مسألة: (يجب الحج والعمرة مرةً في العمر على المسلم العاقل البالغ الحرِّ).
94 paragraphs · vol. 5, p. 6
Page 1 of 3
- vol. 5, p. 6
في هذا الكلام فصول:
أحدها
أن الحج واجب في الجملة، وهو أحد مباني الإسلام الخمس، وهذا (٢) من العلم المستفيض الذي توارثته الأمة وتناقلته (٣) خلفًا عن سلف. والأصل فيه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . وحرف «على» للإيجاب، لا سيما إذا ذُكِر المستحق فقيل: لفلان على فلان. وقد أتبعه بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: ٩٧] ليبين (٤) أن من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وَضَع البيت وأَوجَب حجَّه ليشهدوا منافع لهم، لا لحاجةٍ به (٥) إلى الحجّاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويُعظِّمه، لأن الله غني عن العالمين.
-
وكذلك قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} على أحد التأويلين، وقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} ، فأذَّن فيهم: «إنّ لربكم بيتًا فحُجُّوه» (٦) .
- vol. 5, p. 7
وأما السنة: فما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِي الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت» . متفق عليه (١) .
-
وفي حديث جبريل من (٢) رواية عمر - رضي الله عنه - أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما الإسلام؟ قال: «أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيمَ الصلاة، وتُؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلا» . رواه مسلم (٣) .
-
وليس ذِكْر الحج في حديث أبي هريرة المتفق عليه (٤) .
-
وسيأتي إن شاء الله تعالى قوله: «إنّ الله فرضَ عليكم الحجَّ فحُجُّوا» . رواه مسلم (٥) وغيره. وأحاديث كثيرة في هذا المعنى.
-
و (٦) عن شَرِيك بن أبي نَمِر، عن أنس بن مالك قال: «بينما (٧) نحن
vol. 5, p. 8جلوسٌ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد إذ دخل رجل على جملٍ، ثم أناخَه في المسجد، ثم عقَلَه، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئٌ بين ظَهْرانَيْهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابنَ عبد المطلب؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجبتُك» ، فقال الرجل: إني سائلُك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليّ في نفسك. فقال: «سَلْ عمّا بدا لك» . فقال: أسألك بربك وربِّ من قبلك آللهُ أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «اللَّهم نعم» . قال: أَنشُدك بالله آللهُ أمرك (١) أن تصلِّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللّهم نعم» . قال: أَنشُدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللّهم نعم» . قال: أَنشُدك بالله آللهُ أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتَقْسِمها على فقرائنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهم نعم» . فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر». رواه الجماعة (٢) إلا مسلمًا والترمذيّ (٣) ، عن إسماعيل وعلي بن عبد الحميد (٤) ،
وقال: رواه سليمان عن (٥) ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
- vol. 5, p. 9
ورواه (١) أحمد ومسلم (٢) والترمذي والنسائي (٣) من حديث ثابت عن أنس قال: نُهِينا (٤) في القرآن أن نسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فكان يُعجِبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسألَه ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: «صدق» . قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» . قال: فمن نصبَ هذه الجبال وجعل فيها (٥) ما جعل؟ قال: «الله» . قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصبَ هذه الجبال آللهُ أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا! قال: «صدق» . قال: [ق ١٣٧] فبالذي أرسلك آللهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أن علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا! قال: «صدق» . قال: فبالذي أرسلك، آللهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلا! قال: «صدق» . قال: ثم ولَّى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيدُ عليهن، ولا أنقُصُ منهن. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن صدقَ ليدخلنَّ الجنة» .
-
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بعثَتْ (٦) بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن
vol. 5, p. 10ثعلبة وافدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدِمَ عليه، فأناخ بعيره (١) على باب المسجد، ثم عقَلَه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في أصحابه في المسجد. وكان ضِمام بن ثعلبة رجلًا جَلْدًا أشعرَ ذا غَديرتينِ، قال: فأقبل حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في أصحابه، فقال: أيكم ابنُ عبد المطلب؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا ابن عبد المطلب» . قال: أمحمدٌ؟ قال: «نعم» . قال: يا ابنَ عبد المطلب، إني سائلُك ومغلِّظٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك، فقال: «لا أجد في نفسي، سَلْ عما بدا لك» . قال: أَنشُدك الله (٢) إلهك وإله من كان (٣) قبلك وإله من هو كائن بعدك، آللهُ أمرك أن نعبدَه وحده لا نُشرِك به شيئا، وأن نخلعَ هذه الأوثان التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللّهم نعم» . قال: فأَنشُدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آللهُ أمرك أن نُصلِّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللّهم نعم» . قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضةً فريضةً: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضةٍ كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأَجتنب ما نهيتَني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. قال: ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن صدَقَ ذو العَقِيصتينِ يدخل الجنة» . قال: فأتى بعيرَه فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه،
vol. 5, p. 11فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به (١) أن قال: ما بئست (٢)
-
اللات والعزى؟ قالوا: مَه يا ضِمام! اتَّقِ البرص، اتَّقِ الجُذام، اتّقِ الجنون، قال: ويلكم! إنهما والله ما يَضُرَّان وما ينفعان، وإن الله تعالى قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال (٣) : فوالله ما أمسَى ذلك اليومَ من حاضرته من رجلٍ ولا امرأةٍ إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافدٍ قطُّ كان أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة. رواه أحمد وأبو داود من طريق ابن إسحاق (٤) ، وهذا لفظ «المغازي» (٥) .
-
واختُلف في سنة قدومه (٦) . فقيل: كان ذلك في سنة خمس، قاله محمد بن حبيب وغيره (٧) .
- vol. 5, p. 12
وروى (١) شَريك عن كُريب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث ابن عباس (٢) ، وفيه (٣) : «بعث بنو سعدٍ ضِمامًا في رجب سنة خمس» . وقيل: في سنة سبع. وقيل: في سنة تسع. ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة (٤) ، وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري (٥) المعروف بالحاكم في تاريخه «لوامع الأمور وحوادث الدهور» (٦) .
-
وزعم ابن عبد البر (٧) أن هذا هو الأعرابي الثائر الرأس الذي من أهل نجد، الذي يروي حديثَه طلحة (٨) ، ويروي نحوًا من هذا (٩) أبو هريرة (١٠) .
-
وهذا فيه نظر، لأن ذاك أولًا أعرابي (١١) ، وهذا من بني سعد بن بكر. ثم
vol. 5, p. 13ذاك رجل ثائر الرأس، وهذا رجل له عَقِيصتانِ. ثم ذاك رجل يُسمع (١) دَوِيُّ صوتِه ولا يُفقَه ما يقول، وهذا رجل عاقل جَلْد. ثم ذاك ليس في حديثه إلا التوحيد والصلاة والزكاة والصوم. فإن كان هذا هو ذاك فليس ذكر الحج إلا في بعض رواياته. والذي في «الصحيحين» ليس فيه شيء من هذا، ولا يَسَعُهم أن يتركوه وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص.
-
فإن كانت سعد هذه سعد بن بكر بن هوازن أظآر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء كانوا مع المشركين (٢) يوم حنين، وكانت حنين في أواخر سنة ثمان من الهجرة، وقدم وفد هوازن على النبي (٣) - صلى الله عليه وسلم - مُنصَرَفَه ــ وهو بالجِعِرَّانة ــ عن حِصار الطائف، فأسلموا، ومَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سَبْيِهم، والقصة مشهورة. فتكون بنو سعد بن بكر (٤) قد أوفدتْ ضِمامًا في سنة تسع، وفيها أسلمت ثقيف أيضًا، وهذه السنة هي سنة الوفود.
-
وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحج فرض لازم.
-
الفصل الثاني
أن العمرة أيضًا واجبة. نصَّ عليه أحمد في مواضع، فقال في رواية الأثرم، وبكر بن محمد، والمرُّوذي (٥) ، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي طالب،
vol. 5, p. 14وحرب، والفضل: العمرة واجبة، والعمرة فريضة (١) .
-
وذكر بعض أصحابنا (٢) [ق ١٣٨] عنه رواية أخرى: أنها سنة، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (٣) [آل عمران: ٩٧] ، ولم يذكر العمرة. ولو كانت واجبة لذكرها، كما ذكرها لما أمر بإتمامهما وبالسعي فيهما في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، وقوله سبحانه: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] . وكذلك أمر خليله عليه السلام بدعاء الناس إلى الحج بقوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} إلى قوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: ٢٧ - ٢٨] ، والاختصاص بأيام معلومات هو للحج فقط دون العمرة، فعُلِم أنه لم يأمرهم بالعمرة، وإن كانت حسنة مستحبة (٤) .
-
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر مباني (٥) الإسلام قال: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . وقال في حديث جبريل (٦) : «الإسلام أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن
vol. 5, p. 15محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا»، ولم يذكر العمرة.
-
وسأله ضِمام بن ثعلبة عن فرائض الإسلام إلى أن قال: «وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلا» ! قال: «صدق» ، ثم ولَّى، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقُصُ منهن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن صدَقَ ليدخلنَّ الجنة» . ولو كانت العمرة واجبة لأنكر قوله «لا أزيد عليهن» ولم يضمَنْ له الجنةَ مع تركِ أحدِ فرائض الإسلام.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حج حجة الوداع كان معه من المسلمين ما لا يُحصِيهم إلا الله تعالى، وكلٌّ قد جاء يؤدّي فرض الله تعالى عليه، فلما قضى أيام منًى بات بالمحصَّب بعد النفْر، وخرج من الغد قافلًا إلى المدينة، ولم يعتمر بعد ذلك، ولم يأمر من معه بالعمرة، ولا بأن يسافروا لها سفرةً أخرى. وقد كان فيهم المفرد والقارن، وهم لا يرون أن قد بقي عليهم فريضة أخرى، بل قد سمعوا منه أن الحج لا يجب إلا في عام واحد، وقد فعلوه، فلو (١) كانت العمرة واجبة كالحج لبيّن لهم ذلك، أو لأقام ريثَما أن (٢) يعتمر من لم يكن اعتمر.
-
وعن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعرابي، فقال: أخبِرْني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا، وأن تعتمرَ خير لك» . رواه أحمد والترمذي (٣) ،
vol. 5, p. 16وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الدارقطني (١) من غير طريق الحجاج.
-
وعن أبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا (٢) ، أنه قال: «العمرة تطوُّعٌ» . قال الدارقطني (٣) : والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة.
-
وعن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحج جهاد، والعمرة تطوُّعٌ» . رواه ابن ماجه (٤) ، وفي طريقه الحسن بن يحيى الخُشَني عن عمر بن قيس، أخبرني طلحة بن يحيى عن عمه إسحاق بن طلحة، عن طلحة (٥) بن عبيد الله.
- vol. 5, p. 17
وعن أبي صالح الحنفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوُّع» . رواه الشافعي وسعيد (١) .
-
وربما احتجَّ بعضهم (٢) بقوله: «دخلتِ العمرةُ في الحج» (٣) ، وليس بشيء.
-
ولأن (٤) العمرة بعض الحج، فلم تجِبْ على الانفراد كالطواف، وهذا لأن الحج لم يجب على وجه التكرار، وإنما وجب مرة واحدة، فلو وجبت العمرة لكان قد وجب على الإنسان حجتان: صغرى وكبرى، فلم تجز، كما لم يجب عليه حج وطواف. وكلُّ ما يفعله المعتمر فقد دخل في الحج، فليس في العمرة شيء يقتضي إفرادَه بالإيجاب، لكن جعل الله المناسك على ثلاث درجاتٍ: أتمُّها هو الحج، المشتمل على الإحرام والوقوف والطواف والسعي والرمي والإحلال. وبعده العمرة، المشتملة على الإحرام والطواف والسعي والإحلال. وبعده (٥) الطواف المجرد.
-
ولأنها (٦) نسكٌ غير موقَّت الابتداء ولا الانتهاء، فلم تجب كالطواف.
- vol. 5, p. 18
ولأنها عبادة غير موقّتة من جنسها فرض موقت، فلم تجب كصلاة النافلة، وهذا لأن العبادات المحضة إذا وجبت وُقِّتتْ كما وقِّتت الصلاة والصيام والحج، فإذا شُرِعت في جميع الأوقات عُلِم أنها شُرِعت رحمةً وتوسعةً للتقرب إلى الله تعالى بأنواع شتى من العبادة، وسُبلٍ متعددة، لئلا يمتنع الناس من التقرب إلى الله تعالى في غالب الأوقات.
-
ووجه الأول: ما احتج به بعضهم (١) من قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} .
-
وعن أبي رَزِين العُقَيلي أنه أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعْنَ، فقال: «حُجَّ عن أبيك واعتمِرْ» . رواه الخمسة (٢) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
-
وفي رواية لأحمد (٣) : «إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير» . فأمره بفعلهما عن أبيه، ولولا وجوبهما على الأب لما أمره بفعلهما عنه. لكن يمكن أن يقال: إنما سأله عن جواز الحج والعمرة عن أبيه؛ لأن الابن لا يجب ذلك عليه وفاقًا.
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهادٌ لا قتالَ فيه: الحج والعمرة» . رواه أحمد والنسائي
vol. 5, p. 19وابن ماجه والدارقطني (١) بإسناد شرط الصحيح، لكن في لفظ أحمد والنسائي (٢) : «ألا نخرج فنجاهد معك؟» . وكلمة «على» تقتضي [ق ١٣٩] الإيجاب، لا سيما وقد سألتْه عما يجب على النساء من الجهاد، فجعله جهادهن. كما روي عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحج جهاد كل ضعيف» . رواه أحمد وابن ماجه (٣) .
-
واحتج أحمد (٤) بحديث أبي رَزِين، وبحديثٍ ذكره عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أَوصِني، فقال (٥) : «تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم، وتحجّ وتعتمر» (٦) .
vol. 5, p. 20قال (١) : وعن ابن عباس وابن عمر: أنها واجبة (٢) . وهذا أمر، والأمر للإيجاب، لاسيما وهو إنما أمره بمباني الإسلام ودعائمه. قال جابر بن عبد الله: ليس أحد من خَلْق الله تعالى إلا وعليه عمرة واجبة (٣) . ذكره ابن أبي موسى (٤) .
-
وفي حديث عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال ــ يعني جبريل عليه السلام لما جاء في صورة الأعرابي ــ: يا محمد، ما الإسلام؟ فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتحجَّ البيت (٥) وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء، وتصوم رمضان». رواه الجوزقي في كتابه المخرَّج على الصحيحين، والدارقطني (٦) ، وقال: «هذا إسناد
vol. 5, p. 21صحيح، أخرجه مسلم (١) بهذا الإسناد».
-
وهذه الزيادة وإن لم تكن في أكثر الروايات فإنها ليست مخالفة لها، لكن هي مفسِّرة لما أُجمِل (٢) في بقية الروايات، فإن الحج يدخل فيه الحج الأكبر والأصغر، كما أن الصلاة (٣) يدخل فيها الوضوء والغسل. وإنما ذكر ذلك بالاسم الخاص تبيينًا، خشيةَ أن يظن أنه ليس داخلًا في الأول.
-
وقد روى الدارقطني (٤) بإسناد ضعيف عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرُّك بأيهما بدأتَ» .
-
وروى القاضي (٥) بإسناده عن قتيبة، عن ابن لهيعة (٦) ، عن عطاء، عن
vol. 5, p. 22جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحج والعمرة فريضتان واجبتان» .
-
وروى سعيد بن أبي عَروبة في «المناسك» (١) عن قتادة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما هي حجة وعمرة، فمن قضاهما فقد قضى الفريضة، ومن أصاب بعد ذلك فهو تطوُّع» .
-
وعن قتادة أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «يا أيها الناس، كُتِب عليكم الحج، يا أيها الناس كُتِب عليكم العمرة، يا أيها الناس كُتِب عليكم أن يأخذ أحدكم من ماله فيبتغي به من (٢) فضل الله فإن فيه الغنى والتصديق، وأَيمُ الله! لأن أموتَ وأنا أبتغي بمالي في الأرض من فضل الله عز وجل أحبُّ إليَّ من أن أموت على فراشي» (٣) .