مسألة: (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهر بها الإمام وسائر التكبير ليسمع من خلفه, ويخفيه غيره)

47 paragraphs · vol. 3, p. 630

Page 1 of 2

  1. أما القيام في الصلاة وافتتاحها بالتكبير، فمن العلم العامِّ الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلف, وتوارثوه عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 3, p. 630
  2. وقد قال الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] . وقال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: ٦٤] . وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} (١) [الزمر: ٩] . وقال سبحانه: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [ص ٢٤٣] فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} الآيات [المزمل: ١ - ٢] . وقال سبحانه: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: ١١١] . وقال: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (٢) [المدثر: ٣] .

    vol. 3, p. 631
  3. وقد روى عنه من حديث الخاصَّة أنه كان يفتتح صلاته بالتكبير: عليُّ بن أبي طالب, وعبد الله بن عمر, ووائل بن حُجْر, ومالك بن الحويرث, وأبو هريرة, وعائشة وغيرهم, وكلُّ هذه الأحاديث في الصحيح.

  4. وفي حديث أبي حُميد الساعدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه وقال: الله أكبر. رواه الترمذي وابن ماجه (٣) .

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير» (٤) ، وقال للمسيء

    vol. 3, p. 632في صلاته: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر» (١) ، وقال: «إذا كبَّر الإمام فكبِّروا» (٢) . وستأتي هذه الأحاديث في غيرها، على أنَّ النقل بذلك شاع شِياعًا لا يفتقر معه إلى نقل الخاصَّة.

  5. فصل

    وأمَّا أنَّ الإمام يجهر بتكبير الافتتاح وسائر التكبير وبالتسميع وبالسلام, في جميع الصلوات, كما يجهر بالقراءة في صلاة الجهر؛ فلِيسمعَه المأمومون، فيكبِّرون بعد تكبيره, ويحمدون بعد تسميعه, ويسلِّمون بعد تسليمه, وليبلغ صوته لمن لا يراه من المأمومين، فيعلَمون بانتقالاته، فيتابعونه. ولهذا أخبر (٣) الذين وصفوا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يكبِّر ويسمِّع ويسلِّم, ولولا أنهم سمعوا ذلك لما علموا. ألا ترى أنهم إنما علموا

    vol. 3, p. 633قراءته في السِّرِّ (١) بتحريك لحيته - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد قال أبو هريرة: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة؟ (٢) ولم يسمع دعاء الافتتاح. وذلك بيِّن في أنه كان يجهر بالتكبير وبالقراءة, ويُسِرُّ دعاء الافتتاح.

  6. وقد جاء ذلك مصرَّحًا به, فروى سعيد بن الحارث قال: صلَّى لنا (٣) أبو سعيد, فجهر بالتكبير حين افتتح, وحين ركع, وبعد أن قال: سمع الله لمن حمده, وحين رفع رأسه من السجود, وحين سجد, وحين رفع, وحين قام من الركعتين, حتى قضى صلاته على ذلك. فلما انصرف قيل له: قد اختلفت الناس على صلاتك, فخرج حتى قام عند المنبر، فقال: أيها الناس, إنِّي والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو (٤) لم تختلف. إنِّي رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا يصلِّي (٥) . وسنذكر إن شاء الله الأحاديث التي فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكبِّر هكذا.

  7. ثم إن بعض الأمراء ترك الجهر بسائر التكبير, فصار بعض الناس يجهل السنَّة في جهر الإمام بالتكبير, حتى اختلفوا [ص ٢٤٤] على أبي سعيد.

  8. ولهذا لما صلَّى عمران خلف عليٍّ، وجهَر عليٌّ بالتكبير, قال: قد

    vol. 3, p. 634أذكرني هذا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) . وكذلك صلاة عكرمة خلف شيخٍ كبَّر (٢) ثنتين وعشرين تكبيرة (٣) . وعامة هذه الأحاديث إنما معناها الجهر, وهو الذي كان قد تركه بعض الأمراء, كما سيأتي ــ إن شاء الله ــ بيانه.

  9. وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يؤمُّ الناس بالتكبير: يرفع (٤) صوته بالتكبير (٥) . وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: إنَّ لكلِّ شيء شعارًا, وإنَّ شعارَ الصلاة التكبير. رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب «الصلاة» (٦) . وشعار الشيء: ما يشعر به, وهذا إنما يكون فيما يظهر ويجهر به.

  10. فأما المأموم، فالسنَّة في حقِّه أن يخفي التكبير وسائر أنواع الذكر إلا التأمين والبسملة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأنه إنما يصلي لنفسه, فلا يحتاج إلى إسماع (٧) غيره, وأفضل الذكر: الخفي. بل يُكرَه له الجهر بذلك, كما يُكرَه له الجهر بالقراءة؛ لأنه يغلط غيره من المصلين, إلا أن يجهر بالكلمات أحيانًا, كما جهر المستفتح بقوله: «الله أكبر كبيرًا» (٨) ، وكما جهر العاطس بقوله: «ربنا ولك الحمد» الحديث (٩) , وسيأتي إن شاء الله

    vol. 3, p. 635ذكر ذلك؛ كما أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كان يجهر بالآية أحيانًا في صلاة السر (١) .

  11. ولا فرق في ذلك بين المؤذِّن وغيره, وبين من يقصد من المأمومين تبليغ غيره بصوته أو لا يقصد, فإنَّ التبليغ على الإمام, ولهذا استحببنا له رفع الصوت, وليس على المأموم تبليغ. والأحاديث تدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الذي يبلِّغ المأمومين التكبير, ولم يكن خلفه أحد يبلِّغهم؛ فإنَّ مثل هذا لو كان لَنُقِل. ولما أراد الصحابة أن ينقلوا الجهر بالتكبير أخبروا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر. ولو كان خلفه مؤذِّن أو غيره يجهر بذلك لنقلوا ذلك, واستدلُّوا به على ذلك. ولم ينقلوا ذلك إلا في مرض موته - صلى الله عليه وسلم -.

  12. فإذا كان صوت الإمام لا يبلغ جميعَ المصلِّين، إما لضعفه عن الجهر المبلِّغ (٢) بمرض أو كبر, أو لكثرة الجمع وتباعد أقطار المصلين, فيُستحب أن يجهر بعض المأمومين بالتكبير والتحميد والتسليم قدر ما يسمعه سائرهم؛ لما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّينا وراءه وهو قاعد, وأبو بكر يُسمِع الناس تكبيره. وفي لفظ [ص ٢٤٥] : صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر خلفه, فإذا كبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -,كبَّر أبو بكر، فيسمعنا. رواهما مسلم والنسائي (٣) .

  13. وينبغي أن يبيِّن التكبيرَ ويجزمَه, ولا يطوِّله, ولا يمدَّ في غير موضع المدِّ. قال أبو عبد الله: ربما طوَّل الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه, والذي

    vol. 3, p. 636يكبِّر معه ربما جزم التكبير, ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبِّرًا قبل الإمام. ومن كبَّر قبل الإمام فليست له صلاة، لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام، وكبَّر قبل الإمام، فلا صلاة له.

    قال بعض أصحابنا: إن مدَّ في غير موضع المدِّ, مثل أن يمدَّ بعض الهمزة من اسم الله، فتصير همزة استفهام, أو يزيد ألفًا بعد الباء من «أكبر» , فتصير جمع «كَبَر» ، وهو الطبل، فارسي معرب (١) = لم تجزئه (٢) ، لأن المعنى يتغير به.

  14. فصل

    ويستحب أن يقوم الإمام والمأموم إلى الصلاة إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة، لما روي عن الحجَّاج بن فرُّوخ الواسطي عن العوَّام ابن حَوشَب عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - , قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة, نهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه حرب وأبو يعلى الموصلي وأبو حفص العكبري وغيرهم (٣) . وهو محفوظ عن الحجَّاج, وقد قيل: إنه لا يروى إلا

    vol. 3, p. 637عنه. وهو وإن كان فيه لين، فليس في الباب حديث يخالفه, وقد اعتضد بعمل الصحابة.

    قال ابن المنذر (١) وغيره: كان أنس بن مالك إذا قيل: قد قامت الصلاة، نهض وقام. وعن الحسين بن علي - رضي الله عنهما - أنه كان يفعل ذلك. رواه النجاد وغيره (٢) .

  15. ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك, وهذا يتعين اتباعه, لا سيما إذا كان الكلام في الاستحباب, ولم يوجد ما يعتمد عليه سوى ذلك.

  16. ولأنَّ قوله: «حي على الصلاة حي على الفلاح» دعاء إلى الصلاة, لكن هو مشترك بين الأذان والإقامة. فإذا قيل: «قد قامت الصلاة» تمَّ الدعاء إلى الصلاة, فينبغي أن تكون الإجابة عقبه.

  17. ولأنَّ قوله: «قد قامت الصلاة» فيه معنى الأمر بإقامتها, فاستُحِبَّ أن يكون القيام إلى الصلاة عقبه امتثالًا للأمر. وهو أيضًا إخبار عن قرب قيامها, فإذا كان القيام عقبه كان أتمَّ في القرب, ولأن قيامه قبل ذلك لا حاجة إليه, وتأخيره القيامَ عن ذلك يقتضي تأخير التحريم والتسوية.

  18. فأما إذا عرضت له حاجة، فلا بأس [ص ٢٤٦] أن يتأخر القيام إلى الصلاة

    vol. 3, p. 638عن الإقامة، لما روى أنس قال: أقيمت الصلاة والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلًا في جانب المسجد, فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (١) . وسيأتي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٢) .

  19. فأما التكبير، فيستحب أن يكون بعد فراغ الإقامة. إن كانت الصفوف مستويةً كبَّر عقبها, وإن لم يكن مستوية سوَّاها، ثم كبَّر؛ لأنّا قد قدَّمنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول كما يقول المؤذن في الإقامة (٣) . وصحّ من غير وجه أنه كان يعدِّل الصفوف بعد القيام إلى الصلاة. وقد جاء مفسَّرًا أنه يفعل ذلك بعد الإقامة, فروى البخاري (٤) عن أنس - رضي الله عنه - قال: أقيمت الصلاة, فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا بوجهه, فقال: «أقيموا صفوفكم» . وفي رواية: أنَّ (٥) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن أقيمت الصلاة قبل أن يكبِّر، أقبل بوجهه على أصحابه (٦) .

    وقال إسحاق بن راهويه: سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكبِّر بعد فراغ المؤذِّن من الإقامة كلِّها. قال: وأخذ بذلك بعده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

  20. وقد روى أبو موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أقمتم الصلاة فليؤمَّكم أحدكم، وإذا قرأ الإمام فأنصتوا» رواه أحمد (٧) .

  21. ثم إذا كان الإمام حاضرًا بحيث يرونه, قاموا عند كلمة الإقامة, قام الإمام أو لم يقم. وإن علموا بقربه من المسجد أو خارج المسجد ولم يروه, فهل يقومون؟ على روايتين:

    إحداهما: يقومون، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: أقيمت الصلاة، وعُدِّلت الصفوف قيامًا قبل أن يخرج إلينا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فخرج إلينا، فلمَّا قام في مصلَّاه ذكر أنه جنب, فقال لنا: «مكانكم» ، فمكثنا على هيئتنا ــ يعني قيامًا. ثم رجع، فاغتسل. ثم خرج إلينا، فكبر، فصلَّينا معه. متفق عليه (١) .

    vol. 3, p. 639
  22. ولمسلم (٢) عن أبي هريرة قال: إن كانت الصلاة لتقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فيأخذ الناس مصافَّهم (٣) قبل أن يأخذ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مقامه.

  23. والرواية الثانية: لا يقومون حتى يروه، لما روى أبو قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» رواه الجماعة (٤) إلا

    vol. 3, p. 640ابن ماجه بهذا اللفظ، إلا البخاري لم يذكر قوله: «خرجت» (١) . وهذا يدل على نسخ ما كانوا يفعلونه قبل ذلك.

  24. وقد روي عن أبي خالد الوالبي قال: خرج إلينا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ونحن (٢) قيام, فقال: ما لي أراكم [ص ٢٤٧] سامدين؟ (٣) يعني: قيامًا.

  25. ولأنَّ في ذلك مشقّةً على المأمومين من غير فائدة, وقيام إلى الصلاة قد تحقق قرب الشروع فيها فلم يكن إليه حاجة.

  26. فصل

    وإذا لم تكن الصفوف مستويةً سوَّاها الإمام وغيره, إلا أن الإمام أخصُّ بذلك لأنه الراعي قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقبل علينا بوجهه قبل أن يكبِّر، فيقول: «تراصُّوا واعتدلوا» (٤) . وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سوُّوا صفوفكم, فإنَّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة» (٥) متفق عليهما.

  27. وعن محمد بن مسلم بن السائب, صاحب المقصورة, قال: صلَّيتُ

    vol. 3, p. 641إلى جنب أنس بن مالك يومًا، فقال: هل تدري لم صُنِع هذا العود؟ فقلتُ: لا والله. فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة أخذ (١) بيمينه (٢) ثم التفت, فقال: «اعتدلوا، سوُّوا صفوفكم» . ثم أخذ بيساره، فقال: «اعتدلوا سوُّوا صفوفكم» رواه أبو داود (٣) .

  28. وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوِّي صفوفنا إذا قمنا للصلاة. فإذا استوينا كبَّر. رواه أبو داود (٤) .

  29. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا أقيمت الصلاة استقبل القومَ، ثم يقول: «يا فلان تقدَّمْ. يا فلان تأخَّرْ. سوُّوا صفوفكم, استووا» . ثم يقبل على القبلة، فيكبِّر. رواه سعيد (٥) .

    vol. 3, p. 642قال الترمذي (١) : وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يتعاهد ذلك، ويقول: استووا. وكان يقول: تقدَّم يا فلان, تأخَّر يا فلان.

  30. وعن نافع أنَّ عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف. فإذا جاؤوه فأخبروه بأن قد استوت كبَّر. رواه مالك (٢) .

  31. وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: كنت مع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - , فأقيمت الصلاة، وأنا أكلِّمه في أن يفرض لي. فلم أزل أكلِّمه وهو يسوِّي الحَصا بنعليه, حتَّى جاءه رجال (٣) قد وكَّلهم بتسوية الصفوف, فأخبروه أنَّ الصفوف قد استوت. فقال لي: استَوِ في الصف. ثم كبَّر. رواه مالك (٤) .

  32. وقال أحمد في «رسالته» (٥) وَأْمُر ــ أيا عبد الله (٦) ــ الإمامَ أن لا يكبِّر أول ما يقوم مقامه للصلاة, حتى يلتفت يمينًا وشمالًا, فإن رأى الصفَّ معوجًّا, والمناكبَ مختلفةً, أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض حتى تَماسَّ مناكبُهم. واعلم أنَّ اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة، وأنَّ الفُرجة التي تكون بين كلِّ رجلين تنقص من الصلاة, فاحذروا ذلك».

  33. [ص ٢٤٨] وذكر بعض أحاديث الصفوف. وابن عمر الذي رواه مالك (١) . قال: «وروي أنَّ بلالًا كان يسوِّي الصفوف, ويضرب عراقيبهم بالدِّرَّة حتى يستووا (٢) .

    قال بعض العلماء: قد يشبه هذا أن يكون من بلال على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عند إقامته، قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذِّن لأحد بعد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا يومًا واحدًا إذ أتى مرجعَه من الشام, وذكر قصة تأذين بلال بالشام (٣) ».

    vol. 3, p. 643
  34. فصل

    والمسنون للصفوف: خمسة أشياء, مبناها على أصلين: على اجتماع المصلّين وانضمام بعضهم إلى بعض, وعلى استقامتهم واستوائهم؛ لتجتمع قلوبهم وتستقيم, ويتحقق معنى الجماعة الذي هو اجتماعهم في الصلاة مكانًا وزمانًا.

    قال أبو عبد الله (٤) : «تسوية الصفوف ودنوُّ الرجال بعضهم من بعض, من تمام الصلاة, وتركُ ذلك نقصٌ في الصلاة» .

  35. أحدها: تسوية الصف وتعديله وتقويمه, حتى يكون كالقِدْح. وذلك يحصل بالمحاذاة بالمناكب والرُّكَب والكِعاب, دون أصابع الرجلين.

    vol. 3, p. 644
  36. والثاني: التراصُّ فيه، وسدُّ الخلل والفُرَج, حتى يلصق الرجل منكبه بمنكب الرجل, وكعبه بكعبه.

  37. الثالث: تقارب الصفوف ودنوّ بعضها من بعض, حتى يكون سجود المؤخَّر خلف مقام المقدَّم, من غير ازدحام يفضي إلى أذى المصلِّين.

  38. والرابع: تكميل الأول فالأول تحقيقًا للاجتماع, والدنوِّ من الإمام.

  39. والخامس: توسُّط الإمام, وهو أن يكون في وسط الصف.

  40. وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «راصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذُوا بالأعناق. والذي نفسي بيده إنِّي لأرى الشيطانَ يدخل من خلل الصفِّ، كأنه الحَذَف» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١) .