مسألة: (إذا استطاع إليه سبيلا، وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتها مما يصلح لمثله، فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام)

114 paragraphs · vol. 5, p. 38

Page 2 of 3

  1. والثاني: أن يكون قد علم أن الحج قد (١) وجب على (٢) الآباء بملك المال، إما لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بأن أماكن أولئك السؤَّال قريبة، وأن غالب العرب لا يَعْدَم أحدهم بعيرًا يركبه وزادًا يبلِّغه، أو لأنه رأى جزم السائلين بالوجوب مخصّصين لهؤلاء من دون (٣) غيرهم من المسلمين، فعُلِم أنهم إنما جزموا لوجود المال الذي تقدم بيانه أنه هو السبيل، أو لغير ذلك من الأسباب.

    vol. 5, p. 53
  2. ويجوز أن يكون السؤَّال عَنَوا بقوله (٤) : «أدركته فريضة الله في الحج» ، و «عليه فريضة الله في الحج» ، و «الحج مكتوب عليه» الوجوبَ العام، وهو أن الحج أحد أركان الإسلام، وقد أوجبه الله سبحانه على كل مسلم حر عاقل بالغ، وهو مخاطبٌ به سواء كان قادرًا أو عاجزًا. ولهذا لو فعله أو فُعِل عنه أجزأه ذلك من حجة الإسلام، وإنما سقط عن (٥) غير المستطيع السيرُ للعذر، لا لكونه ليس من أهل الوجوب، بخلاف الصبي والعبد والمجنون، فإنهم ليسوا من أهل الوجوب.

  3. ولهذا يفرق في الجمعة والحج وغيرهما بين أهل الأعذار في كونهم من أهل وجوب هذه العبادة، وإنما سقط عنهم السعي إليها للمشقة والعذر؛ ولهذا إذا حضروا وجبت عليهم وانعقدت بهم، وبين العبد والمسافر والمرأة ونحوهم في كونهم ليسوا من أهل الوجوب؛ ولهذا إذا حضروا لم تجب عليهم، ولا تنعقد بهم.

  4. وسبب الفرق بين القسمين أن الوجوب يعتمد كمال الفاعل الذي به يستعدُّ لحمل الأمانة، ويعتمد إمكان الفعل الذي به يمكن أداؤها، فإذا لم يكن الإنسان من أهل الكمال لِنَقْصِ عقلِه أو سنِّه أو حريته ونحو ذلك= لم يخاطب بذلك الوجوب أصلًا، وليس عليه أن ينظر هل يفعل أو لا يفعل، ولو فعل لما حصل (١) به المقصود. وإذا كان كاملًا تأهَّل للخطاب، وكان عليه أن يعزم على الأداء إذا قدر، وأن ينظر في نفسه [ق ١٤٦] هل هو قادر أو عاجز، ولو تجشَّم وفعل لحصل المقصود، فالمعضوب من هذا القسم.

    vol. 5, p. 54
  5. فقول السائل: «أدركته فريضة الله في الحج» يجوز أن يعني به أنه حر عاقل بالغ من أهل الوجوب، لكن هو عاجز عن الأداء، فإن استناب فهل يقوم فعل النائب مقام فعله، بحيث يكون بمنزلة من فعل، أم لا يصح ذلك فيبقى غير فاعل؟ وهذه طريقة مشهورة في الكلام (٢) .

  6. فصل

    ومن لم يجد زادًا وراحلةً (٣) : إذا اكتسب حتى حصَّل زادًا وراحلةً فقد أحسن بذلك، وكذلك إن كان يعمل صنعةً في الطريق، أو يُكرِي نفسه بطعامه (٤) أو طعامه وعقبته. ويستحب له الحج على هذا الوجه، ويُجزئ عنه. وإن استقرض وكان له وفاء ... (٥) .

  7. وإن كان يسأل في المصر أو في الطريق، فقال أصحابنا: يُكره له الحج بالسؤال. والمنصوص (١) عن أحمد أن السؤال لغير ضرورة حرام (٢) .

    وإن لم يسأل لكن بُذِل له مال يحج به، أو (٣) بُذِل له أن يركب ويطعم ... (٤) .

    وإن حج بغير مال، ومِن نيته أن لا يسأل ويتوكل على الله، ويقبل ما يُعطاه، فإن وَثِق باليقين والصبر عن المسألة والاستشرافِ إلى الناس، ولم يضيِّق على الناس ... (٥) .

    وأما إن كان يزعم أنه يتوكل ... (٦) .

    vol. 5, p. 55
  8. وإن حج ماشيًا، وله زاد مملوك أو مباح أو مكتسب أو كما ذكرناه أولًا، فقد أحسن، وهو أفضل مِن تَرْك الحج.

  9. فصل

    وإنما تُعتبر الراحلة في حق مَن بينه وبين مكة مسافة القصر عند أصحابنا (٧) ، فأما القريب والمكي ونحوهما ممن يقدر على المشي فيلزمه ذلك، كما يلزمه المشي إلى الجمعة والعيد. فإن (٨) كان زَمِنًا لا يقدر على

    vol. 5, p. 56المشي لم يلزمه أن يحج حَبْوًا.

  10. وأما الزاد فيعتبر في حق القريب والبعيد، قاله ابن عقيل، لأنه لا بد منه. وقال القاضي (١) : لا يعتبر أن يجد الزاد، وإنما يعتبر أن يحصل له ما يأكله ولو بكسبٍ، فإن كان متى تشاغل بالحج انقطع كسبه وتعذر الزاد عليه لم يلزمه الحج.

  11. وإن قدر على السؤال [وجرت عادته به= لزمه، وإن لم تجر عادته بذلك لم يلزمه] .

  12. الفصل الثالث

    أنه يعتبر أن يجد الزاد والراحلة بالآلة التي تصلح لمثله من الغرائر (٢) وأوعية الماء، وأن يكون الزاد مما يقتاتُه مثله في هذا الطريق طعامًا وإدامًا (٣) ، وأن تكون آلات الراحلة مما يصلح لمثله. فإن كان ممن لا يمكنه الركوب إلا في مَحْمِلٍ (٤) ونحوه بحيث يخاف السقوط اعتبر وجود المحمل، وإن كان يكفيه الرَّحْل والقَتَب (٥) بحيث لا يخشى السقوط أجزأه وجودُ ذلك، سواء كانت عادته السفر في المحامل، أو على الأقتاب والزوامل (٦) والرِّحال.

    vol. 5, p. 57وإن كان ممن يستحي من الركوب على الزوامل لكونه كان من الأشراف والأغنياء ... (١) .

  13. والأفضل أن يحج على الرحل والزاملة دون المَحْمِل إذا أمكن، لِمَا روى ثُمامة (٢) بن عبد الله بن أنس قال: حجَّ أنس على رحْلٍ ولم (٣) يكن شحيحًا، وحدّث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجَّ على رحْلٍ، وكانت زاملتَه». رواه البخاري (٤) . والزاملة هي البعير الذي يحمل متاع الرجل وطعامه. وازْدَملَه: احتمله. والزميل: الرديف. والمزاملة: المعادلة على بعير.

  14. وعن الربيع بن صَبِيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: حجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على رحلٍ رَثٍّ، وقطيفةٍ تسوى (٥) أربعة دراهم أو لا تسوى، ثم قال: «اللهم حجةً لا رياء فيها ولا سمعة» . رواه ابن ماجه (٦) ، وفيهما كلام.

  15. وهل يُكره الحج في المَحْمِل؟ على روايتين:
  16. إحداهما: لا يكره، قال في رواية صالح (١) : والمحامل قد ركبها العلماء، ورخص فيها.

  17. والثانية: يُكره، قال في رواية عبد الله (٢) : عطاء كان يكره المحامل للرجل، ولا يرى بها للنساء بأسًا (٣) ، وقال عطاء: القِباب على المحامل بدعة. وظاهره أنه أفتى بذلك.

  18. وإذا كان يحتاج إلى من يخدمه في ركوبه وطعامه وغير ذلك، اعتبرت القدرة عليه بكراء أو شراء، ويعتبر أن يجدهما في ملكه، أو [يجد] هما (٤) بكراء أو شراء، إذا كان ذلك عوضَ مثْلِهما في غالب الأوقات في ذلك المكان، وهو واجد له.

  19. وإن وجد ذلك بزيادة يسيرة على عوض المثل لزِمَه الشراء والكراء. وإن كانت كثيرة تُجْحِف بماله لم يلزمه بذلُها، وإن كانت لا تُجْحِف بماله ففيه وجهان (٥) .

  20. وإن كان السعر غاليًا في ذلك العام غلاءً خارجًا عن الأمر الغالب فقيل: يعتبر ثمن مثله في ذلك الوقت.

    vol. 5, p. 59
  21. وسواء كان الثمن عينًا أو دينًا يمكنه اقتضاؤه بأن يكون على مُوسرٍ باذل، أو غائبٍ يمكن إحضاره، فأما إن تعذَّر استيفاؤه أو إحضاره (١) لم يلزمه ذلك.

  22. ثم إن كان يجد الزاد في بعض المنازل أو في كل منزل، لم يلزمه حمله من مصره، بل عليه حمله من (٢) موضع وجوده إلى موضع وجوده، وإن لم يجده فعليه حملُه من مِصره (٣) ، سواء كان من عادته أن يكون موجودًا فيما بينه وبين مكة أو لا.

  23. وأما الماء له ولدوابّه وعَلَف الرواحل، فمن [ق ١٤٧] عادته أن يكون موجودًا في بعض المنازل، فعليه حملُه من موضع وجوده على ما جرت به العادة الغالبة.

  24. فإن لم يكن في الطريق ماء ولا علف، فقال القاضي وأبو الخطاب وأكثر أصحابنا (٤) : ليس عليه حمله من بلده، ولا من أقرب الأمصار إلى مكة؛ لأن هذا يشقُّ، ولم تجْرِ العادة به، ولا يتمكن من حمل الماء لبهائمه في جميع الطرق (٥) ، [والطعام بخلاف ذلك] (٦) .

    vol. 5, p. 60وقال ابن عقيل: حكمُ علف البهائم حكمُ زاده في وجوب حمله، إذا لم يكن موجودًا في الطريق.

  25. الفصل الرابع

    أن يجد ذلك بعد ما يحتاج إليه من قضاء دينه ومُؤْنة نفسه وعياله على الدوام.

  26. فإذا كان عليه دَينٌ لله أو لآدمي، وقد ملك الزاد والراحلة بعد وجوبه، أو حينَ وجوبه، لم يجب عليه الحج؛ لأن وجوب قضاء الدين (١) متقدم على وجوب الحج، ولأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية.

    فإن كان قد ملك الزاد والراحلة، ثم لزمه الدين بعد ذلك ... (٢) .

  27. وإن كان الدين مؤجَّلًا أو متروكًا ....

  28. فإذا أراد أن يحج وعليه دين ....

  29. فإن كان الدين على أبيه أو غيره قدَّمَ الحج. قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا كان معه مائتا درهم ولم يحجّ قط، فإنه يقضي دينه ولا يحج، فإن كان على أبيه دين فليحج الفريضة، وإن (٣) كان قد حج الفريضة يقضي دين أبيه، وإن كان الأب لم يحج دفع إلى أبيه حتى يحج.

    قال أحمد في رواية أبي طالب (٤) : ويجب على الرجل الحج (٥) ،

    vol. 5, p. 61إذا (١) كان معه نفقة تبلِّغه إلى مكة ويرجع (٢) ، ويُخلِّف نفقةً لأهله ما يكفيهم حتى يرجع.

  30. وكذلك ذكر ابن أبي موسى (٣) : السبيل هي (٤) الطريق السالكة (٥) والزاد والراحلة المبلِّغان إلى مكة، وإلى العود إلى منزله، مع نفقة عياله لمدة سفره. ولم يعتبر وجود ما ينفقه بعد الرجوع.

  31. وهذا محمول على من له قوة على الكسب؛ لأن أحمد (٦) وابن أبي موسى (٧) صرَّحا بأنه لا يلزمه بيع المنازل التي يُؤجِرها لكفايته وكفاية عياله، وإنما يبيع ما يَفضُل (٨) عن كفايته وكفاية عياله، ولا بدَّ أن يترك لعائلته الذين يجب عليه نفقتهم ما يكفيهم مدةَ ذهابه ورجوعه؛ لأن وجوب النفقة آكدُ، ولهذا يتعلق بالكسب بخلاف الحج؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يَقُوت» . رواه أبو داود (٩) .

    vol. 5, p. 62وإن كان فيهم من لا يلزمه بعينه نفقته لكن يخاف عليه الضياع، كيتيم وأرملة ونحو ذلك ... (١) .

    ولا بدَّ أن يرجع إلى كفاية له ولعياله على الدوام، إما ربح تجارةٍ أو صناعة، أو أجور عقارٍ ودوابَّ، أو رَيْع (٢) وقف عليه بعينه، لأن ... (٣) .

    فإن أمكنه أن يأخذ من وقف الفقراء أو الفقهاء أو بيت المال (٤) ونحوه من مال المصالح ... (٥) .

  32. والمراد بالكفاية: ما يحتاج إليه مثله من طعام وكسوة ونحو ذلك، ومن مسكن، فإنه لا بد له من السكنى، فليس عليه أن يبيع مسكنَه ثم يسكن بأجر أو في وقف. لكن إن كان واسعًا يُمكِنه الاعتياضُ عنه بما دونه من غير مشقة، لزمه أن يحج بالتفاوت.

    وإن كان له كتبُ علمٍ يحتاج (٦) إليها لم يلزمه بيعها، وإن لم يكن علمها فرضًا عليه (٧) ؛ لأن حاجة العالم إلى علمه ... (٨) .

  33. فإن كانت مما لا يحتاج إليها، أو كان له بكتابٍ نسختان يستغني عن

    vol. 5, p. 63إحداهما، باع ما لا يحتاج إليه.

  34. وإن أراد أن يشتري كتب علم، أو ينفق في طلب العلم، فقد قال عبد الله (١) : سألت أبي عن رجل ملك خمسمائة درهم، وهو رجل جاهل، أيحج بها أم يطلب العلم؟ فقال: يحج (٢) ؛ لأن الحج فريضة، وليس الحديث (٣) عليه فريضة، وينبغي له أن يطلب العلم.

  35. والفرق بينهما أن (٤) هذا لم يتعلَّم بعدُ (٥) ، فالابتداء بفرض العين قبل فرض الكفاية أو النافلة متعين، والأول قد تعلَّم العلم، وهو مقيّد بالكتاب، ففي بيع كتبه إخلالٌ (٦) بما قد علمه مِن علمه.

  36. وإذا كان له خادمٌ (٧) يحتاج إلى خدمتها لم يلزمه بيعها. قال في رواية الميموني (٨) : إذا كان للرجل المسكنُ والخادم والشيء الذي لا يمكنه بيعه لأنه كفاية لأهله= فلا يباع، فإذا خرج عن (٩) كفايته ومُؤْنة عياله باع.

  37. وإذا كان به حاجة إلى النكاح، فقال أحمد في رواية أحمد بن سعيد: إذا كان مع الرجل مال فإن تزوج به لم يبقَ معه فضل، وإن حج خشي على نفسه، فإنه إذا لم يكن له صبرٌ عن التزويج تزوَّج، وترك الحج.

    vol. 5, p. 64
  38. وكذلك نقل أبو داود (١) وغيره، وعلى هذا عامة أصحابنا (٢) : أنه إن خشي العَنَتَ قدَّم النكاح؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كالنفقة.

  39. وحكى ابن أبي موسى (٣) عن بعض أصحابنا: أنه يبدأ بالحج. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد في رجل عنده أربعمائة درهم، ويخاف على نفسه العنت، ولم يحج، و (٤) أبواه يأمرانه بالتزويج، قال: يحج ولا يطيعهما في ذلك. هكذا ذكرها أبو بكر (٥) في «زاد المسافر» ، ثم فصَّل كما تقدم [ق ١٤٨] عن أحمد.

  40. ووجه ذلك: أنه يتعيَّن عليه بوجود السبيل إليه، والعنت المخوف مشكوك فيه، وهو نادر، والغالب على الطباع خلاف ذلك، فلا يُفرِّط فيما تيقَّن وجوبه بما يشك فيه. وأما إن لم يخش العنتَ قدَّم الحج.