مسألة: (ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها، إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة)
137 paragraphs · vol. 3, p. 714
Page 3 of 4
- vol. 3, p. 741
الثاني (١) : وروى سعيد (٢) عن أبي قلابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: «أتقرؤون خلف الإمام؟» فقال بعض: نعم, وقال بعض: لا. قال: «إن كنتم لا بدَّ فاعلين فليقرأ بفاتحة الكتاب في نفسه» . ورواه أحمد في «المسند» (٣)
-
بإسناد صحيح عن أبي قلابة عن محمد بن [أبي] (٤) عائشة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعلكم تقرؤون
vol. 3, p. 742خلف الإمام، والإمامُ يقرأ». قال: إنَّا لنَفعل ذلك. قال: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بأم القرآن» أو قال: «بفاتحة الكتاب» . وهذا دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أنهم يقرؤون خلف الإمام, [ص ٢٨٨] وكان فيهم من لا يقرأ, ولو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بها وأعلمهم؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
-
وأما قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، فليس المراد به القراءة المفروضة في الصلاة, بدليل قوله بعد ذلك: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . ولأن هذه السورة نزلت بمكة في أول الأمر قبل أن تُفرَض الصلوات الخمس, وكان وجوب الفاتحة بالمدينة، وإنما المراد به ــ والله أعلم ــ التلاوة المأمور بها عوضًا عن قيام الليل, فإنَّ حافظ القرآن ينبغي له أن يتلوه, وإذا نسيه فإنه يجب عليه أن يتلوه بحيث لا ينساه. وسياق الآية يدل (١) على هذا, حيث قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} إلى قوله: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المزمل: ٢٠] .
-
وقد قيل: إن المراد به قراءة ما تيسر بعد الفاتحة, كما قال أبو سعيد: أمرنا نبيُّنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر. رواه أحمد (٢) .
-
وعلى هذا يحمل
vol. 3, p. 743قوله للأعرابي, فإنه قد روي قصة رفاعة بن رافع، وفيها: «ثم اقرأ بأم الكتاب, ثم اقرأ بما شئتَ» ــ رواه أحمد (١) ــ إذ لم يكن يحسن الفاتحة. ويدل على هذا (٢) أن الناس قد أجمعوا لو قرأ كلمةً أو كلمتين أو بعضَ آية لم تصح صلاته. وإنما يشترط بعضٌ (٣) آيةً, وبعضهم ثلاث آيات. فاشتراطُ ما شرطه الله ورسوله أولى إذا كان ما ادعوه من ظاهر الكتاب قد دخله التأويل، وفاقًا.
-
فإن قيل: هذا (٤) قد روى سعيد والدارقطني (٥) عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام, فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب. قلتُ: وإن كنتَ أنت؟ قال: وإن كنتُ أنا. قلت: وإن جهرتَ؟ قال: وإن جهرتُ. وإسناده كلُّهم ثقات.
-
وعن عَبَاية (٦) بن الردَّاد قال: كنَّا مع عمر بن الخطاب في موكبه, فقال: لا تجوز صلاة إلا بفاتحة الكتاب وبشيء معها. فقال رجل: يا أمير المؤمنين,
vol. 3, p. 744أرأيتَ إن كنتُ خلف إمام, أو كان بين يديَّ إمام؟ قال: اقرأ في نفسك (١) .
-
.....................................................................
-
..............................................
-
................. (٢)
-
[ص ٢٩١] لأنَّ من أصحابنا من يوجبه (٣) . وقد أومأ أحمد إلى ذلك, وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - به. وتركُه مكروه, بخلاف القراءة, فإنهم لم يختلفوا أنَّ القراءة عليه لا تجب, لكن يُكرَه تركها؛ لأن القراءة يحصل مقصودها بالاستماع, بخلاف الاستفتاح. ولأنَّ القراءة يتعدَّى حكمها إلى المأموم, فيضمَنها عنه الإمام وجوبًا واستحبابًا؛ بخلاف الاستفتاح.
-
وأما الاستفتاح حال جهر الإمام فهو مثل الاشتغال عنه بتكبيرة الإحرام لأنه من توابعها, ومثل اشتغال الداخل إلى المسجد، والإمامُ يخطب، عن الاستماع بركعتي التحية. ولعل الاستفتاح للمصلِّي أوكد من التحية للداخل، لأن هذا من تمام الدخول إلى الصلاة, وإلى المسجد, فلا يُعَدُّ الاشتغال به إعراضًا عن الاستماع والإنصات.
-
وقد تقدَّم حديث عبد الله بن أبي أوفى في الذي دخل، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 3, p. 745يصلِّي، فقال: «الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا. الحمد لله كثيرًا, الحمد لله كثيرًا, الحمد لله كثيرًا. سبحان الله بكرةً وأصيلًا, سبحان الله بكرةً وأصيلًا, سبحان الله بكرةً وأصيلًا» حتَّى رفع القوم رؤوسهم، وقالوا: من هذا الذي يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ومع هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لقد رأيتُ أبواب السماء فُتِحت لها فما نَهْنَهَهَا (١) شيء دون العرش» (٢) .
-
وكذلك الرجل الذي انتهى إلى الصف وقد انتهز, أو حفزه النفس, فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه. قال: «من صاحب الكلمات؟ فإنه لم يقل بأسًا» . فقال: أنا يا رسول الله, أسرعتُ لشيء، فجئتُ، وقد انتهزتُ، فقلتُها. فقال النبي: «لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها أيُّهم يرفعها» (٣) .
-
فهذا (٤) رجلان قد استفتحا في حال جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. بل جهَرا بالاستفتاح, ومع هذا لم ينكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، كما أنكر على الذين كانوا يقرؤون في حال جهره. بل حمِد هذا الأمرَ, وذكر ما فيه من الفضل والبركة.
-
فصل
ويقرأ في حال سكوته قبل القراءة. وإن قرأ بعضها في هذه السكتة, وبعضها في سكتة أخرى, فلا بأس. وإن لم يكن له سكتة قرأ عند انقطاع
vol. 3, p. 746نفسه، ليكمل قراءة الفاتحة.
-
فأما قراءة بعض آية أو بعض كلمة عند انقطاع نفسه، فيُكرَه؛ لأن ذلك وحده ليس بقراءة مشروعة, وليس قبله أو بعده شيء يُضَمُّ إليه، بخلاف الفاتحة إذا فرَّقها. ولأن قراءة الفاتحة أوكد بكلِّ حال، لأنها من القراءة المفروضة [ص ٢٩٢] عليه, وإنما تحمَّلها عنه الإمام.
-
ويقرأ في كلِّ سكتة يسكتها الإمام في أول القراءة أو وسطها أو آخره, سواء سكت لاستراحة أو غفلة أو نعاس أو إرتاج (١) , أو غير ذلك. قال ابن أبي موسى (٢) : إذا أسرَّ القراءةَ، أو كانت له سكتات يمكن القراءة فيها, فالمستحبُّ هاهنا للمأموم أن يقرأ.
-
ويستحَبُّ للإمام أن يسكت، على ما جاءت به السنَّة. فروى الحسن عن سمُرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له سكتتان: سكتة حين يفتتح الصلاة, وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع. فذكر ذلك لعمران بن حصين، فأنكره. فكتب في ذلك إلى أبيِّ بن كعب, فقال: صدق سمُرة. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٣) . وفي لفظ لأحمد وأبي داود (٤) : سكتة إذا فرغ من قراءة {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .
- vol. 3, p. 747
وروى الترمذي وابن ماجه (١) عن قتادة عن الحسن عن سمُرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته, وإذا فرغ من القراءة. ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نفَسُه.
-
فأما السكتة الأولى، فهي سكتة الاستفتاح. وهي سكوت عن الجهر والاستماع, لا عن أصل الذكر والكلام, كما في حديث أبي هريرة: أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة, ماذا تقول؟ قال: «اللهم باعِدْ بيني وبين خطايايَ ... » الحديث (٢) . ولهذا قال: سكتة إذا كبَّر حتى يقرأ. فبيَّن أنه أراد السكوت الذي يلي تكبيرة الافتتاح, وهو محلُّ الافتتاح, لا سكوت محض. وهذه السكتة إنما تكون في الركعة الأولى, فأما في الثانية فلا؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولم يسكت. رواه مسلم (٣) .
-
وأما السكتة الثانية: فقال الإمام أحمد (٤) : إذا كبَّر الإمام فليسكت سكتتين: سكتةً إذا كبَّر, وإذا فرغ من القراءة قبل أن يركع, مثل حديث سمُرة
vol. 3, p. 748وأبيِّ بن كعب - رضي الله عنهما -. وقال أيضًا (١) : يثبت قائمًا ويسكت, حتى يرجع إليه نفَسُه قبل أن يركع, ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع. جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ص ٢٩٣] أنه كان له سكتتان: عند افتتاح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة. وذكر أن الصحيح في حديث سمُرة أن السكتة الثانية عند الركوع. كذا (٢) رواه عن الحسن الأكثرون, منهم حميد الطويل ويونس وأشعث، وقتادة في أول مرة, ثم رواه على السكوت بعد (٣) الفاتحة. وهذه السكتة عند انقضاء القراءة سكتة يسيرة، ليرجع إليه نفسه فيستريح, وليفصل بين القراءة والتكبير، ولئلا يحصل شيء من القراءة في الركوع, أو شيء من التكبير في القيام. وهذا قول ابن أبي موسى (٤) .
-
فأما السكوت بعد قراءة الفاتحة، فلا يستحَبُّ على ما ذكره هنا؛ لأن السنَّة إنما جاءت بسكتتين, فلا يشرع ثالثة. ولأن السكوت في الصلاة غير مشروع إلا لحاجة, ولا حاجة إلى السكوت هنا. ولأنه فصلٌ بين السورة والتي تليها, فلم يُشرَع, كما لا يشرع السكوت بين السُّوَر لمن يقرأ بسُوَر (٥) في قيامه؛ اللهم إلا أن يحتاج إلى السكوت, مثل أن يريد أن يقرأ سورة, فيبسمل قبل قراءتها, أو يسكت ليتفكَّر فيما يريد أن يقرأ, وشبه ذلك؛ إلا أن هذا قد يكون في أثناء القراءة إذا أُرتِجَ عليه, وإذا فرغ من سورة وشرع في أخرى.
- vol. 3, p. 749
وعنه ما يدل على أنَّ الإمام يسكت بعد الفاتحة, لأنه قال: يقرأ بفاتحة الكتاب قبل أن يقرأ الإمام. قيل: فإن قرأ الإمام قبل أن يتمَّها يقرأ الباقي إذا سكت الإمام من الحمد أو من السورة الأخرى؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أيضًا (١) : إذا كان له سكتات قرأ الحمد, وإذا لم يكن له سكتات قرأ عند انقطاع نفسه. والسكتات إنما تطلق على ثلاث, فمن أصحابنا من استحبَّ هذه السكتة أيضا ليستريح فيها, وليقرأ من خلفه الفاتحة، لئلا ينازعوه فيها؛ لأنها في إحدى روايتي حديث سمُرة.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان, فاغتنِموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب: إذا دخل في الصلاة, وإذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} (٢) .
وقال عروة بن الزبير: أمَّا أنا فأغتنِم من الإمام اثنتين: إذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فأقرأ عندها. وحين يختم السورة، فأقرأ قبل أن يركع. رواه الأثرم (٣) .
-
ومنهم من قال: [لا] (٤) يستحب له أن يسكت لأجل قراءة من خلفه, وإنما هذه السكتة سكتة يسيرة لأجل الاستراحة وتراجع النفس إليه, ويبسمِل
vol. 3, p. 750فيها ويتفكَّر فيما يقرؤه, كالسكتة عند انقضاء القراءة. وهو [ص ٢٩٤] أشبه بكلامه، لأنه قال (١) : يقرأ فيما لا يجهر, وإن أمكنه أن يقرأ قبل الإمام (٢) , ولا تعجبني القراءة خلف الإمام فيما يجهر, أحَبُّ إليَّ أن يُنصِت. فجعل قراءة الفاتحة قبل الإمام, ولو استحببنا للإمام أن يسكت بقدر قراءة الفاتحة لم يحتج إلى ذلك.
وقال أيضًا (٣) : لا يقرأ (٤) فيما يجهر, ويقرأ فيما يُسِرُّ. وإن كان للإمام سكتة فيما يجهر يقرأ. ولأنه شبَّه السكوت من الحمد بالسكوت من السورة, وكما (٥) تقدَّم، وتلك سكتة يسيرة لا يقصد بها قراءة المأموم؛ وهذا لأن السكوت المذكور لا يدل عليه شيء من الأحاديث، فلا وجه لإثباته.
-
ولأنه لو سُنَّ السكوت لقراءة الفاتحة لسُنَّ لقراءة السورة, ولسُنَّ عند الركوع بقدر الفاتحة لمن أدركه بعد الفاتحة, ولجاز أن يجهر المأموم بالقراءة فيه.
-
ولأن قراءة الفاتحة ليست مستحبة للمأموم إلا بشرط سكوت الإمام، لئلا تخلو الصلاة عن قراءة أو استماع؛ فلو استحببنا السكوت لأجلها كان
vol. 3, p. 751دورًا.
-
ولأنَّ المأموم لو ترك قراءة الفاتحة لم يُكرَه له ذلك, والسكوتُ في الصلاة مكروه في الأصل, فكيف يلتزم الإمام (١) فعلَ المكروه، ليحصل ما لا كراهة في تركه؟
-
ولأنَّ من نازع الإمام القراءة فقد أخطأ السنَّة, فكيف يترك الإمام السنَّة احترازًا من خطأ المخطئ؟
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - [إن] (٢) كان يسكتها, وأصحابه يقرؤون فيها, لم يصحَّ احتجاج من يحتج لقراءة الفاتحة حين الجهر بما تقدَّم. فلا يبقى شيء يتوكَّد به القراءة على المأموم في حال الجهر. وإذا لم تكن القراءة متوكِّدة في حقِّ المأموم لم يحتج إلى السكوت. وإن كان لا يسكتها فلا وجه لاستحباب سكوتها. فأمَّا أن يقال: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِن لهم في قراءتها في حال جهره, مع أنه كان يسكت لهم سكتة بقدرها؛ فهذا لا يجوز.
-
ولأن أبا هريرة لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ علِم أنه لم يكن له سكتة بقدر هذه, ولو كانت سكتة بعد الفاتحة بقدرها لكانت أكثر من هذه.
-
ولأن هذه المذاهب كلَّها من فروع توكيد قراءة الفاتحة على المأموم, وهو ضعيف. ولأن الإمام لو ترك هذه السكتات لم يُكرَه له ذلك, كما قد
vol. 3, p. 752نصَّ عليه أحمد: أن [من] (١) الأئمة من يسكت, ومنهم من لا يسكت. ولم يعب على من [لا] (٢) يسكت, ولو كان تفويت المأموم القراءة مكروهًا لكُرِه تركُ السكوت.
-
فصل
وتجب قراءة الفاتحة مرتَّبةً كما [ص ٢٩٥] أنزلها الله. فإن نكَسها لم تصحَّ, كالأذان ــ وأَولى ــ وتوالي القراءة. فإن قطعها لأمر مشروع, مثل تأمينه على قراءة الإمام, أو سجوده لتلاوته, أو تنبيهه أو تنبيه غيره بالتسبيح, أو فتحه على الإمام, ونحو ذلك= بنى على قراءته، كما لو سكت ليستمع قراءة الإمام, وسواء طال ذلك (٣) أو قصر.
-
وإن كان لغير أمر مشروع وطال الفصل, أبطَلَ، سواء كان سكوتًا أو ذكرًا, إلا أن يكون لعذر, مثل نوم أو غفلة, أو انتقال إلى غيرها غلطًا. وإن لم يطُل الفصل لم تبطُل إن كان سكوتًا، وكذلك إن كان قراءةً أو دعاءً في أقوى الوجهين، لأنه يشترط (٤) فيه السكوت اليسير. وفي الأخرى: تبطل. قاله القاضي (٥) والآمدي, لأنه زاد فيها ما ليس منها عمدًا, فأشبه ما لو زاد في الصلاة. وإن نوى قطعها لم تنقطع. وإن سكت معه سكوتًا يسيرًا, ففيه وجهان, كالوجهين في الذكر اليسير.
- vol. 3, p. 753
وفي الفاتحة إحدى عشرة (١) تشديدةً, وفي البسملة ثلاث تشديدات: في اللام من اسم «الله» , والراءين من: «الرحمن الرحيم» . واللام من: «الحمد لله» (٢) , والباء من: «ربِّ» , والراءين من: «الرحمن الرحيم» , والدال من: «الدين» , والياءين من: «إياك» «وإياك» , والصاد من: «اهدنا الصراط المستقيم» , واللام من: «الذين» , والضاد واللام من: «الضالين» .
-
فإن ترك تشديدةً منها لم تصح صلاته عند كثير من أصحابنا, كما لو ترك حرفًا, لأنَّ الحرف المشدَّد حرفان: أولهما ساكن, وثانيهما متحرك, وإنما هما من جنس واحد. وقد يكونان متماثلين من أصلهما, كـ «ربِّ» و «الضالين» , وقد يكونان في الأصل متقاربين, كـ «الرحمن» و «الصراط» , وإنما قلبت لام التعريف من جنس ما بعدها, ثم أدغمت فيه. وقد يُكتَبان في الخطِّ حرفين على الأصل, وقد يكتبان حرفًا واحدًا؛ لأن الخطَّ له طريقة غير طريقة اللفظ.
وقال القاضي في «الجامع» وأبو الحسن الآمدي: تصح، لأنَّ الشَّدَّة صفة في الحرف, فأشبه الحركة من «إياك نعبد» , ولأنه ليس له صورة في الخطِّ، فليس بحرف.
-
وهذا يتوجَّه إن أراد بذلك تليينَ التشديد, فإنَّ الصلاة تصح معه اتفاقًا. وكذلك لو فكَّ الإدغامَ ونطَق بالأصل, مثل أن يقول: «الْرَحمن الْرَحيم»
- vol. 3, p. 754
بإظهار لام التعريف، لأنه لحنٌ لا يحيل المعنى.
-
فأمَّا إن تركَ الشدَّة بالكلِّيَّة، فإسقاطُ حرفٍ محقَّقٍ بلا ريب. وكونه ليس له صورة في الخط, إنما يصح في بعض الحروف المشددة. ثم المعتبر ما كان حرفًا في المنطق دون الكتاب (١) ، فإنَّ اعتبار الحرف فيه غير مؤثِّر طردًا ولا عكسًا, فإنَّ ألفات الوصل حروف [ص ٢٩٦] مكتوبة غير منطوقة, والمدَّات وبعضُ الهمزات منطوق غير مكتوب. وقد صرَّح من قال بهذا الوجه أنه لم يرد به تليينَ التشديد, بل حذفَ الشدَّة بالكلية. ذكره الآمدي وقال: تليين التشديد لا يختلف المذهب في صحة الصلاة معه.
-
فصل
ويستحب أن يقرأ قراءة مرتَّلة يمكِّن (٢) فيها حرفَ المدِّ من غير تمطيط, ويقف عند كل آية؛ لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: ٤] ولحديث أمِّ سلَمة (٣) وأنس (٤) .