مسألة: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار، أو مضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل، أو قطر في إحليله، أو احتلم، أو ذرعه القيء، لم يفسد صومه)
112 paragraphs · vol. 4, p. 374
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 383
والثاني: لا يفطر. وهو ظاهر كلامه، فإنه نصَّ على الفرق بين النُّخامة والبصاق إلا إذا ابتلعها، لا فرق بين أن يقتلعها من جوفه أو تخرج بنفسها ثم يزدردها عمدًا.
-
والريق لو اجتمع بنفسه ثم ابتلعه عمدًا لم يفطِّره (٤) قولًا واحدًا.
- vol. 4, p. 384
وجَمْعه هو ليس مفطِّرًا؛ لأن حصول المفطِّر (١) في الفم لا يوجب الفطر، لم يبق إلا مجرّد ازدرادها، وذلك أيضًا لا يفطِّر، كما لو اجتمعت بنفسها فازدردها عمدًا.
-
وإن أخرج (٢) لسانَه وعليه ريق فأبرزه عن شفتيه، ثم أعاده وابتلعه، لم يفسُد صومُه بذلك. قاله القاضي وابن عقيل وعامة أصحابنا. لأنه بَلَلٌ متّصل به، فلم يفطّره كما لو بقي في الفم.
-
وحُكي عن ابن عقيل أنه يفطِّر (٣) . وهو غلط عليه، وإنما قال فيمن أخرج ريقَه إلى شفتيه ثم ازدرده أفطر؛ لأنه [صار بخروجه عن فمه في حكم الظاهر] (٤) .
-
وإن انفصل الريقُ عن فِيه إلى ثوبه أو يده ونحو ذلك، ثم أعاده إلى فِيه وازدرده، أفطر. فيما (٥) ذكَرَه بعضُ (٦) أصحابنا؛ لأنه (٧) يمكنه الاحتراز منه، ولأنه ابتلعه من غير فمه، فأشبه ما لو ابتلعَ غيرَه، حتى قال ابن عقيل وغيره: إن خرج ريقُه إلى شفتيه ثم ازدرده أفطر؛ لأنه صار بخروجه عن فمه في
vol. 4, p. 385حكم (١) الظاهر.
وإن تعلّق بخيط أو غيره ... (٢)
-
وإن كان في فمه حصاة أو درهم، فأخرجه وعليه بلَلُ (٣) ريقِه، ثم أعاده وابتلعَ بعد ذلك ريقَه؛ فقال ابن عقيل: يفطر بابتلاع الريق الذي كان على ذلك الجسم؛ بخلاف ما لو أخرج لسانه وعليه الدرهم ثم أعاده، لم ينبغي أن يفطر هنا.
وقال غيره من أصحابنا: إن كان عليه من الريق كثيرًا أفطر، وإن كان يسيرًا لم يفطر؛ لأنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه، فلا تفطره، كآثار المضمضة والسواك الرَّطْب.
-
ومثل هذا أيضًا لو أدخل إلى فِيه حصاةً مبلولة بماء أو نحوه، أو مصّ لسانَ غيره ونحو ذلك مما يكون عليه رطوبة يسيرة، ففيه الوجهان المذكوران.
-
ولو تعلّق بصاقُه بخيط ونحوه ثم أعاده إلى فمه (٤) ، فينبغي أن يخرَّج على هذين الوجهين.
- vol. 4, p. 386
وإن كان للخيط طعم؛ قال عبد الله (١) : سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط؟ [فقال:] يعجبني أن يتبزَّق.
-
وجعل بعضُ أصحابنا التبزّق (٢) لما يجده من طعم الخيوط.
-
والأظهر أن التبزّق لِمَا [ق ٧٥] يصير على الخيط من الريق، ثم يعود إلى فمه، لأنه نصّ على أن وضع الدينار (٣) والدرهم في الفم لا بأس به ما لم يجد طعمَه.
-
وإن ابتلع نُخامة من صدره أو رأسه، فإنه يُكره. وهل يفطر؟ على روايتين:
إحداهما (٤) : يفطر.
قال في رواية حنبل: إذا تنخّم الصائم ثم ازدرده، فقد أفطر، فإن بلع ريقَه لم يفطر؛ لأن النُّخامة تنزل من الرأس، والريق من الفم، فبينهما فرق.
-
ولو أن رجلًا تنخّع من جوفه، ثم ازدرده، فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه، وكان بمنزلة مَن أكل شيئًا.
-
ولا ينبغي أن يتنخّع ويقلع مِن جوفه بلغمًا أو غيره، إلا أن يغلبه أمرٌ فيقذفه ولا يزدرده، فقد نصّ على الفطر بنخامة الرأس والصدر، وجعل
vol. 4, p. 387نخامة الصدر بمنزلة القيء لا يتعمّد إخراجها إلا أن يُغلَب، وهذا لأنه خارج من البطن (١) أمكن التحرّز من عَودِه، فأفطر به، كالقَلَس والدم.
-
والثانية: لا يفطر. قال ابن عقيل: وهي أصحهما.
قال في رواية المروُّذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعتَ النخاعةَ وأنت صائم، إلا أنه لا يعجبني أن يفعل.
-
والنخاعةُ إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام، فلا بأس، وإن استقاء حتى يخرج الطعام، فعليه القضاء.
ونقل أبو طالب ... (٢)
فقد نصّ على أن النخاعة لا يفطّر ابتلاعُها مطلقًا، وبيَّن أن التي تخرج من الصدر لا يُفْطِر بخروجها، إلا أن يَخْرُج (٣) الطعامُ فيكون قيئًا، وهذا ... (٤)
-
وذكر ابن أبي موسى (٥) : أن الروايتين في نخامة الصدر، فأما التي من الرأس، فيُفْطِر روايةً واحدة، والفرق بينهما أن التي من الصدر بمنزلة البصاق، بخلاف التي من الرأس.
- vol. 4, p. 388
فأما القَلَس إذا خرج ثم عاد بغير اختياره، لم يفطِر (١) ، وإذا ابتلعه عمدًا فإنه يفطر. نصّ عليه في رواية صالح (٢) : إذا ابتلع القَلَسَ أعاد صومَه، وأما في الصلاة، فإن كان بقَدْر ما يكون في الأسنان (٣) ، فأرجو أن لا يكون عليه قضاء الصلاة.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه فرّق (٤) بين الصلاة والصيام في القَدْر اليسير ولم يعفُ عن ذلك في الصيام (٥) ، وكذلك لو جَرَح فمَه فسال دمُه. كذلك ما يبقى بين الأسنان من خبز أو لحم أو سويق ونحو ذلك، إذا أمكنه أن يلفظه فابتلعه ذاكرًا لصومه، أفطر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
قال ابن أبي موسى (٦) : إن بقي بين أسنانه مِن طعامه (٧) ما يَعلم به ويقْدِر على لفظه فازدرده، أفطر، وإن كان لا يعلم به، فجرى به الريقُ (٨) عن غير قصد (٩) فازدرده، لم يفطر.
-
وإن أصبح وهو في فِيه فلَفَظَه، لم يفطر.
- vol. 4, p. 389
فأما ما يجري به الريق وهو ما لا يتميّز عن الريق، فإنه لا يُفطِر به؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقّة، وهو التبزّق.
-
وإذا تنجّس فمه بالقيء أو الدم ونحوهما، أو بشيء من خارج، وابتلع ريقَه، لم يفطر بابتلاع الريق وإن كان نجسًا، إلا أن يكون معه جزء من النجاسة يمكن لفظُه؛ لأن ما يجري به الريقُ لا يُفْطِر به، كأثر المضمضة وأثر الطعام، إلا أن يكون قد وضَعَ النجاسةَ في فمه عمدًا.
-
فصل (١)
-
وما يوضع في الفم من طعام أو غيره لا يفطّر؛ لأن المضمضة جائزة بالسنة المستفيضة، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه كانوا يتمضمضون في وضوئهم وهم صيام.
-
وقد قال للقيط بن صَبِرة: «وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢) فأمره بالاستنشاق مع الصوم دون المبالغة فيه (٣) .
-
وقد ضَرَب لعمر المثلَ بالمضمضة في أنها لا تفطِّر الصائم (٤) .
ولما روى ... (٥) : أن أسامة دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد شُجّ، ودمُه يسيل، فجعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يمصّ الدَّمَ عن شَجّته (٦) .
- vol. 4, p. 390
والدمُ محرّم أكله، ولم يكن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإدخاله (١) الدمَ إلى فمه بآكِل ولا منهيّ عنه في هذه (٢) الحال.
-
فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضرّه، لكن يُكره ذلك إذا لم تَدْعُ إليه حاجةٌ؛ لأن فيه (٣) حومًا حول الحمى.
-
فأما إن كان لحاجة، مثل أن يذوق طَعْم القِدْر أو خَلًّا ونحوه مما يريد شراءه، أو يمضغ الخبزَ للصبي ونحو ذلك، ففيه روايتان:
إحداهما (٤) : يكره.
قال في رواية حنبل: عن عكرمة، عن ابن عباس: لا بأس أن يذوق الصائمُ الخلَّ والشيءَ الذي يريد شراءَه ما لم يدخل حلقَه (٥) .
- vol. 4, p. 391
ومنصور، عن الحسن: أنه كان يمضغ الجوزَ والشيءَ لابنه (١) وهو صائم (٢) .
قال أبو عبد الله: أَحَبُّ إليَّ أن يجتنب الصائمُ ذوقَ الشيء، فإن فَعَل لم يضرّه ولا بأس به. وهو (٣) اختيار أبي الخطّاب (٤) .
-
والثانية: لا يكره.
قال في رواية أبي الحارث (٥) : يُمضَغ للصبيّ الخبزُ في شهر رمضان ضرورةً.
-
وهذا قول أبي بكر وابن عقيل.
وقال القاضي: إذا (٦) كان الشيءُ الذي يذوقُه مما يتحلَّل إلى حلقه مثل الخلّ وغيره من الأشياء، مُنِع من ذلك. وإن كان مما لا (٧) يتحلَّل غالبًا كالخبز والقثّاء ونحو ذلك، جاز له ذلك.
- vol. 4, p. 392
فإن فعَلَ فوجَدَ طعمَه في حلقه (١) أو نزل إلى جوفه بغير اختياره، فقال أبو بكر: لا يضرُّه (٢) ما لم يبلَعْه أو يزْدَرِدْه متعمّدًا، وعلى الغلبة لا قضاء عليه.
وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم، وإن ذاقه ثم لفَظَه (٣) ؛ لأنه يَعلم أنه قد تحلّل (٤) إلى حلقه منه شيءٌ، بخلاف ما إذا لم يجد طعمَه في حلقه، وبخلاف العِلْك الذي يَصْلُب بالعَلْكِ، فإن الريق [ق ٧٦] يتميّز عنه ويأخذ الطعمَ منه، وهذه المَذُوْقات لا يتميّز الريقُ منها. وأكثرُ كلام أحمد على هذا، ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر.
-
فأما وضْعُ ما لا طعم له فلا يكره.
قال في رواية المرُّوذي: إذا وضع الصائم في فمه دينارًا أو درهمًا (٥) وهو صائم، أرجو أن لا يكون به بأس ما لم يجد طعمَه، وما وجد طعمَه لا يعجبني.
قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله، فأما الذهب، فلا طعم له في نفسه، ولو كان له طَعْم (٦) ، فإنه لا يتحلَّل منه شيء إلى الفم.
- vol. 4, p. 393
وإذا وجَدَ طعمَ الدرهم والدينار، ففيه وجهان على ما ذكره القاضي (١) .
-
فأما ما يبقى في الفم مِن أجزاء الماء في المضمضة، فإنه لا يُفَطِّر بوصوله إلى جوفه وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق، ولا يستحبّ إخراجه.
فأما ما يبقى (٢) من أثر المذوق ... (٣)
-
ويكره للصائم مضغ العلك، وهو الموميا (٤) واللبان، الذي كلما علَكَه (٥) قوِيَ وصَلُب ولم يتحلَّل (٦) منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه، وهو يحلب الفمَ ويجمع الريقَ فيه ويورث العطشَ.
-
وجمعُ الريقِ وبلْعُه مكروه، ولا يفطّر باجتماع هذا (٧) الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك. قاله القاضي وغيره من أصحابنا.
-
وذكر ابنُ عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمعَ الريقَ وبلَعَه. فإن ابتلع الريقَ فوجد طعم العلك في حلقه، فقد قال أحمد فيما إذا وَجَد طعمَ الدينار: لا يعجبني. وهذا مِثْله، وفيه وجهان:
vol. 4, p. 394أحدهما: أنه يفطر.
قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعمَ في حلقه» ، فأفطر كما لو وجد طعم الكُحْل (١) وأولى، ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج، فإذا بلَعَه فقد بلع (٢) جسمًا له طَعْم فيفطر، كما لو مزج ريقه بخلٍّ ثم بلَعَه (٣) .
-
والثاني: لا يفطر. لأن الطعم عَرَض، وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام، وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجلَه في الماء فوجدَ بردَها، وكما لو لطَخَ رجلَه بالحنظل فوجد طعمَه في فِيه، فإنه لا يفطر.