مسألة: (ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

185 paragraphs · vol. 4, p. 50

Page 5 of 5

  1. ثم عمار - رضي الله عنه - لم يحكِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظًا، وإنما ذكر أنه مَن صام يوم الشكّ فقد عصاه، وذلك يدلّ على أنه سمع منه نهيًا عن صوم يوم الشكّ في الجملة، أو فهم من قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» النهيَ عن صوم يوم الشكّ، فإنه ظاهرٌ في ذلك، أو سمع منه لفظًا غير ذلك، ففهم منه هذا المعنى.

    vol. 4, p. 95
  2. وفي الجملة، فقول الصاحب: نزَلَت هذه (١) في كذا، أو: هذا حُكْمُ الله ورسوله، أو: هذا مما حرّمه الله ورسوله، أو: مَن فعَل هذا فقد عصى أبا القاسم= محتمِلٌ؛ لأنه أخْبَر به عن فَهْم واعتقاد.

  3. ولهذا لم يروِه (٢) أحمدُ وأمثالُه في مسند الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان غيره من العلماء يُدخلون مثلَ هذا في الحديث المسند (٣) .

  4. ولم يصرّح عمار بأن يوم الغيم يوم شكٍّ، ولو صرّح به لَما كان الرجوع إلى ما فَهِمَه بأولى من الرجوع إلى ما رواه ابنُ عمر وفهمَه، وما قاله أبو هريرة وعائشة وغيرهما مع روايتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  5. قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية المرُّوذي، وقد سُئل عن نهي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم الشكّ، فقال: هذا إذا كان صحوًا (٤) لم يَصُم، فأما إن كان في

    vol. 4, p. 96السماء غيمٌ صام (١) .

  6. ونقل أبو داود (٢) عنه: الشكّ على ضربين: فالذي لا يُصام إذا لم يَحُلْ دون منظره سحابٌ ولا قَتَر، والذي يُصام إذا حال دون منظره سحابٌ أو قَتَر.

  7. ونقل الأثرم عنه: ليس ينبغي أن يصبح صائمًا إذا لم يَحُل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره (٣) .

  8. ويمكن جواب ثالث: وهو أن تُحمل الأحاديث في الصوم على الجواز والاستحباب، وتُحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيهما (٤) على مَن يجزم بأنه من رمضان ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقّن أنه منه، وعلى من يعتاض بصومه عن صومِ آخر يومٍ مِن رمضان كما نَهَى عنه عمر.

  9. فإن أحاديث الصوم تدلُّ على أن الناسَ كلَّهم لم يكونوا يصوموا (٥) يوم الغيم، وإنما كان يصومه جماعاتٌ من الصحابة والتابعين، ولم يجئ نصّ عن أحد منهم بأنه أنكر صومَ يوم الغيم، وكان عامة الناس لا يُؤمَرون بالصوم إلا بعد الرؤية أو إكمال العدة، وفي حديث ابن عمر أنه كان يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.

  10. وقولُه (١) وفعلُه يدلّ على أنه كان يرى هذا حسنًا لا واجبًا، وكذلك فِعْل معاوية، وقولُ غير واحد من الصحابة - رضي الله عنهم -: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» ، إنما يدلّ على الاستحباب.

    vol. 4, p. 97
  11. والقياس يقتضي صحةَ هذا القول، فإنّ إيجاب ما لم يُتيقّن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحرّي والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا (٢) .

  12. فصل

    وإذا أوجبنا صومَه ترتَّبَ عليه جميع أحكام الصوم، ولزم تبييت النية له، وتعيينها في إحدى الروايتين، نقلها الأثرم (٣) ، وفي الأخرى يكفي مطلق نية الصوم، رواها المرُّوذي وصالح، وفرَّق في رواية صالح (٤) بين الغيم وغيره، فإنه هنا لا سبيل لها إلى اعتقاد الرمضانية مع عدم العلم بخلاف غيره، واعتقادُ الفرضيّة على أحد الوجهين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

  13. ولو جامع فيه لزمَتْه الكفارة، ذكره القاضي؛ لأن مِن أصلِنا أنّ كلّ يوم واجب تجب الكفارة بالوطء فيه، سواء اتُّفِق في وجوبه وعُلم أنه من الشهر بطريق مقطوع أو لا.

    vol. 4, p. 98
  14. وهل تُصلَّى التراويح ليلتئذٍ؟ على وجهين (١) :
  15. أحدهما: لا تُصلى، وهو قول أبي حفص العُكبري والتميميَّيْن وابن الجوزي، والآثار إنما جاءت في الصوم، ولا يلزم من الاحتياط للصوم الواجب أن يُعلَّق به جميع أحكام (٢) الرمضانية، ولذلك لا يُعلَّق به انقضاءُ (٣) العِدَد والآجال في الديون وغيرها، ولأن الصلاة قبل تيقُّن دخول الوقت لا تجوز بخلاف الصوم؛ فإن الإمساك قبل دخول الوقت مشروع في الجملة.

  16. والثاني: تُصلى، وهو قول كثير من أصحابنا، منهم ابن حامد والقاضي وابنه، وهو أقْيَس.

    قال أبو الفرج بن الجوزي (٤) : وهو اختيار أكثر مشايخنا المتقدمين. قال (٥) : جرت هذه المسألة في زمن شيخنا، فصلى.

    قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الفضل بن زياد: القيام قبل الصيام؛ لأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله كتبَ عليكم صيامَ رمضانَ وسنَنْتُ

    vol. 4, p. 99لكم قيامَه، فمَن صامَه وقامَه ... » (١) .

  17. فقَرَن بين الصيام والقيام، ولا يَتيقّن أنه صام الشهرَ وقامَه حتى يقوم ليلةَ الإغمام.

  18. ولأنه لا فرق في الاحتياط بين الصيام والقيام، ولا يصح إلحاق هذا بسائر الصلوات؛ لأنها لا يتكرّر فعلُها قبل تَيقُّن دخول الوقت، يُخاف معه تفويتها في الوقت، بخلاف من يصلي تلك الليلة وسائر [ق ٢٠] الليالي، فإنه بمنزلة من يصوم ذلك اليوم وسائر الأيام.

  19. ولأنه قد تقدّم في خُطبة عمر أنه خطَبَهم ليلة الغيم وذكر الصيام والقيام.

  20. وأما إذا علَّق طلاقَ نسائه وعِتْق عَبِيده بدخول شهر رمضان، أو كان عليه دَين محلّه شهر رمضان، أو استأجر الدار شهر شعبان ونحو ذلك من الأحكام، فإنه لا يَحِلّ الدَّينُ ولا يقع الطلاقُ ولا تنقضي مدّةُ الإجارة في

    vol. 4, p. 100أصحّ الوجهين، وفي الآخر تثبت الأحكام التي بين الناس تبعًا لوجوب الصوم، كما تثبت شهادة الواحد تبعًا، وليس بجيد؛ لأن في ذلك إسقاطًا (١) لحقٍّ ثابت بمجرَّد الشكّ، وذلك لا يجوز، ولأن الصوم إنما وجب احتياطًا، وليس في حقوق الآدميين احتياط، ولأن الوقوع والحلول مما لا يتكرّر، وما لا يتكرّر لا يُشرَع فيه الاحتياط كالصلاة والوقوف، ولهذا لو شهد واحد بهلال رمضان وجب الصوم.

  21. وقد ذكر القاضي أبو الحسين (٢) : هل يُصام هذا اليوم حُكمًا من رمضان أم قطعًا؟ على وجهين: أصحهما حُكمًا، اختاره الخلال وصاحبه والخرقي والقاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى (٣) . قال الخلال: يُصام بعزيمة من رمضان في الحُكم، لا قطع عين في الحقيقة.

  22. والوجه الثاني: ذكر القاضيان أن بعض أصحابنا (٤) قال: يصوم قطعًا، وصاحب هذا الوجه إن أراد به أن يقطع النية، فهذا صحيح عند هؤلاء، كما أن الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر تحرَّى وصام جازمًا بالنية وإن لم يجزم بوجود المَنْويّ، وإن عَنى أنه يقطع بدخول الشهر، فلا وجه لهذا.

  23. ولو حلف أن الهلال تحت الغيم أو أنه لم يطلع، لم يحنث، كما لو حلف أن هذا الطائر غراب وطار ولم يعلم ما هو، ذكره القاضي. ويتخرّج: أن يحنث.

  24. ولو حلف ليفعلنّ كذا أول يوم من رمضان، فقال القاضي: لا يبرأ حتى يدخل يوم الإغمام والذي يليه؛ لأن كلَّ واحد من اليومين يحتمل أن يكون أول الشهر، فلا يبرأ إلا بالفعل فيهما، كما لو حلف ليفعلنَّ كذا عقب الصلاة التي في ذمته، وقد نسي صلاةً من خمس لا يعلم عينها، فإن عليه أن يفعله في عقب كلِّ صلاة ... (١)

    وعلى هذا: إذا غُمّ هلال سائر الشهور ... (٢)

    vol. 4, p. 101
  25. ولو نذر أن يصوم رجبًا أو شعبان، فغُمّ أوله، فقال ابن عقيل: قال أصحابنا: يلزمه أن يصوم يوم الإغمام؛ لأن النذور تُبنى على أصولها من الفروض.