مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)
297 paragraphs · vol. 3, p. 432
Page 6 of 8
- vol. 3, p. 501
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة (٢) . ذكره القاضي.
-
فلو لم تجب الصلاة إلى شيء شاخص مرتفع لم يكن بين ظاهر بيت الله وباطنه فرق. بل هذا نصٌّ في منع الصلاة فوق ظهر بيت الله.
-
ولا يجوز أن يحمل على ما إذا سجد على منتهى الكعبة؛ لأن الحديث
vol. 3, p. 502عامٌّ في جميع المواضع التي فوق الظهر عمومًا مقصودًا، وهذه الصورة نادرة لا يجوز أن تُقصَد وحدها من مثل هذا العموم، من (١) غير قرينة يبين بها مراد المتكلم، فإنَّ هذا لو وقع كان تلبيسًا. ثم إن هذه الصورة أمرها ظاهر لا يخفى على أحد، فلا تكاد تُقصَد بالبيان. ثم إن مثل هذه الصورة تقع في الصلاة في جوف الكعبة إذا استقبل البابَ مفتوحًا. ثم إنَّ (٢) جميع المواضع التي ذكر أنه لا تجوز الصلاة فيها من المقبرة والحُشِّ والحمام لا يصلَّى في شيء منها. كذلك ظهر الكعبة يجب أن لا يصلَّى في شيء منه، وهذا ظاهر لمن تأمَّله.
-
وأيضًا فإن هذا إجماع عن السلف، كما حكاه أحمد - رضي الله عنه -، وكما سيأتي تقريره.
-
وأيضًا فقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «هذه القبلة» (٣) ، وفي حديث آخر: «استحلالُ الكعبة البيت الحرام قبلتِكم أحياءً وأمواتًا» (٤) دليل على أنَّ القبلة هو الشيء المبنيُّ هناك الذي يشار إليه، ويمكن استحلاله، وتسمَّى كعبة وبيتًا.
- vol. 3, p. 503
وأيضًا فإنَّ الله سبحانه قال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: ٢٦] ، وقال: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة: ٩٧] ، فبيَّن أن الطواف والركوع والسجود إنما هو متعلِّق بالبيت، والبيت أو الكعبة لا يكون اسمًا إلا للبناء. فأمَّا العرصة والهواء فليس هو بيتًا ولا كعبة.
-
وأيضًا فلو كان استقبال هواء العرصة [و] (١) الطواف به كافيًا لم يجب بناء البيت، ولم يُحتَج إليه. فلما أمر الله إبراهيمَ خليله ببناء بيته وبدعاء الناس إلى حجِّه حينئذ، وكان من أشراط الساعة خراب هذه البنية= عُلِمَ أنَّ دين الله منوط ببِنية [ص ١٧٨] تكون هناك، وأن لا يكون وجودها وعدمها سواء، وأنَّ هذه البنية إذا زالت زوالًا لا تعود بعده، فقد اقترب الوعد الحقُّ بما يكون من رفعِ كتاب الله المنزَّل من الصدور والمصاحف، وقبضِ أرواح المؤمنين الذين هم أهل دين الله. وذلك دليل واضح أنه لا دين يقوم لله إلا بوجود البِنية المعظَّمة المكرَّمة المشرَّفة.
-
وأيضًا فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سنَّ لكلِّ مصلٍّ أن ينصب بين يديه شيئًا يصلِّي إليه، وكرِه الصلاة إلى الهواء المحض، فكيف تكون قبلة الله التي يجب استقبالها هواءً محضًا؟
-
وأما ما ذكروه من الصلاة على (٢) أبي قبيس ونحوه، فإنما ذاك لأنَّ بين يدي المصلِّي قبلة شاخصة مرتفعة، وإن لم تكن مسامِتة له، فإنَّ المسامَتة غير مشروطة؛ كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام مع أنَّ المأموم خلفه،
vol. 3, p. 504فكذلك المصلِّي على أبي قبيس خلف الكعبة ووراءها، وإن كان أعلى منها.
-
وأمَّا إذا زال بناء الكعبة فنقول بموجبه وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئًا يصلِّي إليه، لأنَّ أحمد جعل المصلِّي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعُلِم أنه جعل القبلة الشيء الشاخص.
-
وكذلك قال الآمدي: إن صلَّى بإزاء الباب وكان الباب مفتوحًا لم تصح الصلاة، وإن كان مردودًا صحت الصلاة. وإن كان الباب مفتوحًا وبين يديه شيء منصوب كالسُّترة صحَّت الصلاة لأنه يصلِّي إلى جزء من البيت. فإن زال بنيانُ البيت ــ والعياذ بالله ــ وصلَّى وبين يديه شيء صحَّت الصلاة. وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح الصلاة. وإن صلَّى على ظهر الكعبة الفرض لم تصحَّ صلاته. وإن صلَّى النفل وليس بين يديه شيء لم تصح صلاته. فإن كان بين يديه شيء صحَّت صلاته.
-
وهذا من كلامه يدل على أنَّ البناء لو أزيل لم تصحَّ الصلاة إلا أن يكون بين يديه شيء. وإنما يعني به ــ والله أعلم ــ شيئًا شاخصًا، كما قيَّده فيما إذا صلَّى إلى الباب. وكذلك قوله في الصلاة على الظهر، إذ لا يجوز أن يفرَّق بين الصلاة على الظهر والصلاة على الباب؛ ولأنه علَّل ذلك بأنه إذا صلَّى إلى سترة فقد صلَّى إلى جزء من البيت. فعُلِم أنَّ مجرَّد العرصة غير كاف.
-
ويدل على [ذلك] (١) ما ذكره الأزرقي في «أخبار مكة» (٢) عن ابن جريج قال: سمعتُ غير واحد من أهل العلم ممن حضر بناء ابن الزبير حين
vol. 3, p. 505هدم الكعبة وبناها، وذكر الحديث إلى أن قال: فما ترجَّلت الشمس حتى ألصقها كلَّها بالأرض من جوانبها جميعًا. وكان هدمُها يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين. ولم يقرَب ابن عباس - رضي الله عنه - مكةَ حين هُدمت الكعبة [ص ١٨٠] حتَّى فُرِغ منها. وأرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة. انصِبْ لهم حول الكعبة الخشبَ، واجعل عليها الستورَ حتى يطوف الناس من ورائها، ويصلُّوا (١) إليها. ففعل ذلك ابن الزبير - رضي الله عنهما - وذكر الحديث.
-
وقد رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن عطاء في قصة ابن الزبير لما هدم البيت وأعاده على قواعد إبراهيم قال: فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدةً، فستَّر (٣) عليها الستور، حتَّى ارتفع بناؤه.
-
وهذا من ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - دليل على أن القبلة التي يطاف بها ويصلَّى إليها لا بد أن تكون شيئًا منصوبًا شاخصًا، وأن العرصة ليست قبلة. ولم يُنقل أنَّ أحدًا من السلف خالف ذلك ولا أنكره.
-
نعم، لو فُرِض أنه قد تعذَّر نصبُ شيء من الأشياء موضعَها بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان (٤) ، فهنا ينبغي أن يكتفى حينئذ باستقبال العرصة، كما يكفي المصلِّيَ أن يخُطَّ خطًّا إذا لم يجد سترة،
vol. 3, p. 506فإنَّ قواعد إبراهيم كالخطِّ، ولأنه فرضٌ قد عجز عنه، فيسقط بالتعذُّر كغيره من الفروض.
-
ولا يلزم من الاكتفاء بالعرصة عند [تعذّر] (١) استقبال البناء الاكتفاءُ بها عند القدرة على استقبال البناء، لأن فرض استقبال القبلة يسقط بالعجز كالخائف والمحبوس بين حائطين وغيرهما. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم» (٢) . ولا يمتنع الصلاة في شيء من الأوقات ولا الطوافُ بالبيت لعدم البناء أصلًا إذا تعذَّر في تلك الساعة الطواف والصلاة إلى بناء، كما لا يمتنع الصلاة لتعذُّر شيء من شروطها وأركانها.
-
وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا أنَّ البناء إذا زال صحَّت الصلاة إلى هواء البيت، مع قولهم: إنه لا يصلي على ظهر الكعبة. ومن قال هذا يفرِّق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص مستقبَل، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تُستقبَل. ولا يلزم من سقوط استقبال الشيء الشاخص إذا كان معدومًا سقوطُ استقباله إذا كان موجودًا، كما فرَّقنا نحن بين حال إمكان نصب شيء، وحال تعذُّر ذلك؛ وكما يفرَّق في سائر الشرائط بين حال الوجود والعدم، والقدرة والعجز.
-
فإذا قلنا: لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنه يكفي شخوصه، ولو أنه شيء يسير كالعتبة التي للباب. قاله ابن عقيل.
وقال أبو الحسن [ص ١٨١] الآمدي: لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان مفتوحًا، لكن إن كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحَّت الصلاة.
- vol. 3, p. 507
فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بدَّ أن يكون مثل مؤخرة الرَّحل لأنها السترة التي قدَّر بها الشارع القبلة المستحبة، فلأن تُقدَّر بها القبلة الواجبة أولى.
-
ثم إن كانت السترة فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمَّرة ونحو ذلك، مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك، جازت الصلاة إليه؛ لأنه جزء من البيت. وإن كان هناك لَبِن أو آجُرٌّ بقي (١) بعضه فوق بعض، أو خشبة معروضة غير مسمَّرة أو حبل ونحو ذلك، لم يكن قبلةً، فيما ذكره أصحابنا؛ لأنه ليس من البيت.
-
ويتوجَّه أن يكتفى في ذلك بما يكون سترة لأنه شيء شاخص في هواء البيت, فأشبه بناءَه, فإن ذلك قبلة سواء اتصل بالعرصة أو لم يتصل بها. ولأن البيت كان رَضْمًا (٢) من الحجارة غير مبنيٍّ, مع كون الطواف به كان مشروعًا. ولأنَّ حديث ابن عباس وابن الزبير فيه دليل على الاكتفاء بكلِّ ما يكون قبلة وسترة, فإنَّ الخشب والسُّتور المعلَّقة عليها لا تتبع في مطلق البيع.
-
فصل
فأمَّا استقبالُ الحِجْر، فقال ابن عقيل في «الواضح» (٣) : لا يستقبل هواءه ولا يعتدُّ بالصلاة إليه، بخلاف هواء الكعبة في العلو إذا صعد على أبي
vol. 3, p. 508قبيس. ولو هُدِمت العمارة جاز استقبال هوائها بخلاف الحِجْر. قال: وخروج الحِجر عن خصيصة القبلة في الصلاة كخصيصة القرآن المنسوخ تلاوةً، فحكمه ثابت، ولا تجوز الصلاة به (١) .
-
وذلك لأنَّ الحِجر بخروجه عن الكعبة في البناء لم يبق قبلةً، لأنَّ القبلة ما بني للاستقبال، والحِجْر ليس كذلك وإن كان من البيت. ولأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت أحاديث بأنه كان من البيت، فعُمِل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف به، دون الاكتفاء بالصلاة إليه احتياطًا للعبادتين.
وقال القاضي في «خلافه» : يجزئه التوجُّه إليه في الصلاة، وتصح صلاته كما لو توجَّه إلى حائط الكعبة. وهذا أقيَس بالمذهب لأنه من البيت بالسنَّة الثابتة المستفيضة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لمَّا نقضه ابن الزبير.
-
والحِجْر كلُّه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرُع وشيء. فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته البتة. ولا بد أن يستقبل شيئًا شاخصًا منه، فإن استقبل ما ليس بشاخص مثل أن يصلِّي إلى الممرِّ أو إلى ناحية الشام، فإنَّ الجدار الشامي من الحِجْر ليس مبنيًّا في الكعبة؛ فعلى الوجهين المتقدِّمين.
-
[ص ١٨٢] فصل
وأما صلاة الفرض في الكعبة حيث تصحُّ صلاة النافلة، ففيها روايتان.
- vol. 3, p. 509
إحداهما: أنها كصلاة النافلة على ما تقدَّم من الأحاديث، لأنَّ الفرض والنفل مستويان في جميع الشرائط والأركان إلا ما استثني من ذلك، مثلَ القيام والصلاة على الراحلة في السفر حيث توجَّهت به ونحو ذلك؛ فالتفريقُ بينهما في غير ذلك يحتاج إلى دليل. ولأنَّ الاستقبال الواجب في الفرض واجب في النفل على المقيم، ولو لم يكن المصلِّي في البيت مستقبلًا للقبلة لما صحَّ فيها النفل. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «صلِّي في الحِجْر إذا أردتِ دخولَ البيت» ولم يفرِّق. وقال للسَّادِن: «إنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يُلهي المصلِّي» (١) ولم يفرِّق.
-
والرواية الثانية، وهي المشهور نصًّا ومذهبًا: أنَّ الفرض لا يصح في الكعبة، لأنَّ الله سبحانه قال: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] ، أي نحوَه وتلقاءَه بإجماع أهل العلم، لأنَّ «الشَّطْر» له معنيان، هذا أحدهما. والآخر بمعنى النصف، وذلك المعنى ليس مرادًا، فتعيَّن الأول. وإذا كان الله قد فرض تولية الوجه نحو الكعبة، وذلك هو الصلاة إليها، فالمصلِّي فيها ليس بمصلٍّ إليها، لأنه لا يقال لمن صلَّى في دار أو حانوت: إنه مصلٍّ اليه. وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنما أُمِر الناسُ أن يصلُّوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلُّوا فيها (٢) .
-
ولأنَّ التوجُّه إليها إنما يكون باستقبالها كلِّها، أي استقبالِ جميع ما
vol. 3, p. 510يحاذيه منها. فإذا استقبل بعضَها فليس بمولٍّ وجهه إلى الكعبة، بل إلى بعض ما يسمَّى كعبة.
-
ولأنه إذا استقبل البعضَ واستدبر البعضَ فليس وصفُه باستقبالها بأولى من وصفه باستدبارها. بل استدبارُ بعضها ينافي الاستقبال المطلق. ولهذا قال ابن عباس: لا تجعل شيئًا من البيت خلفك. ذكره أحمد (١) .
-
يبيِّن هذا أنَّ الله سبحانه أمر بالطواف به، كما أمر بالصلاة إليه؛ وأخرجهما (٢) مخرجًا واحدًا في قوله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: ١٢٥] ، وقال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] ، كما قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] . ثم الطواف فيه لا يجوز، فكذلك الصلاة فيه. ولمَّا وجب على الطائف أن يطوف به كلِّه وجب على المصلِّي أن يستقبله كلَّه. واستقبالُ جميعه يحصل بأن تكون القبلة كلُّها أمامه وإن خرج بعضها عن مسامتة بدنه ومحاذاته، فإنَّ المطابقة ليس من معنى الاستقبال في شيء؛ إذ لو كانت من معناه ما صحَّ أن يستقبل الجسم الكبير للصغير ولا الصغير [ص ١٨٣] للكبير. نعم، لو خرج هو على مسامتتها ببعضه لم يكن مستقبلًا لها. فعلى هذا لا يصلِّي الفرضَ في الحِجْر. نصَّ عليه، فقال: لا يصلِّي في الحِجْر، الحِجرُ من البيت (٣) .
- vol. 3, p. 511
فأمَّا [نذر] (١) الصلاة، فإن نذَر الصلاةَ في الكعبة جاز، كما لو نذر الصلاة على الراحلة.
-
وأمَّا إن نذر الصلاةَ مطلقًا اعتبر فيها شروط الفريضة، لأن النذر المطلق يُحذَى فيه حذوَ الفرائض. فإذا نذره بصفة جائزة في الشرع قبل النذر يعتدُّ بها، كما لو نذَر أن يهدي هديًا لم يجزئه إلا ما يجزئ في الهدايا الواجبة. ولو نذر أن يهدي دراهم أو دجاجة ونحو ذلك صحَّ نذره. وقد روى أصحابنا أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله إنِّي نذرتُ أن أصلِّي في البيت، فقال: «صَلِّي في الحِجْر، فإنه من البيت» (٢) .
-
وهل المانع استدبارُ بعضه فقط، أو استقبال جميعه شرط أيضًا؟ على وجهين:
أحدهما: أنَّ المانع استدبار بعضه. وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم، وقد سئل عن الصلاة المكتوبة في الكعبة، فقال: في نفسي منه شيء. وحكي عن ابن عباس أنه كان ينكره (٣) .
-
ولأنه يجعل بعضَ البيت خلفَه. والتطوع أسهل. والصلاة فوقه أشدُّ من الصلاة فيه. وفي بعض كتب أصحابنا هذه الرواية: الصلاةُ فوقه أسهل من الصلاة فيه، وأظنه غلطًا في الكتاب. فعلى هذا إذا وقف على عتبة الباب، أو
vol. 3, p. 512على منتهى السطح بحيث لا يكون خلفه شيء، أو وقف خارجًا منه وسجد على بعضه كالحِجْر والشاذَرْوان (١) ونحو ذلك= صحَّت صلاته.
-
والوجه الثاني: لا بد أن يستقبل جميعَه، فلا تصح صلاته في هذه الصور. وهذا أقيس، كالطواف فإنَّ الطواف به لا فيه، وكذلك الصلاة إليه لا فيه.
-
وأما صلاته - صلى الله عليه وسلم - في البيت، فإنها كانت تطوعًا. ولذلك أغلق عليه البابَ هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة (٢) . وإنما كان يصلِّي المكتوبة بالمسلمين كلِّهم في الجماعة العامَّة. ولأنَّ ذلك الوقت لم يكن وقت مكتوبة، لأنه دخل مكةَ ضحًى، وفي تلك الساعة دخل البيتَ، ثم صلَّى بالمسلمين صلاة الظهر في المسجد. ولا يجب إلحاقُ الفرض به، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى داخل البيت ركعتين، ثم خرج، فصلَّى إلى البيت ركعتين، ثم قال: «هذه القبلة» (٣) ، فيشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ذكرهُ لهذا الكلام في عقب الصلاة خارجَ البيت بيانًا لأنَّ القبلة المأمور باستقبالها هي البِنية كلُّها، لئلا يتوهَّم متوهِّم أنَّ استقبال بعضها كافٍ في الفرض، لأجل أنه صلَّى التطوع في البيت، وإلّا فقد علِم الناس كلُّهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة، فلا بدَّ أن يكون لهذا الكلام [ص ١٨٤] فائدةٌ وعلمُ شيء قد يخفى ويقع في محلِّ الشبهة.
- vol. 3, p. 513
وابن عباس روى هذا الحديث، وفهِم منه هذا المعنى، وهو أعلم بما سمِع، لكن لم يبلغه حديثُ بلال أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى داخل الكعبة، فحمل الحديثَ على العموم في المكتوبة والتطوع. فالواجب أن يوضع حديثُ ابن عباس موضعَه، وحديثُ ابن عمر موضعَه، ويُعمَل بكلا الحديثين.
-
يبيِّن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما صلَّى داخله أغلق عليه البابَ، وكانت الفرائض كلُّها إنما يصلِّيها خارجَ البيت. ولو كانت المكتوبة جائزة في البيت لكان يمكنه أن يصلِّي المكتوبة بالناس في الحِجْر تحصيلًا لفضيلة أداء الفرض في الكعبة. فلما لم يفعل شيئًا من ذلك دلَّ على أنَّ ذلك خاصٌّ بالتطوع.
-
وهذا لأنَّ الشارع يوسع في تجويزه على أحوال شتَّى لا تجوز في المكتوبة، خصوصًا في أمر القبلة، فإنه جوَّز التطوعَ للمسافر السائر إلى أيِّ جهة توجَّه لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] ، لئلا يكون الاستقبال مانعًا له من الصلاة. فكذلك من دخل بيتَ ربِّه وأحبَّ الصلاة لربِّه فيه لا يمكنه ذلك مع الاستقبال التام، فعُفي له عن كمال الاستقبال إذا أتى بالممكن منه تحصيلًا لمقصود الزيارة وتحية البيت، إذ كان هذا المقصود لا يمكنه فعلُه إلا في البيت، وكان فرضُ كمال الاستقبال لا يمكن معه تحيَّةُ البيت والصلاةُ فيه لله، وذلك أمر مطلوب كما قلنا في صلاة المسافر سواء. فأما الفرض فلا اختصاص له بمكان دون مكان، فكانت المحافظة على كمال الاستقبال الذي هو شرط أولى من فعله في نفس البيت، ولا حاجة إلى فعله في البيت، فلم يسقط فرضُ الاستقبال بحال. ولهذا مضت سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنَّة خلفائه الراشدين بذلك. ألا ترى أن الفرض لو كان مشروعًا في البيت لكان ينبغي أن يقف الامام في
vol. 3, p. 514الحِجْر، ليحصل فضلُ الصلاة فيه والصلاة إليه؛ فإنَّ ذلك أكمل ــ لو كان ممكنًا ــ من الصلاة إليه فقط، ومعلوم أنَّ هذا خلاف سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنَّة المسلمين أجمعين.