مسألة: (ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

185 paragraphs · vol. 4, p. 50

Page 4 of 5

  1. وأما حديث عمران، فقد ذكر بعضُ الرواة أنه إنما أمره بقضاء يوم فقط (٣) ،

    vol. 4, p. 84فإن كان هذا هو الصواب، فلا كلام. وإن كان الصواب رواية الأكثرين، فقد حمله القاضي على ما إذا غُمّ هلالُ شعبان وهلال رمضان، فعُدَّ كلّ واحد من رجب وشعبان ثلاثين يومًا، وحصل صوم رمضان ثمانية وعشرين يومًا. قال: فيُعلَم أن الخطأ حصل بيومين من شعبان.

    vol. 4, p. 83
  2. وهذا الذي قاله يقتضي أنه [إذا] غُمّ هلال شعبان ثم غُمّ هلال رمضان ليلتين: أن يؤخذ بالاحتياط؛ لأنه يجوز أنه كان هلال شعبان تحت الغمام، فتكون الليلة التي يظن أنها تسع وعشرون من شعبان ليلة الثلاثين منه والسماء متغيّمة، فيُقْدَر له ويُصام، وأنه لو أكمل العدّتين وصام، ثم رأى الهلالَ بعد ثمانية وعشرين من رمضان: أنه يقضي يومين.

    وعلى قياسه لو (١) توالت ثلاثةُ أشهر أو أكثر مغيّمة. [ق ١٧] والأشبه ... (٢)

  3. وذكر في موضع آخر أن لا يُحكم بدخول شهر من الشهور بمجرّد الإغمام إلا شهر رمضان، كما لا يثبت بشهادة الواحد إلا رمضان خاصة.

    vol. 4, p. 85
  4. وأيضًا، فإن مَن حِيْلَ بينه وبين رؤية الهلال فإنه يعمل بالتحرّي والاجتهاد، أصلُه الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر فإنه يتحرّى، والتحرّي يوجب الصومَ، لأنه أحوط للشهر، ولأنه الأغلب.

  5. وأيضًا، فإن الصوم ثابت في ذمته بيقين، ولا يتيقّن براءةَ ذمته إلا بصوم [يوم] الإغمام، فصامه (١) ؛ لأن ما لا يتمّ الواجبُ إلا به فهو واجب، كما يجب عليه إمساك جزء قبل الفجر؛ لأنه لا يتمُ صوم اليوم إلا به، وكما لو كان عليه فوائت لا يعلم عددها، أو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينَها، أو أصاب ثوبَه نجاسةٌ جَهِل محلَّها، فإنه يلزمه فِعل ما يتيقّن به براءةَ ذمّتِه، كذلك هاهنا. ولأنه إغمام في أحد طرفي الشهر فأخذ فيه بالاحتياط كالطرف الثاني.

  6. والذي يدلّ على الأخذ بالاحتياط في أول الشهر: قبول خبر الواحد فيه، مع أنه لا يُقبل في سائر الشهور إلا شهادةُ اثنين، فلولا رعاية الاحتياط فيه لقيس على سائر الشهور.

  7. فإن قيل: في هذه الأصول المقيس عليها قد تَيقّن الوجوب، ولا تُتيَقّن البراءة من الواجب إلا بفعل الجميع، وهنا يُشَكّ في وجوب صوم ذلك اليوم، والأصل عدم وجوبه، والأصل بقاء شهر شعبان، فيجب العمل باستصحاب الحال، كما لو شَكّ في مقدار الزمان الذي فوّت صلاته، مثل أن

    vol. 4, p. 86يقول: لم أصلِّ منذ بلغت، ولا أدري هل بلغتُ مِن سَنة أو سنتين. أو شك في طَرَيان النجاسة على الثوب، وكما لو شك في طلوع الفجر ليلة النحر جاز الوقوف؛ لأن الأصل بقاء الليل، وكذلك لو شكّ في طلوع الفجر (١) ؛ فإنه يجوز له الأكل حتى يَتيقّن طلوعَه، وكما يَستصحِبُ الحالَ مع الصحو.

  8. قيل: وقد تيقّن وجوب صوم الشهر بكماله، وشكّ في هذا اليوم (٢) هل هو من الشهر أم لا؟ مع أن الأغلب أنه منه، وليس معه قرينه تنفي كونَه منه.

  9. وأما كون الأصل بقاء شعبان، فقد عارضه كونُ الغالب طلوع الهلال في هذه الليلة، وأن هذا الأصل متيقَّن الزوال، وإنما التردُّد في وقتِ زواله.

  10. ثم الفرق بين هذا وبين الأكل والوقوف مع الشكّ في طلوع الفجر: أنه قد وُجِد منه الإمساك هناك (٣) والوقوف، فلم تسقط العبادةُ بالبناء على الأصل، وهنا البناء على الأصل يُسقط صومَ يوم.

  11. وأيضًا، فإنّ إيجاب الاحتياط هناك فيه مشقّة عظيمة؛ فإن طلوع الفجر يخفى على كثير من الناس، وتفويت الحجّ أشقُّ وأشقّ، وليس في صوم يوم الإغمام مشقّة.

  12. وأيضًا، فإنه هناك يجوز الأكل مع قدرته على معرفة طلوع الفجر، كما جاء عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (٤) .

  13. ولو كانت السماء مُصْحية وأراد التغافل عن رؤية الهلال لئلا يصوم ذلك اليوم لم يجز، فعُلِم الفرق بينهما.

    vol. 4, p. 87
  14. ولأن الله سبحانه قال في الفجر: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة: ١٨٧] ، فعلّق الحكمَ بالتبيُّن (١) ، وقال هنا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} [البقرة: ١٨٩] ، فعلّق الحكمَ بنفس الهلال لا بمجرّد رؤيته.

  15. وأيضًا، فإن الصوم عبادةٌ مقدَّرة بوقت وجوبها، فوجبت مع الاشتباه، كالصلاة في آخر الوقت، والشكّ في آخر الشهر، وهذا لأنه إذا شكّ في (٢) تضايُق وقت الصلاة وجب عليه (٣) فعلُها حذَرَ الفوات، مع أن الأصل بقاء الوقت، فكذلك الصوم مثله سواء.

  16. فعلى هذا صوم يوم الغيم واجب في المشهور عند أصحابنا، ويتوجّه [أنه جائز لا واجب] (٤) .

  17. وأما الأحاديث المتقدّمة، فقد أجاب أصحابنا عنها أنها بين صحيح لا دلالة فيه، أو ظاهر الدلالة لكن في إسناده مقال ويقبل التأويل.

    قالوا: فكل موضع جاء فيه: «فأكملوا العدة» فالمراد به إكمال عدة

    vol. 4, p. 88رمضان؛ لأنه أقرب المذكورَين، ولأنه جاء مصرّحًا به في حديث أبي هريرة (١) من رواية مسلم (٢) التي إسنادها أصح الأسانيد: «فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا» . وفي رواية الترمذي (٣) التي صححها هو وغيره: «فعُدُّوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا» ، وكذلك في حديث ابن عباس: «فأكملوا العِدَّة ثلاثين يومًا ثم أفطروا» رواه أبو داود (٤) .

  18. ولأنّا قد قدّمنا (٥) عن أبي هريرة وعائشة وابن عمر أنهم أَمروا بصوم يوم الغيم، فلو كانت أحاديثهم تقتضي إفطار يوم الغيم، لم يخالفوا ما رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن مثل هذا لا يجوز أن يُنسَب الراوي فيه إلى نسيانٍ أو تأويل. وتأوّلوا أيضًا إكمالَ العِدّة على وجهٍ آخر سيأتي.

  19. فأما الأحاديث الظاهرة في إكمال عدة شعبان فأجابوا عنها بجوابين:

    أحدهما: القدح: أما حديث أبي هريرة فقال أبو بكر الإسماعيلي: قد رواه البخاري، عن آدم، عن شُعبة، فقال: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» .

    قال: وقد رُوّيناه عن غُنْدَر وعبد الرحمن بن مهدي وابن عُلَيَّة وعيسى بن يونس وشَبابة وعاصم بن عليّ والنضر بن شُميل ويزيد بن هارون وأبي (٦) داود وآدم، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحدٌ منهم «فأكملوا عدة

    vol. 4, p. 89شعبان ثلاثين». قال: وهذا يُجوِّز أن يكون من آدم، رواه على التفسير من عِنْدِه للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا مِن بين مَن رواه عنه و [من بين] سائر مَن ذكرنا ممن يرويه عن شعبة [وجه] ، ورواه المقرئ (١) ، عن وَرْقاء، عن شعبة على ما ذكرناه أيضًا (٢) .

  20. فإن قيل: هذه زيادة من الثقة فيجب قبولها.

    vol. 4, p. 90
  21. قلنا: هذا لا يصح لوجوه:
  22. أحدها: أن من لم يذكر هذه الزيادة عددٌ كثير لا يجوز على مثلهم في عددهم وضبطهم أن يُغفلوها ويضبطها واحدٌ [ق ١٨] لا يقاربهم في الفضل والضبط، وقد اخْتُلف عليه فيها، فرُوي أنه ذكرها، وروي عنه أنه تركها. وعلى هذا عامّة أهل الحديث وأكثر محققي أصحابنا، لاسيما وقرينة الحال تقتضي أنه روى الحديثَ بالمعنى الذي فهمه منه.

  23. الثاني: أن الزيادة إنما تُقبَل إذا زاد الواحد على لفظ الجماعة، أما إذا (١) غيَّر لفظ الجماعة، عُلم أنه خالف لفظَهم، ولم يزد عليهم، وسائر الجماعة رووا هذا الحديث: «فأكملوا العدة» ، وبعضهم قال: «فعدوا ثلاثين يومًا» ، ولا شكَّ أن هذا اللفظ لا يُزاد عليه شعبان إلا بتغييره، وحذف أداة التعريف، فمن قال: «عدة شعبان» ، لا يقال: إنه قد زاد على لفظ مَن قال: «فأكملوا العدّة» ، لكن خالف لفظُهُ لفظَهُ، وأما المعنى فقد يكون متفقًا، وقد يكون مختلفًا.

  24. الثالث: أن الروايات الصحيحة التي لا علة فيها عن أبي هريرة تُثبتُ أن المراد: أكملوا عدة رمضان ثلاثين يومًا كما تقدم، فتُحمل الروايات المطلقة على المفسَّرَة، وتكون هذه الرواية تفسيرًا من عند الراوي، كما شهد به عليه أهلُ المعرفة بعلل الحديث.

  25. الرابع: أنه تقدم عن أبي هريرة أنه كان يقول: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ مَن أن أفطر يومًا من رمضان» ، وأن عائشة أفتت بذلك وأقرّها عليه، فلو (١) سَمِع مِن فَلْقِ فيْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرًا صريحًا بإكمال عدة شعبان وابتداء الصوم بعدها في مثل هذا الخَطْب الذي لا يكاد يُغفَل ويُهمَل، بهذا اللفظ الذي لا يُعدَل عنه ويُتأوّل= لَمَا استجاز خلافَه.

    vol. 4, p. 91
  26. ونحن إذا قلنا: مخالفة الراوي للحديث لا يمنع الاحتجاجَ به، فإنا ننسب مخالفته إلى نسيانٍ أو اعتقاد نَسْخٍ أو تأويل، وهذه الاحتمالات مندفعة هنا.

  27. ثم لا ريب أن مخالفتَه علةٌ في الحديث تؤثّر فيه، فإذا اعتضد بمخالفته انفرادُ واحدٍ عن الأثبات بهذا اللفظ الذي فيه المخالفة، ومخالفته للفظ الجماعة؛ كَثُرَت الشهاداتُ القادحةُ في هذا اللفظ، فوُقِف (٢) .

  28. ويتوجّه فيه شيءٌ آخر، وهو أن اللفظ المشهور: «فإن غُبّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبانَ ثلاثين» وهذا يكون في حال الصحو، إذا تراءاه فغُبّي عليه ولم يره ولم يعرفه؛ لأنهم [يقولون] (٣) : غَبِيَ عليَّ الشيءُ، إذا لم يعرفه مع إمكان معرفته.

  29. وفي لفظ: «فإن غمّي عليكم الشهر» (٤) ، وهذا محتمل للصحو.

  30. وأما حديث ابن عباس، فقد رواه أبو داود: «فأتموا العدّةَ ثلاثين يومًا، ثم أفطروا» ، وهي زيادة محضة لا تخالف لفظ (١) المزيد كالزيادة الأولى (٢) .

    vol. 4, p. 92
  31. ورُوي أيضًا: «فأكملوا العِدّة عِدّةَ شعبان» (٣) ، وفي السياق ما يدلُّ على هذا المعنى.

  32. وهذا الاختلاف وإن لم يكن موهّيًا للحديث، فإنه نوعُ علّة فيه تحطّه عن درجة القوة، وتعرّضه للتأويل الذي يأتي.

  33. وأما حديث حذيفة مسندًا ومرسلًا، فقال أحمد: سفيان وغيره يقولون: عن رجل من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ليس (٤) قوله: «حذيفة» بمحفوظ.

  34. و (٥) قوله: «لا تصوموا حتى تكملوا العِدّةَ أو تروا الهلالَ» محمول على حال الصحو، وأكثر ما فيه تخصيص العام، وذلك جائز بالدليل.

  35. وأما الرواية المفسّرة فمدارها على الحجاج بن أرطاة، وضَعْفه مشهور، ثم هي مرسَلَة فلا تُعارِض المسند.

  36. وأما حديث عائشة (١) ، ففي إسناده معاوية بن صالح، وقد تُكلِّم فيه، والذي يضعّفه: أن المشهورَ عن عائشة أنها كانت تصوم هذا اليوم وتقول: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» . فكيف تروي الحديثَ في مثل هذا وتعمل بخلافه؟! وهذا علةٌ ظاهرة فيه.

    vol. 4, p. 93
  37. الجواب الثاني (٢) : تأويل أبي إسحاق بن شَاقْلا وابن حامد والقاضي وغيرهم، وهو أن تُحمَل الأحاديث في إكمال عدة شعبان على ما إذا غُمّ هلالُ رمضان وهلالُ شوال، فإنه هنا يجب إكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا، وإكمال عدّة رمضان ثلاثين يومًا، فيصوم، فيقدّر أنّ يوم الغيم لم يكن من رمضان حتى يصوم أحدًا وثلاثين يومًا، دلّ (٣) على ذلك: أن قوله: «فإن غُمّ عليكم» بعد (٤) الجملتين، فيعود إليهما جميعًا، ويكون فائدة الحديث التحذير من أن يُحتَسَب يوم الغيم من رمضان بكلّ حال، فيُبنى (٥) على ذلك تمام ثلاثين يومًا، فيفضي إلى فطرِ آخرِ يوم من رمضان، وهذا المعنى هو الذي قصَدَه عمرُ - رضي الله عنه - بقوله: «ليتّقِ أحدُكم أن يصوم يومًا من شعبان ويفطر يومًا من رمضان» . وكذلك أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قوله: «هذا اليوم يَكمُلُ لي واحد وثلاثون يومًا» (٦) ، ولعلّ يوم الشكّ واستقبال الشهر

    vol. 4, p. 94ونحوه إنما نُهِي عنه حذَرًا من هذا المعنى، فإنه يفضي إلى إفطار يوم من رمضان.

  38. وأما حديث يوم الشكّ (١) ، فالمشهور عند أصحابنا أن هذا ليس بيوم شكّ، كما تقدم مبيّنًا (٢) عن ابن عمر وغيره أنه كان يكره صوم يوم (٣) الشكّ، ولا يرى هذا يوم شكّ (٤) ، كما لو شهد به واحد، فإنه ليس بيوم شكٍّ، وإن كان كذبه ممكنًا، وكذلك هنا الظاهر أنه من رمضان، وإن كان الآخر محتملًا.

  39. وعلى قول مَن يسميه يوم شكّ لما فيه من التردّد باللفظ العام، فيُحمَل على الشكّ في حال الصحو؛ فإنه هو الذي يقع فيه الشكّ، واحتمال الرمضانية والاختلاف فيه مرجوح.

  40. يبيّن صحةَ هذا: أن يوم الشكّ يقع على أنواع: منها الشكّ في (٥) آخر الشهر، وصومه واجب بالإجماع، ومنها الشكّ إذا رآه الرجل أو أخبر به (٦) ثقةٌ عنده، فإنه يجبُ صومُه عليه دون غيره، ومنها الشكّ في الغيم، ومنها الشكّ في الصحو. [ق ١٩] والعمومُ ليس مرادًا قطعًا، فيُحمَل على الشكّ المعهود الذي جاء مفسّرًا في عدة روايات.