مسألة: (وإن ترك القضاء حتى مات لعذر، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكينا، إلا أن يكون الصوم منذورا فإنه يصام عنه، وكذلك كل نذر طاعة)
96 paragraphs · vol. 4, p. 287
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 296
فهذه الرواية المطلقة منهم مَن يقول: «رجل» ، ومنهم من يقول: «امرأة» ، وأكثرهم يقول: «أمي» ، قد فُسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذرًا (٣) .
-
ورواية مَن روى شهرَين متتابعين كأنها وهم (٤) .
- vol. 4, p. 297
وعن عبيد الله بن عبد الله، عن (١) ابن عباس: أن سعد بن عُبادة سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن نذر كان على أمّه تُوفّيت قبل أن تقضيه، فقال: «اقْضِه عنها» رواه الجماعة (٢) .
-
[وفي لفظ] (٣) : استفْتَى سعدُ بن عبادة الأنصاري رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في نذرٍ كان على أمّه توفّيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقضه عنها» فكانت سُنّة بعدُ.
-
وعن عائشة قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن مات وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه» متفق عليه (٤) .
-
وعن بُرَيدة بن الحُصيب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتته امرأةٌ، فقالت: إني تصدّقت على أمّي بجارية وإنها ماتت. فقال: «وجَبَ أجرُك، وردَّها عليك الميراثُ» . فقالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» . قالت: إنها لم تحجّ قطّ، أفأحجّ عنها؟ قال: «حُجّي عنها» . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه (٥) .
- vol. 4, p. 298
وفي رواية لمسلم: صوم شهرين (١) .
-
فهذه الأحاديث نصوصٌ في أن النذر يُصام عن الميت، وظاهر بعضها أن جميع الصوم كذلك؛ لأن حديث عائشة عامٌ، وفي حديث بُريدة وبعض ألفاظ ابن عباس: أنها قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ فأمرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالصوم عنها، ولم يستفصل هل هو (٢) رمضان أو غيره، وذَكر معنًى يعمّ رمضانَ وغيرَه، وهو كونه دَينًا، فإنّ صوم رمضان دَين في ذمة مَن وجب عليه، ودَينُ الآدمي يُقضى عن الميت، فدَين الله أحقّ، وجمَعَ بينه وبين الحجّ في نسَقٍ واحد.
-
لكن هذه الأحاديث إنما هي على وجهها في النذر:
أما حديث ابن عباس فقد صرّح فيه بذلك، والمطلقُ منه محمول على المفسَّر، فإنه حديث واحد إسنادًا ومتنًا.
-
وكذلك حديث بُريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير، تُشعِر بأنه غير رمضان، لاسيما رواية من روى: «شهرين» .
-
والذي يدلّ على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يُقضى عنه، بل يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكينًا (٣) .
- vol. 4, p. 299
وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما، فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان لَمَا جاز لهما خلافه.
-
وليس الحديث نصًّا حتى يُعارَض بين الرأي والرواية.
-
وأما كونه دَينًا، فصحيح، لكن وفاء الدين مِن تركةِ الميّت ومالِه أولى من وفائه من بدن غيره، ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عينًا، وإنما وجب الصومُ مع القدرة والإطعامُ مع العجز، فصار الدّين عليه أحدَ شيئين.
-
وهذا الجواب يصلح عن قوله: «وعليه صيام» ، فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام، وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحدُ شيئين، وفيه نظر.
-
والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محلّه الذِّمّة، وقد وجب بإيجابه، وهو لم يوجب على نفسه إلا الصومَ فقط، فإذا فُعل عنه فقد أُدِّيَ عنه نفس ما أوجبه، ولو أُطعِم عنه لم يكن قد أُدِّي عنه الواجب.
-
ولهذا يصح أن (١) يَنْذُر ما يطيقُه وما لا يطيقُه، فإذا عجَزَ عنه فهو في عُهدته.
-
والصومُ إنما أوجبه الله سبحانه على بدَن المكلّف، فإذا عَجَز ففي ماله، فإذا عجَز عن الأصل انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه.
-
ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلا ما يُطِيقه، وكذلك كلّ صوم وجب بإيجاب الله، فإنه (٢) بدله الإطعام، وإن كان سبب وجوبه من المكلّف
vol. 4, p. 300كصوم الكفّارة، بخلاف النذر.
-
نصّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (١) فيمن مات وعليه صيامٌ مِن دم التمتع أو كفّارة يُطعَم عنه.
-
وكذلك نقل حنبلٌ عنه فيمن مات وعليه نذر صيام شهر، صام عنه، فإن مات وعليه صيام شهر من كفّارة، يُطعَم عنه، النذرُ فيه الوفاء.
-
وكذلك نقل المرُّوذيُّ صومَ السبعة (٢) .
-
فصل (٣)
-
ويُصام النذرُ عنه، سواء ترَكَه لعذر أو لغير عذر.
قال القاضي: أومأ أحمدُ إلى هذا في رواية عبد الله والميموني والفضل وابن منصور (٤) .
-
قال في رواية عبد الله (٥) في رجل مرض في رمضان: إن استمرّ المرضُ حتى مات ليس عليه شيء، فإن كان نَذْرٌ صامَ عنه وليُّه إذا هو مات.
-
لأن النذر محله الذمة، وهو أوجبه على نفسه ولم يشترط القُدْرة، والله سبحانه قد شرط فيما أوجبه على خلقه القدرة.
- vol. 4, p. 301
ولهذا قد يجب على الإنسان من الديون بفعلِ [ق ٦١] نفسِه ما يعجِز عنه، ولا يجب عليه بإيجاب الله عليه إلا ما يقدر عليه. ولهذا لو تكفَّل من الدّين بما لا يقدر عليه، لزمه (١) في ذمّته. وعلى هذا، فلا فرق بين أن ينْذُر وهو مريض فيموت مريضًا، أو ينْذُر صوم شهر ثم يموت قبل مضيّ شهر.
-
وقد ذكر القاضي في موضع من «خلافه» وابنُ عقيل: أنه لا يلزم أن يقضى عنه من النذر إلا ما أمكنه أن يفعله صحيحًا مقيمًا، اعتبارًا بقضاء رمضان.
-
فأما إذا نذَرَ الحجَّ وهو لا يجد زادًا ولا راحلة بعد ذلك؛ فقال القاضي: إن وجد في الثاني لزمه الحج بالنذر السابق، وإن لم يجد لم يلزمه، كالواجب بأصل الشرع، كما قلنا في الصوم سواءً.
-
فإن لم يكن له تَرِكَةٌ يُصام عنه منها لم يلزمه صومٌ ولا حجّ، ويكون بمنزلة مَن عليه دَين ولم يخلِّف وفاءً.
-
وهذا الصوم لا يجب على الولي، بل يُخيّر بين أن يصوم وبين أن يدفع إلى (٢) مَن [يُطعِم] (٣) عن الميّت عن كلّ يوم مسكينًا إن كان له تَرِكة، فإن لم يكن له ترِكَة لم يلزم الوارث. قاله القاضي في «خلافه» .
-
فعلى هذا لو تبرّع الوليّ أو غيره بالإطعام عنه دون الصيام [أجزأ] (٤) .
vol. 4, p. 302وقال في «المجرّد» وابنُ عقيل وغيرهما: هذا القضاء لا يلزم الورثة، كما لا يلزمهم أن يقضوا دينَه، وإنما الكلام فيه: هل يصح قضاؤه عنه؟
قال ابن عقيل: إذا قضَوا عنه صحّ لكنه لا يلزمهم القضاء، ويصوم (١) عنه الأقربُ فالأقربُ استحبابًا. قال أحمد: يصوم أقربُ الناس إليه ابنُه أو غيرُه. وقال أيضًا: يصوم عنه واحد.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا يختصّ القضاءُ بجميع الورثة، بل يصوم أحدهم، وهو الأقرب فالأقرب.
وهل تعتبر الولاية والقرابة؟ ... (٢)
-
فإن صام غيرُ الوليّ عنه بإذنه جاز، وإن صام بغير إذنه جاز أيضًا فيما ذكره القاضي، كما لو كان عليه دَين يصح أن يقضيه الوليّ وغيرُه.
وظاهرُ كلام أحمد ... (٣) قال في رواية حنبل: إذا نذَرَ أن يصوم شهرًا، فحِيْل بينه وبين ذلك مِن مرض أو علّة حتى يموت، صام عنه وليُّه النذرَ، وأطعم لكلّ يوم مسكينًا لتفريطه.
-
وإن عجَزَ عن الصوم المنذور لكبر أو مرض لا يرجى بُرْؤه فقال: لا يمتنع أن نقول: يصحّ الصومُ عنه كما نقول في الحج إذا عجَزَ عنه في حال الحياة: يحجّ عنه.
vol. 4, p. 303وقال الخِرَقي (١) : يُطعَم عنه ولا يُصام عنه.
-
وعلى هذا، فلا كفّارة فيه.
-
والمنصوص عن أحمد: وجوب الكفّارة والإطعام؛ لأن التعيينَ قد فات. وقيل: ليس فيه إلا كفّارة يمين فقط. (٢) وإن نذرَ الصومَ في حال الكبر واليأس من البرء، فقيل: لا ينعقد نذرُه.
-
وظاهر المذهب أنه ينعقد موجِبًا لِما يجب إذا نذر ثم عجَزَ عن الكفّارة والإطعام أو عن أحدهما.
- فصل (٣)
- وإذا صام عنه أكثرُ من واحد في يوم:
-
فقال أحمد في رواية أبي طالب، وقد ذُكِر له فيمن كان عليه صوم شهر: هل يصوم عشرةُ أنفسٍ شهرًا؟
فقال: طاووس يقول ذلك (٤) . قيل له: فما تقول أنت؟ قال (٥) : يصوم واحد.
vol. 4, p. 304قال القاضي: فمَنَع الاشتراك، كالحَجّة المنذورة تصحّ النيابةُ (١) فيها مِن واحد ولا تصح من الجماعة.
وقال بعضُ أصحابنا (٢) : يجوز أن يصوم عنه جماعةٌ في يوم واحد، ويجزئ عن عدّتهم من الأيام. وحَمَل كلامَ أحمد على نذرٍ مقتضاه التتابع؛ لأن لفظ الشهر في إحدى الروايتين يقتضي التتابع.