مسألة: (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد، فله فعل ذلك في غيره، إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام لزمه، وإن نذره في مسجد المدينة فله فعله في المسجد الحرام وحده، وإن نذره في المسجد الأقصى فله فعله فيهما)

87 paragraphs · vol. 4, p. 626

Page 2 of 3

  1. وذكر حنبل مثل حديث عَمْرة عن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل الاعتكافَ إذا صلى الغداة» . فيدخل المعتكَفَ قبل غروب الشمس، فيكون يبتدئ ليلة ويخرج منه إلى المصلى.

    vol. 4, p. 636وقال في رواية أبي طالب: إذا أراد أن يعتكف دخل من صلاة المغرب، فيعتكفُ اليومَ والليلةَ، قلت: ما تقول أنت؟ قال: إن قال: أيام، اعتكف من صلاة الفجر؛ إنما ذَكَر الأيام، وإن كان يريد الشهرَ، فمن صلاة المغرب من أول الشهر؛ إنما هو زيادة خير. قال أبو بكر: وبهذا أقول.

    vol. 4, p. 635
  2. ويدلُّ على ذلك ما روى أبو سعيد قال: اعتكفنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشرَ الأوسطَ من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين. قال: فخطَبَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صبيحةَ عشرين، فقال: «إني رأيتُ ليلةَ القدر، وإني أُنْسِيتها، فالتموسها في العشر الأواخر في وتر؛ فإني رأيتُ أني أسجد في ماءٍ وطين، ومَن كان اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليرجع» . فرجع الناس (١) إلى المسجد، وما نرى في السماء قَزَعة. قال: فجاءت سحابةٌ فمَطَرَت، وأقيمت الصلاة، فسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطين والماء، حتى رأيتُ الطينَ في أرنبته وجبهته. رواه البخاري (٢) .

  3. وفي لفظ له (٣) : «من كان اعتكف معي، فليعتكف العشرَ الأواخرَ، فقد رأيت هذه الليلة ثم أُنْسِيتها» .

  4. فقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن من اعتكف العشر الأواخر فإنه يعتكف ليلة إحدى وعشرين.

  5. وعنه: فيمن يعتكف العشر: أنه يدخل بعد صلاة الصبح أو قبل طلوع الفجر على [ق ١١٩] الروايتين في اليوم.

  6. وقد ذكر ابنُ أبي موسى (١) روايةً فيمن أراد اعتكاف شهر: أنه يدخل قبل طلوع الفجر من أوله. وسيأتي إن شاء الله.

    vol. 4, p. 637
  7. فإن قيل: فقد رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجرَ ثم دخل معتكَفَه، وأنه أمر بخبائه فضُرِب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه (٢) .

  8. قلنا: قد أُجِيب عن ذلك بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أن يعتكف الأيام لا الليالي، ويشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون دخولُه معتكفَه صبيحةَ العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين، فإنه ليس في حديث عائشة أنه كان يدخل معتكفَه صبيحةَ إحدى وعشرين، وإنما ذَكَرَت أنه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر، مع قولها: «إنه أمر بخبائه فضُرِب، ثم أراد الاعتكافَ في العشر الأواخر» ، والعشرُ صفة لليالي لا للأيام، فمحالٌ أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها، وإنما يكون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف، وقد ذكرَتْ أنه (٣) اعتكف عشرًا قضاء للعشر التي تركها، وإنما يقضي عشرًا من كان يريد أن يعتكف عشرًا.

  9. وفي حديث أبي سعيد: «إنه لما كان صبيحة عشرين أمر الناس بالرجوع إلى المسجد» ، فقد عُلِم من عادته أنه (٤) يدخل إلى (٥) المعتكَفِ نهارًا،

    vol. 4, p. 638يستقبل العشرَ الذي يعتكفه، ويؤيد ذلك أنه لم يكن (١) يدخل معتكَفَه إلا بعد صلاة الفجر، وقد مضى من النهار جزءٌ، مع أنه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يصلي ركعتي الفجر في بيته، وهذا لا يكون مستوعبًا للنهار أيضًا.

  10. وذكر (٢) القاضي فقال: يحتمل أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين استظهارًا ببياض يوم زيادة قبل دخول العشر الأواخر، وقد نُقِل (٣) هذا عنه.

  11. فروت عَمرةُ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يجاورَ جاورَ (٤) صبيحةَ عشرين من رمضان» (٥) . فثبت أن الأمرَ على ما تأوّلناه (٦) .

  12. فصل (٧)

  13. ومَن نذَرَ اعتكافَ ليلة، لم يلزمه يومُها، وإن نذَرَ اعتكافَ يوم، لم تلزمه ليلتُه.

    vol. 4, p. 639قال في رواية علي بن سعيد: وقيل له: مالكٌ يقول: إذا نذر أن يعتكف ليلةً، فعليه أن يعتكف يومًا وليلته. فقال (١) أحمد: هذا خلاف ما أوجبه على نفسه.

  14. وعليه أن يعتكف يومًا متصلًا أو ليلة متصلة، وليس له أن يفرّق الاعتكاف في ساعات من أيام؛ لأن اليوم المطلق عبارة عن بياض نهار متصل، وكذلك الليلة المطلقة عبارة عن سواد ليلة متصلة.

  15. فإن قال: عليَّ أن أعتكف يومًا من وقتي هذا، وكان في بعض نهار، لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله، ويدخل فيه الليل؛ لأنه مِن نَذْرِه، وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه.

  16. فإن كان المنذور ليلة، دخل معتكفَه قبل الغروب، ويخرج (٢) منه بعد طلوع الفجر الثاني.

  17. وإن كان يومًا، لزمه (٣) ــ إذا قلنا: ليس من شرط الاعتكاف الصوم ــ أن يدخل معتكفَه قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن اليوم والليلة يتعاقبان، وآخر الليلة طلوع الفجر، فهو أول اليوم، هذا هو المشهور من المذهب.

  18. وروي عنه: يدخل معتكفَه وقت صلاة الفجر، ويخرج منه بعد غروب

    vol. 4, p. 640الشمس، لحديث عائشة المتقدِّم، ولأن اليوم (١) المُحَقَّق إنما هو من طلوع الشمس، وقبل ذلك مشترك بين اليوم والليلة، فقد يتبع هذا تارة ويتبع هذا تارة.

  19. وإن نذَرَ اعتكافَ شهرٍ بعينه، دخل معتكفَه قبل غروب الشمس من أول ليلة من الشهر، فإذا طلع هلالُ الشهر الثاني، خرج من معتكفه. فإن طلع الهلالُ نهارًا، لم يخرج من الاعتكاف في المشهور عنه، بناء على الاحتياط في الهلال المرئي نهارًا، وعلى أنه للمستقْبَلَة بكلّ حال، وإن قلنا: هو للماضية، خرج. هذا هو المنصوص عنه المشهور عند أصحابه.

    قال ابن أبي موسى (٢) : وقيل عنه فيمن أراد اعتكاف شهر: إنه يدخل معتكفَه قبل طلوع الفجر من أوله، ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخره.

  20. ووجه هذا من (٣) حديث عائشة: أنه بنى على أن الاعتكافَ لا يكون إلا بصوم، وإنما يصحّ في الليل تَبَعًا للنهار، و (٤) أول ليلة من الشهر ليس بصائم (٥) ، فلا يبتدئ الاعتكافَ في وقتٍ لا يصلح للصوم.

  21. وإن قيل: إن الصوم فيه (٦) مستحبّ، فقد يقال: يُحْمَل القصدُ والنذر

    vol. 4, p. 641على الوجه الأحسن الأكمل (١) ، وهو ما فيه صوم، وإن كان شهرًا مطلقًا ... (٢)

  22. وإن نذَرَ اعتكافَ عشرة أيام متتابعة إما مطلقة أو (٣) معينة؛ فذكر أبو بكر وابن عقيل فيها روايتين:

    إحداهما (٤) : وهي الصريحة: أنه لا يدخل فيه (٥) الليلةُ الأولى، كما نقله أبو طالب، وهي اختيار أبي بكر وابن عقيل والقاضي أخيرًا. وفرَّق أحمدُ وأبو بكر بين الأيام والشهر، سواء كانت الأيام معيَّنة أو مطلقة.

  23. والرواية الثانية: يدخل أول ليلة على وجه التَّبَع؛ لأن الأيام تُذَكَّر ويدخل فيها الليالي، [ق ١٢٠] وليست صريحة.

  24. وذكر القاضي عن أصحابنا طريقين:
  25. أحدهما: لا تدخل الليلة الأولى لا في المطلقة ولا في المعيَّنة. على رواية أبي طالب والأثرم، وهذا اختياره في «خلافه» (٦) .

  26. والثانية: تدخل (٧) ، وهي قوله في «المجرَّد» .

    vol. 4, p. 642وقال القاضي في «المجرد» وابنُ عقيل: إن عيَّن أيامًا من الشهر، مثل أن يقول: أعتكفُ العشرَ الأواخر من رمضان، أو عيَّن (١) نذرًا نذرَه أو تطوَّع به، فهذا يلزمه أن يدخل ليلة الحادي والعشرين، لأن الليلةَ تابعةٌ ليومها، فلزمه أن يأتي بالتابع كالليالي التي تتخلل الأيام، وإن لم يعينها من شهر بعينه، وهو أن يقول: اعتكاف عشرة أيام، فههنا هو عبارة عن أول اليوم.

    قال: وعلى هذا يُحْمَل كلامه في رواية أبي طالب والأثرم.

  27. وإن قال: عليَّ أن أعتكف هذه العشر أو العشر الأواخر من رمضان، فعلى ما ذكره القاضي هو مثل أن يقال: هذه الأيام. حتى قال في «خلافه» : لو نذر اعتكاف عشر بعينه، كالعشر الأواخر من رمضان، لم تدخل ليلةُ العشر فيه. وغيره: تدخل الليلة هنا، وإن لم يدخل في لفظ الأيام.

  28. وإذا نذرَ اعتكافَ العشر، لم يكن له أن يخرج إلى هلال شوال. ذكره القاضي. وإن كان العشر عبارة عن الليالي؛ لأن بياض نهار كلِّ يوم يدخل في ليلته، ويجزئه، سواء كان الشهر تامًّا أو ناقصًا؛ لأنه إذا أُطْلِق العشر، إنما (٢) يُفْهَم منه ما بين العشر الأوسط وهلال شوال.

  29. ولو نذَرَ اعتكافَ عشرٍ مطلق أو عشرة أيام، لم يجزئه إلا عشرة تامة، فإذا اعتكف العشر الآخر من رمضان وكان ناقصًا، لزمه أن يعتكف يوم العيد.

    وإذا نَذَر عشرًا مطلقًا، أو عشر ليال، فهل يلزمه بياض اليوم الذي يلي آخر ليلة؟ ... (٣)

  30. فصل (١)

    vol. 4, p. 643
  31. وإذا نَذَر اعتكافَ شهر مطلق، أجزأه ما بين الهلالين وإن (٢) كان ناقصًا.

    وإن كان شرع في أثناء شهر (٣) ، لزمه استيفاء ثلاثين يومًا، فإن شرع في أثناء يوم ... (٤)

  32. وإن قال: ثلاثين يومًا، لم يجزئه إلا ثلاثين، فإذا (٥) كان ناقصًا فعليه يوم آخر.

  33. وإذا نذَرَ اعتكافَ شهرٍ، لزمه أن يعتكف شهرًا متتابعًا، سواء قلنا فيمن نذر صوم شهر يلزمه التتابع أم لا. قاله القاضي وأصحابه؛ لأن الاعتكاف يصحّ بالليل والنهار، فاقتضى التتابع، كمدة الإيلاء والعُنَّة.

    وإذا حلف لا يكلِّمه شهرًا وعليه الصوم ... (٦)

  34. ومن أصحابنا من خَرَّج في هذه المسألة وجهين قياسًا على مَن نَذَر أن يصوم شهرًا: هل يلزمه التتابع أو يجوز له التفريق؟ على روايتين؛ لأنها عبادة يجوز فعلها (٧) متتابعةً ومفرَّقةً، فأشبهت الصومَ، والأول أجود؛ لأنه لو نذر

    vol. 4, p. 644اعتكاف عشر (١) ، لزمه متتابعًا، وإن جاز تفريقه فكذلك الشهر.

  35. وإذا نذر اعتكاف ثلاثين يومًا، فقال القاضي: يلزمه التتابع كما يلزمه في الشهر، كما لو حلف لا يكلِّمه عشرةَ أيام.

  36. فعلى هذا إن نذر اعتكاف ليلتين، فقال: يحتمل أن يلزمه ليلتان ويوم.

    وقال أبو الخطاب (٢) : يجوز أن يفرقهما (٣) ، وإن أوجبنا التتابُعَ في لفظ الشهر؛ لأن أحمد فرَّق بين اللفظين في نذر الصيام (٤) ؛ فقال في رواية ابن الحكم في رجل قال: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيام: يصومها متتابعًا. وإذا قال: شهرًا، فهو متتابع، وإذا قال: ثلاثين يومًا، فله أن يفرِّق.

  37. فعلى هذا: إن (٥) نذر اعتكاف عشرة أيام، تلزمه متتابعةً كما يلزمه الصوم.

    وقال ابن عقيل عن أحمد: الفرق بين الأيام والشهر، فأوجب التتابع في الشهر دون الأيام.

  38. وزعم القاضي أنه لا فرق بين ثلاثين يومًا وعشرة أيام. قال: ولعله سهو من الراوي. وليس كما قال؛ لأن عدول الحالف عن لفظ (شهر) إلى لفظ (ثلاثين يومًا) مع أنه أصل، وهو خلاف المعتاد، دليلٌ على أنه أراد معنًى

    vol. 4, p. 645يختصّ به، بخلاف لفظ عشرة أيام، فإنه ليس لها إلا لفظ واحد.

  39. والمطلق في القرآن من الصوم محمول على التتابع، فكذلك في كلام الآدميين.

  40. وإذا وجب التتابعُ، لزمه اعتكاف الليالي التي تتخلل الأيام، فأما ليلة أول يوم فلا تلزمه، مثل أن يقول: لله عليَّ اعتكاف يومين. فتجب الليلة التي بينهما دون التي قبلهما، هذا هو المشهور. وعلى الرواية المذكورة قيل: تجب الليلة التي قبل.

    قال ابن عقيل: ويتخرّج وجوب يومين بلا ليلة أصلًا، كما لو أفرد؛ لأن ليلة اليوم الأول لما لم يلزم أن تدخل في اعتكافه، كذلك ليلة اليوم الثاني.