مسألة: (ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرجيم، ولا يجهر بشيء من ذلك)
65 paragraphs · vol. 3, p. 692
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 705
الثالث: أن يكون ذلك في (٤) أول الأمر ثم نُسِخ, وكان آخر الأمرين عنه ترك الجهر. ويدل على أنه آخر الأمرين: أن أكابر الصحابة عملوا به. وما روى أبو داود في «الناسخ والمنسوخ» (٥) عن سعيد بن جبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة. وكان مسيلمة يُدعَى رحمانَ اليمامة، فقال (٦) أهل مكة: إنما يدعو إله اليمامة (٧) , فأمر الله رسوله بإخفائها, فما جهر بها حتى مات» رواه الطبراني في «المعجم» (٨) عن
vol. 3, p. 706سعيد (١) عن ابن عباس مسندًا. ويحقِّق هذا أن الجهر بها أكثر ما يعرف عن المكيين, مثل عطاء وطاووس ومجاهد (٢) . وبهذا يتبيَّن أنه لا يستوي الجهر بها والإسرار مطلقًا.
-
وقول من خرَّج ذلك على القراءتين ضعيف, فإنه قد يُجهَر بها وإن لم تكن قرآنًا, كما يُجهَر بالتأمين. وقد يخافت بها وإن كانت من القرآن, كما سنذكر. ولو صحَّ ذلك لم يمنع أن تكون المخافتة بها أولى, كما تختار بعض الحروف على بعض.
-
[ص ٢٧٢] وأما كون الجهر بها أولى، لأنه من القرآن أو من السورة؛ فليس هذا بمطِّرد، فإنه قد يُجهَر ببعض القرآن دون بعض, [كما] (٣) يجهر في بعض الصلوات والركعات دون بعض. وأيضًا: فقد ترك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الجهرَ بها لحكمةٍ كانت في زمانه, ثم صار ذلك سنّةً لمن بعده, كما رمَل واضطبع في طواف القدوم لمعنًى كان في ذلك الزمان, ثم صار سنةً للمسلمين إلى يوم القيامة. وكما أنَّ أصل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات وذبح الهدي, لما يروى من قصة فعل إبراهيم وابنه الذبيح وهاجر, ثم جعل الله ذلك عبادةً لمن بعدهم.
-
وأيضًا: فهي وإن كانت آيةً من القرآن, لكن إنما أُنزلت لأجل ما بعدها من السورة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه
vol. 3, p. 707بسم الله الرحمن الرحيم (١) . والتسمية إنما تكون عند ابتداء الأمور وفي أوائلها, فصارت كالتابع لغيره، المقصود من أجله. ففُرِّق بين ما يقصَد لنفسه وما يقصَد لغيره بصفة القراءة في الجهر والإخفات, كما يخافت بالاستعاذة لما كانت مقصودةً لغيرها. ألا ترى أن التسمية مقصودة لما بعدها مِن حمد الله والثناء عليه والصلاة له؟ والمعنى: بسم الله أقرأ وأصلِّي, أو بسم الله صلاتي وقراءتي. فبيِّن أن يميَّز بين المقصود لنفسه والمقصود لغيره.
- فصل
- وهل تجب قراءتها في الصلاة؟ على روايتين منصوصتين:
-
إحداهما: يجب, بناءً على أنها من فاتحة الكتاب. فإن لم يجعل البسملة آيةً (٢) كان رأس الآية {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وليس يشبه رؤوسَ الآي (٣) ؛ لأن ما قبل الحرف الأخير (٤) يكون حرف لين, كما في سائر الآي.
-
وأيضًا: فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفًا ومرفوعًا (٥) : «إذا
vol. 3, p. 708قرأتم الحمد فاقرؤوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} , إنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسبع المثاني. وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها». وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعة من أصحابه, من عدة وجوه رواها الدارقطني وغيره (١) ؛ لأنها مكتوبة في أولها في المصحف, فوجب (٢) أن تتلى حيث كُتبت كسائر آياتها.
-
والرواية الثانية: لا تجب قراءتها, لكن يُكرَه تركُ قراءتها كالاستعاذة، وأولى, بناءً على أنها ليست [ص ٢٧٣] من الفاتحة, والمفروض إنما هو قراءة الفاتحة. ويمكن أن يقال: هي وإن جُعلت من الفاتحة باعتبار, فليست من القراءة المفروضة. وهذه الرواية هي الصحيحة عند عامة الأصحاب, وهي الغالب على كلام أحمد.
-
وذلك لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [يقول] (٣) : «من صلَّى صلاةً لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج» يقولها ثلاثًا. فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام, فقال: اقرأها في نفسك, فإنِّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله عز وجل: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
vol. 3, p. 709الْعَالَمِينَ}، قال الله: حمِدني عبدي. وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: مجَّدني عبدي. وقال مرةً: فوَّض إليَّ عبدي. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذا بيني وبين عبدي, فلعبدي ما سأل. وإذا قال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: هؤلاء لعبدي, ولعبدي ما سأل» رواه الجماعة (١) إلا البخاري وابن ماجه (٢) . وقال أبو زرعة: حديث صحيح.
- وفيه دلالة من أربعة أوجه:
-
أحدها: أن أبا هريرة هو راوي الحديث, وقد فهم أنَّ أم الكتاب هي {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى آخرها. ولهذا فَسَّر أحدَ الحديثين بالآخر, وهذا يُضعف ما روي عنه بخلافه.
-
الثاني: أنها لو كانت منها أو هي واجبة لَذكَرها في القسمة (٣) , كما ذكر غيرها؛ لأن المراد بالصلاة: القراءة الواجبة في الصلاة.
-
الثالث: أن القسمة باعتبار الآيات، لأنه وقَف على رأس كلِّ آية, وجعل يشير إليها. فلو كانت البسملة فيها لكان الذي لله أربع آيات ونصفًا, والذي
vol. 3, p. 710للعبد اثنتين ونصفًا.
-
الرابع: أنه قال في آخره: «فهؤلاء لعبدي» . وهذا (١) صيغة جمع, إنما يشار به إلى ثلاثة آيات. ولو لم يكن (٢) {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} رأس آية لقال: «فهاتان» . والإشارة إنما هي إلى الآي (٣) دون الكلمات والحروف, كما قال: «فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل» .
-
وأيضًا حديث أبي بن (٤) كعب (٥)
-
وحديث أبي سعيد بن المعلَّى (٦) وحديث ابن جابر (٧) . ولأنها لو كانت من الفاتحة لكانت السنَّة الجهر بها,
vol. 3, p. 711فإنَّ الفرق بين آيات السورة بعيد عن القياس, بخلاف ما ليس من السورة وإنما [ص ٢٧٤] نزل لأجلها.
-
ولأنها لو كانت من أول الفاتحة لكانت من أول سائر السور، لأنها سورة من السور. ولا يختلف المذهب أنها ليست من غير الفاتحة. وقد دلَّ على ذلك ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن سورةً من القرآن ثلاثون آية شفَعت لرجل حتى غُفِر له, وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} » رواه أحمد وأبو داود، والترمذي (١) . وقال: حديث حسن. قال أصحابنا: وقد أجمع القُرَّاء على أنها ثلاثون آية بدون التسمية, فلو كانت منها لكانت آية، وكانت إحدى وثلاثين.
-
ولأن الناس مجمعون على أن الكوثر ثلاث آيات, ولو كانت منها لكانت أربع آيات. ولأنَّ الصحابة والتابعين وسائر الأمة يسمُّون حروف الهجاء فواتح السور, والحروف المقطَّعة في أوائل السور, ولو كانت
vol. 3, p. 712البسملة أول آية من السور لما صحَّ. ولأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم كتبوها في المصحف سطرًا مفصولًا عن السورة، ولو كانت منها لخلطوها في سائر آياتها كغيرها.
-
ومع هذا، فلا تختلف النصوص عن أحمد أنها آية من كتاب الله في كلِّ موضع كُتبت في المصحف, إلا في سورة النمل, فإنها بعض آية. ومن لم يقرأها فقد أسقط مائة وثلاث عشرة آية من كتاب الله. وهي آية مفردة أنزلت في أول السورة، وإن لم تكن منها؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كتبوها في المصحف. فعُلِم أنها من القرآن, مع اعتنائهم بتجريده عما ليس منه, حتى عما فيه مصلحة من التعشير والتخميس والنقط [و] (١) أسماء السور (٢) وغير ذلك.
-
وروى أبو داود (٣) عن ابن عباس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» . وفي كتابة الصحابة لها في أول الفاتحة دون أول براءة, وكتابتها سطرًا مفصولًا عما قبلها: دلالة واضحة على ذلك.
- vol. 3, p. 713
هذه حقيقة المذهب, ومن تأمَّله علِمَ الطريقة المثلى فيما اضطرب الناس فيه في شأن البسملة.
-
وطائفة من أصحابنا يحكون رواية أخرى أنها بعض آية, وأنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل. وربما اعتقد كثير منهم أن هذا هو المذهب, ظنًّا منهم أنَّا إذا قلنا: ليست من السورة, فقد قلنا: ليست من القرآن. وهذا غلط على المذهب، توهَّموه من مذهب غيرنا. والله أعلم.
-
فصل
[ص ٢٧٥] السنَّة لمن قرأ سورة من القرآن: أن يقرأ في أولها البسملة, إلا في أول براءة, سواء ابتدأ السورة أو وصلها بما قبلها, إلا في الصلاة يخفيها, وخارج الصلاة إن شاء جهَر بها, وإن شاء خافَتَ, كالاستعاذة وسائر القرآن؛ لأن الجهر والمخافتة موقَّت في الصلاة, وليس موقتًا في غيرها. وأما في الصلاة فيخافَت بها, إلا إذا قُرِن بين السورتين في التراويح ونحوها, ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجهر بها كسائر الصلوات.
-
والثانية: إن جهَر فلا بأس، لأن النافلة أخفُّ من الفريضة. وإذا قرَن بين السورتين كأن قد جهر بما قبلها, وما بعدها فألحقت بذلك, بخلاف ما إذا كان قبلها سكوت أو مخافتة, فإنها تلحق به. وإن ابتدأ من أثناء سورة أو من أول براءة لم يُستحَبَّ أن يقرأها، لأنها لم تُكتَب هناك, والمستحب أن تُقرأ كما في المصحف في مواضعها (١) . وإن قرأها فلا بأس, بخلاف الاستعاذة