الصلاة إلى القبر (٤) .

    vol. 3, p. 490
  7. وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يكره الصلاة في [ص ١٧٣] مسجدٍ قُبالتُه نَتْنٌ أو قذَر. رواه البخاري في «تاريخه» (٥) .

  8. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: تُكرهَ الصلاة إلى حُشٍّ. رواه سعيد (٦) .

  9. وعن إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون ثلاثة أبيات أن يكون قبلة: الحمَّام، والحُشُّ، والقبر. رواه حرب (٧) .

  10. وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقًا من غير كراهة. وهو قول ضعيف جدًّا لا يليق بالمذهب.

    vol. 3, p. 491
  11. ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصّةً، لأن النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما صحَّ في الصلاة إلى القبور كما تقدَّم، ولأنها هي التي يخاف أن تُتخذ أوثانًا، فالصلاة إليها شبيهة بالصلاة بين يدي صنم، وذلك أعظم من الصلاة بينها. ولهذا كانوا يكرهون من الصلاة إلى القبر ما لا يكرهونه من الصلاة إلى المقبرة. وهذا (١) حجة من رأى التحريم والإبطال مختصًّا بالصلاة إلى القبر، وإن كره الصلاة إلى تلك الأشياء. وهو قول قويٌّ جدًّا، وقد قاله كثير من أصحابنا.

  12. ووجه الكراهة في الجميع ما تقدَّم عن الصحابة والتابعين من غير خلافٍ علمناه بينهم. ولأنَّ القبور قد اتُّخذت أوثانًا، وعُبِدت، فالصلاةُ إليها تشبه (٢) الصلاة إلى الأوثان. وذلك حرام وإن لم يقصده المرء. ولهذا لو سجد إلى صنم بين يديه لم يجُز ذلك.

  13. والحُشُّ والحمَّامُ موضعُ الشياطين ومستقرُّهم. وقد أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالدنوِّ إلى السُّترة خشيةَ أن يقطع الشيطان على المصلِّي صلاته (٣) ، وقال: «تفلَّتَ عليَّ البارحةَ شيطانٌ، فأراد أن يقطع عليَّ صلاتي» (٤) وقال: «الكلب

    vol. 3, p. 492الأسود يقطع الصلاة» (١) ووجَّه ذلك بأنه شيطان. فتبيَّن (٢) بذلك أنَّ مرورَ الشيطان بين يدي المصلِّي يقدح في صلاته، فالصلاة إلى مستقرِّه ومكانه مظِنّة مروره بين يدي المصلِّي. ولأنَّ الصلاة إلى الشيء استقبال له، وتوجُّه إليه، وجعلٌ له قبلةً؛ فإنَّ ما يستقبله المصلِّي قبلةٌ له، كما أنَّ البيت قبلة له. يبيِّن هذا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النُّخامة في القبلة (٣) . والاستقبالُ داخل في حدود الصلاة. ولهذا أُمِرنا أن نستقبل في صلاتنا أشرفَ البقاع وأحبَّها إلى الله، وهو بيته العتيق. فينبغي للمصلِّي أن يتجنَّب استقبال الأمكنة الخبيثة والمواضع الرديئة. ألا ترى أنَّا نُهينا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فكيف إذا كان البول والغائط والشياطين ومواضع ذلك في القبلة وقت الصلاة؟

    قال القاضي: ولأنَّ القبر والحُشَّ مدفن النجاسة، وقد بينَّا كراهة الصلاة إلى النجاسة.

    قال: [ص ١٧٤] ويكره الصلاة إلى قوم من أهل الذمة. نصَّ عليه في رواية عبد الله (٤) في ملَّاحين مَجوس يكونون بين يدي القوم في السفينة وهم يصلُّون (٥) : ينحُّونهم (٦) ويصلُّون. وقال في رواية أبي طالب: هو نجس،

    vol. 3, p. 493وكرهه. قال: وإنما كره ذلك لأن من الناس من يقول: إنهم أنجاس. وقد كُره للانسان أن يصلِّي مستقبلًا لنجاسة، لأنَّ قبلته جهة رحمته. ولهذا منع القاضي أن يستقبل القبلة بغائط أو بول، فأولى أن يكره للمصلِّي ذلك.

    وقال غير القاضي: لا تُكرَه (١) الصلاة إلى شيء من النجاسات.

  14. ولا فرق عند عامَّة أصحابنا بين أن يكون الحُشُّ في ظاهر جدار المسجد أو في باطنه. واختار ابن عقيل أنه إذا كان بين المصلِّي وبين الحشِّ ونحوه حائل مثل جدار المسجد لم يُكرَه، كما لو كان بينه وبين المارِّ حائل.

  15. والأول هو المأثور عن السلف، وهو المنصوص، حتَّى قال في رواية أبي طالب في رجل حفَر كنيفًا إلى قبلة المسجد: يُهدَم. وقال في رواية المرُّوذي في كنيف خلف قبلة المسجد: لا يصلَّى إليه. وقيل له: إنَّ الدار لأيتام، والحائط لهم، ترى أن يضرب على الحائط ساج أو شيء؟ قال: إن كان وصيًّا غيَّر الكنيفَ أو حوَّلَه. وإن كانوا (٢) صغارًا لم يرخّص لهم أن يضربوا عليه الساج. وقال: يعجبني أن يكون بينهما أذرع. فقيل له: يضيق المسجد. فقال: وإن ضاق. قال القاضي: فقد نصَّ على إزالة الحُشِّ من ظهر القبلة، وبيَّن أنه إذا جُعل بينه وبين المسجد حائل بالساج لا يزيل الكراهة حتى يفصل بين الحُشِّ وبين قبلة المسجد. قال ابن حامد وغيره: ومتى كان بين الحُشِّ وبين حائط المسجد حائط آخر جازت الصلاة إليه.

  16. فأما المقبرة إذا كانت قُدَّامَ حائط المسجد، فقال الآمدي وغيره: لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة، حتَّى يكون بين حائطه

    vol. 3, p. 494وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص أحمد لقوله المتقدِّم في رواية الأثرم.

    وقال القاضي: إذا لم يكن ــ يعني المصلِّي ــ في أرض المقبرة، بل كانت المقبرة أمامه، فقال شيخنا: إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة، لأنه ليس يصلِّي فيها ولا إليها. وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجُز الصلاة، كما لو كان في أرضها. فإن كان بينه وبين هذه الأشياء عدَّة أذرع لم تكره الصلاة، على ما نصَّ عليه في رواية المرُّوذي.

  17. فصل

    وأما الصلاة في سائر المواضع المنهي عنها، فقال القاضي: تكره الصلاة إليها، كما تكره إلى هذه المواضع. فتكره الصلاة إلى الطريق [ص ١٧٥] وأعطان الإبل والمجزرة، لأنَّ النصَّ على واحد منها تنبيهٌ على غيرها، ولأنَّها مظانُّ النجاسات.

    وقال كثير من أصحابنا: لا تكره الصلاة إلى بقية المواضع. وهذا هو المنصوص عن أحمد في بعضها. قال في رواية ابن هانئ ــ وقد سئل عن الصلاة إلى شطِّ النهر، والطريقُ أمامه ــ: أرجو أن لا يكون به بأس، ولكن طريق مكة يعجبني أن يتنحَّى عنه (١) . ونحو ذلك نقل المرُّوذي. وذلك لأنَّ الأثر لم يرِد بذلك، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان تُنصَب له العنزةُ، فيصلِّي إليها، والناس يمرُّون بين يديه (٢) . وقال: «إذا صلَّى أحدكم فليجعل بين يديه مثل

    vol. 3, p. 495آخرة الرَّحل، ثم لا يضرُّه ما مرَّ أمامه» (١) . ولم يفرِّق بين الطريق وغيرها، مع العِلم بأنَّ المرور أكثر ما يكون في الطرقات.

  18. وهذه المسائل وما يشبهها تُناسِب بابَ القبلة والسُّترة، وإنما هذا استطراد.

  19. فصل

    وأما الصلاة في الكعبة، فالنفلُ فيها أخفُّ من الفرض. فإذا صلَّى النافلة في جوف الكعبة صحَّت صلاته. هذا هو المعروف والمشهور عن أحمد وأصحابه.

  20. وحُكي عنه رواية أنه لا يصحُّ النفل فيها. وحكي عنه أنه يصحُّ ولا يستحَبُّ، لما سيأتي في الفرض.

  21. ووجه المذهب: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أحِبُّ أن أدخل البيت، فأصلِّي (٢) فيه. فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي، فأدخلني الحِجْرَ، فقال: «صَلِّي في الحِجْر إذا أردتِ دخولَ البيت، فإنما هو قطعة من البيت» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٣) ، وصححه الترمذي.

  22. وعن عثمان بن طلحة - رضي الله عنه - قال: قال لي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي كنتُ رأيتُ قرنَي الكبش حين دخلتُ البيتَ، فنسيتُ أن آمرك أن تخمِّرهما، فخَمِّرهما،

    vol. 3, p. 496فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يُلهي المصلِّي» رواه أحمد وأبو داود (١) .

  23. وعن سالم عن أبيه قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم. فلما فتحوا كنتُ أول من ولَج، فلقيتُ بلالًا، فسألته: هل صلَّى فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: نعم بين العمودين اليمانيين. متفق عليه (٢) .

  24. وفي رواية للبخاري (٣) عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل الكعبة جعل الباب قِبلَ ظهره، ومشى، حتَّى إذا كان بينه وبين الجدار الذي قِبلَ وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلَّى؛ يتوخَّى المكان الذي أخبره بلال أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى فيه.

  25. وفي رواية لأحمد والبخاري (٤) أنه قال لبلال: هل صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة؟ قال: نعم، بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلتَ. ثم خرج [ص ١٧٦] فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين.

  26. وفي رواية متفق عليها (٥) : قال: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمِدة. ثم صلَّى.

  27. وفي رواية متفق عليها (١) : ونسيتُ أن أسأله كم صلَّى؟ وهي أصح، فلعلَّ ابن عمر فيما بعد علِمَ أنه صلَّى ركعتين.

    vol. 3, p. 497
  28. وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل الكعبة؟ قال: صلَّى ركعتين. رواه أبو داود (٢) .

  29. وعن ابن عمر وأبي جعفر عن أسامة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في الكعبة. رواه أحمد (٣) .

  30. وعن عثمان بن طلحة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في البيت ركعتين، وُجاهَك حين (٤) تدخل، بين الساريتين. رواه أحمد (٥) .

  31. فقد أمَر - صلى الله عليه وسلم - عائشة بالصلاة في البيت (١) ، وصلَّى هو في البيت (٢) ، وأمر بصَون البيت عما يُلهي المصلِّي فيه (٣) . فعُلِم أنَّ الصلاة فيه جائزة، وأنه موضع للصلاة. وقوله في الحديث الماضي: «وظهر بيت الله الحرام» (٤) دليل على أنَّ (٥) باطنه ليس من مواضع النهي.

    vol. 3, p. 498
  32. فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما دخل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - البيتَ دعا في نواحيه كلِّها، ولم يصلِّ حتى خرج منه. متفق عليه (٦) . وفي رواية عن ابن عباس عن أسامة نحو ذلك، رواه أحمد ومسلم (٧) .

  33. قيل: أمَّا دخولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبةَ والصلاةُ فيها، فقد ثبت على وجه لا يمكن دفعه، وكان ذلك عامَ الفتح. قال ابن عمر: أقبل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، وهو مُردِف أسامة على القصواء، ومعه بلال وعثمان. وذكر الحديث. أخرجاه (٨) .

  34. وأما حديث ابن عباس، فربما ظنَّ أنه كان في حجَّة الوداع، وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينئذ لم يصلِّ فيها؛ إلا أنه قد روي فيه عن ابن عباس ما يدل على أنه أراد دخوله عامَ الفتح أيضًا.

    vol. 3, p. 499
  35. فإن لم يكن حديث ابن عمر وحديث ابن عباس في وقتين متغايرين وإلا (١) فحديث ابن عمر هو الصواب، لأنه مثبِت عن بلال شيئًا شاهدَه وعاينه، والمثبت أولى من النافي؛ ولأن ابن عباس لم يدخل معهم، بل كان إذ ذاك صغيرًا له نحو عشر سنين، وإنما روى الحديث عن أسامة، وقد روى غيره عن أسامة خلافه. فإن لم يكونا واقعتين، فلعل أسامة كان مشغولًا بدعاء وابتهال حين دخول البيت في بعض نواحيه، فلم ير النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي، لاسيَّما والباب موجَف عليهم. ثم لعله بعد ذلك أخبره أسامة [ص ١٧٧] أو عثمان أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى فيه.

  36. فصل

    ولا بدَّ أن يكون بين يديه شيء من الكعبة في حال قيامه وركوعه وسجوده. فلو سجد على منتهى السطح أو على عتبة الباب لم تصح صلاته، لأنه لم يستقبل شيئًا من القبلة، بل هو مصلٍّ إلى غير الكعبة. فإن كان الذي بين يديه ليس بشاخص، مثل أن يصلِّي إلي الباب وهو مفتوح وليست له عتبة شاخصة، أو يصلِّي على السطح ولا سترة أمامه، لم تصح صلاته في المنصوص من الوجهين.

    vol. 3, p. 500قال في رواية الأثرم: إذا صلَّى فوق الكعبة فلا تجوز صلاته. وقال في رواية ابن الحارث: لا يصلِّي فوق بيت الله الحرام. وقال في رواية الأثرم: أما فوق الكعبة فلم يختلفوا أنه لا يجوز. واحتجَّ بالحديث «لا قبلة له» . وهذا اختيار الآمدي وابن عقيل، وحكي ذلك عن القاضي وعامة أصحابنا.

  37. وفي الثاني: تصح. وهو اختيار جماعة من المتأخرين، وهو الذي ذكره القاضي في «المجرَّد» ، فإنه قال: تجوز الصلاة النافلة فيها إذا توجَّه إلى غير الباب، وإن توجَّه إلى الباب وهو مغلق أو مردود أجزأه. وإن كان مفتوحًا وكان بين يديه من عرصة البيت جاز، وإن لم يكن لم يجُز. قال: وإن انهدم البيت وبقيت العرصة، ولم يبق هناك منها شيء شاخص عن وجه الأرض، وصلَّى بناحية العرصة متوجِّهًا إليها= أجزأه. وإن وقف على العرصة لم تجزئه الفريضة. وإن كانت نافلةً، ولم يكن بين يديه شيء منها، كأن (١) وقف آخرها متوجهًا إلى غيرها، لم تُجزئه. وإن وقف على العرصة وبين يديه منها ما يتوجَّه إليه وسجد أجزأه.

    قال: ولا تجوز الفريضة على ظهر الكعبة. وتجوز صلاة النافلة إذا كان بين يديه شيء منها. فإن لم يكن بين يديه شيء منها كأن (٢) وقف على السطح بحيث لا يكون بين يديه شيء من أرض السطح لم يُجزئه، إلا أن يكون بين يديه شيء منصوب بناء أو خشبة مسمَّرة. فإن كان فوقه لبِن أو آجُرٌّ معبَّأ بعضه على بعض، أو خشبة معروضة غير مسمَّرة= لم تُجْزِئه؛ لأنه ليس من البيت، بدليل أنه لا يتبعه في البيع. وكذلك لو كان حبل ممدود.

  38. فهذا يبيِّن أن القاضي إنما اشترط البناء الشاخص في موضع لم يكن بين يديه شيء من العرصة، وأنَّ المشروط عنده أحد أمرين: شيء من أرض السطح أو البناء؛ كما أنه في الصلاة إلى الباب اعتبر أحد أمرين: إمَّا كون الباب سترةً له، أو كون شيء من العرصة بين يديه. وهذا إيضاح وتبيين؛ لأنه يلزم من كون الباب والسترة بين يديه أن يكون بين يديه شيء [ص ١٧٨] من العرصة.

    vol. 3, p. 501
  39. ووجه ذلك أنَّ الواجب استقبال هوائها دون بنائها، بدليل المصلِّي على أبي قبيس وغيره من الجبال العالية، فإنه إنما يستقبل الهواء لا البناء، بدليل ما لو انتقضت الكعبة ــ والعياذ بالله ــ فإنه يكفيه استقبال العرصة والهواء. فعلى هذا إذا صلَّى في الحِجْر وهو مستدبر البناء أو مستقبل الممرِّ، وقلنا: إن استقبال الحِجْر جائز، فيجب أن يجزئه. وفيه قبح.

  40. والأول أصحُّ؛ لما تقدَّم من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها» . وعَدَّ منها «فوق ظهر بيت الله» . وفي لفظ: «ظاهر بيت الله» (١) .