مسألة: (إذا استطاع إليه سبيلا، وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتها مما يصلح لمثله، فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام)

114 paragraphs · vol. 5, p. 38

Page 3 of 3

  1. وإن قلنا: إن النكاح واجب، فإن كانت له سُرِّية لم يجب عليه بيعها واستبدالُ ما هو دونها. ولا يجب عليه أن يطلِّق امرأته ليستفضل نفقتها.

    vol. 5, p. 64
  2. فصل

    ولا يجب عليه المسِيرُ حتى يقدر على المسير، بأن يكون يتسع الوقت للسير والأداء. فلو وجد ذلك قبل النحر بأيام، وبينه وبين مكة شهر ونحو ذلك، لم يجب عليه المسير للحج في تلك السنة. وليس عليه أن يسير إلا السير المعتاد وما يقاربه، وليس عليه أن يحمل على نفسه، ويسير سيرًا يجاوز العادة، أو يَعجِز معه عن تحصيل آلة السفر؛ لما في ذلك من المشقة التي لا يجب معها مثل هذه العبادات من الجمعة والجماعة ونحو ذلك.

    وأن يكون الطريق خاليًا من العوائق المانعة، فإن كان فيه من يصدُّه عن الحج من قُطَّاع الطريق (١) ، كالأعراب والأكراد الذين يقطعون الطريق (٢) على القوافل، أو كفّار، أو بُغاة= لم يجب عليه السعي إلى الحج. فإن أمكن قتالهم ... (٣) .

    vol. 5, p. 65
  3. وإن أمكن بذلُ خَفارةٍ (٤) لهم، فقال القاضي وأصحابه (٥) : لا يجب بذلها وإن كانت يسيرةً، لوجهين:

    أحدهما: أنها رشوة، فلا يلزم بذلُها في العبادة كالكثيرة.

  4. الثاني: أنهم لا يُؤمَنون مع أخذها، فإن (٦) من استحلّ أكل المال

    vol. 5, p. 66بالباطل من وفد الله، لم يُؤمَن على استحلال قتلهم أو نهبهم أو سرقتهم.

  5. والثاني: يجب بذل الخفارة اليسيرة، قاله ابن حامد (١) ؛ لأنها نفقة يقف (٢) إمكان الحج على بذلها، فلم يمتنع الوجوب مع إمكان بذلها كالأثمان والأكرية، وقد بذل صُهيب للكفار جميع ماله الذي كان (٣) بمكة حتى خَلَّوه يهاجر، فأنزل الله تعالى فيه (٤) : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (٥) [البقرة: ٢٠٧] .

  6. وفي معنى ذلك لو احتاج أن يَرشُو الولاةَ لتخليته، أو لحراسة طريقه (٦) .

  7. ولو احتاج أن يبذل مالًا لمن يخرج معه ليحرسه فهذا ليس برشوة، وإنما هو جَعالة (٧) أو إجارة؛ لأنه لا يجب عليهم الخروج معه وحفظُه. وقياس المذهب: أن هذا واجب، كما يجب على المرأة نفقة مَحْرمها لأنه بمنزلة الحافظ لها، وكما يجب عليه (٨) أجرة من يحفظ رَحْلَه من السُّراق.

    vol. 5, p. 67وسواء كانت الطريق قريبةً أو بعيدةً يبقى فيها سنين ... (١) .

  8. وسواء كانت الطريق برًّا أو بحرًا إذا كان الغالب عليه السلامة، وإن كان الغالب على البحر الهلاك لم يجب السعي إلى الحج. وإن كان يَسْلَم قوم ويَتْلَف قوم، فقال القاضي (٢) : يلزمه، وقال أبو محمد (٣) : إن لم يكن الغالب السلامة لم يلزمه سلوكه.

  9. فصل

    ولا يجب عليه أن يحج بنفسه حتى يقدر على الركوب، فمتى قدر على الركوب في (٤) حالٍ من الأحوال لزمه الحج بنفسه، فإن عجز عنه لمرضٍ أو كبرٍ لم يلزمه.

    والمعتبر في ذلك: أن يُخشَى من ركوبه سقوطُه، أو مرضٌ، أو زيادةُ مرض، أو تباطؤُ بُرْءٍ، ونحو ذلك. فأما إن كان توهمًا أو جبنًا أو مرضًا (٥) يعتريه أحيانًا، ويقدر أن يستطبَّ ... (٦) .

  10. ثم إن كان مأيوسًا (٧) من بُرئه فإنه يُحِجَّ عن نفسه، قال أحمد في رواية أبي طالب (٨) : يحجُّ الرجل عن الرجل وهو حيٌّ، وعن المرأة، وإذا كان

    vol. 5, p. 68شيخًا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة يحجُّ عنه وليُّه، وإذا كانت امرأة ثقيلة لا يقدر مثلها يركب، والمريض الذي قد أُوْيِسَ (١) منه أن يبرأ، فيحجُّ عنهم وليُّهم. وهذا الذي أمر فيه (٢) النبي - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية، قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، وقد أدركته فريضة (٣) الله في الإسلام، وهو لا يستمسك على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نعم حُجِّي عن أبيك» .

  11. فإذا كان الرجل والمرأة لا يقدرانِ على الحج، وقد وجب عليهما الحج، حجَّ عنهما وليهما.

  12. وإحجاجه عن نفسه واجب عند أصحابنا على ما ذكره أبو عبد الله (٤) ، سواء بلغ وهو معضوب، أو عُضِب بعد ذلك، قبل وجود المال أو بعد وجود المال. وظاهر كلام أبي بكر وابن أبي موسى: أنه لا يجب؛ لأن ابن أبي موسى ذكر (٥) أن شروط الوجوب: الحرية، والبلوغ، والإسلام، والعقل، والصحة، والزاد والراحلة، والمَحْرم للمرأة، وخلوُّ الطريق. وذكر أبو بكر أن الحج يجب على الرجل بثلاثة أوصاف: بالزاد، والراحلة، والصحة. وعلى المرأة بأربعة أوصاف: الزاد، والراحلة، والصحة، والمَحْرم؛ لِمَا تقدَّم من أن الخثعمية وغيرها أخبرت أن أباها قد فُرِض عليه الحج، وأقرَّها النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وأمرها أن تحجَّ عنه، [ق ١٤٩] وشبَّه ذلك بالدين المقضيّ. ولولا

    vol. 5, p. 69أن الحج قد وجب على هذا المعضوب لما صح (١) ذلك.

    فإن قيل: المراد أنه من أهل وجوب الحج ... (٢) .

  13. وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: ما يوجب الحج؟ فقال: «الزاد والراحلة» . ولم يفرق بين القادر بنفسه والعاجز.

  14. وأيضًا فإن فرائض الله إذا قدر أن يفعلها بأصل أو بدل وجب عليه ذلك، كما يجب بدل الصوم وهو الإطعام، وبدل الكفارات، وبدل الوضوء والغسل.

  15. وأيضًا فإنه من أهل وجوب الحج، وهذه الحَجة تُجزِئ عنه، وتُسقِط عنه فرضَ الإسلام بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أمكنتْه الاستنابة (٣) من غير ضرر في دينه ولا دنياه؛ لأن النائب إن كان أجيرًا فلا ضرر مِنَّةٍ (٤) عليه فيه؛ لأن عمله يقع مستحقًّا للمستأجر، كالاستئجار على البناء والخياطة والكتابة. وإن كان نائبًا محضًا فإن النفقة إنما تجب في مال المستنيب، فلا منةَ عليه في ذلك. يبقى عمل النائب فقط، وذلك لا منة فيه؛ لأن له غرضًا (٥) صحيحًا في شهود المشاعر، وعمل المناسك، وحضور الموسم، وله بذلك عمل صالح غير إبراء ذمة النائب (٦) من حجِّ الفرض، وإنما بلغ ذلك بمال المستنيب، فيصيران متعاونين على إقامة

    vol. 5, p. 70الحج، هذا بماله، وهذا ببدنه، فليس لأحدهما منة (١) على الآخر.

  16. بخلاف ما لو حج عنه بمال نفسه، لا سيما إن كان الحاج عنه (٢) وليه، فإنه مأمور من جهة الشرع بأن يحج عنه صلةً لرحمه، وقضاءً لحقه، كما هو مأمور بالعَقْل عنه، وولايته في النكاح وغيره، ولا منةَ عليه بذلك.

  17. وإذا أَحجَّ (٣) عن نفسه أجزأ عنه وإن عوفي. قال في رواية إسحاق بن منصور وأبي طالب (٤) : إذا لم يقدر على الحج فحجُّوا عنه، ثم صح بعد ذلك وقدر، فقد قضي عنه الحج، ولا قضاء عليه. وعلى هذا عامة أصحابنا.

  18. فإن وجد الزاد والراحلة، ولم يجد من يحجُّ عنه، فهو كما لو عاقه عائق أو ضاق الوقت، هل يثبت الوجوب في ذمته؟ على روايتين.

  19. فصل

    وإن كان العاجز عن الحج يرجو القدرة عليه، كالمريض، والمحبوس، ومن قُطع عليه الطريق، أو منعه سلطان ونحو ذلك= لم تجُزْ له الاستنابة في فرض الحج عند أصحابنا، كما ذكره أحمد (٥) ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أذن في النيابة للشيخ الكبير (٦) الذي لا يستمسك على الراحلة، فأُلحِقَ به من في

    vol. 5, p. 71معناه. والذي يُرجى أن يقدر على الحج ليس في معناه لوجوه:

    أحدها: أن ذاك عاجز في الحال والمآل، وهذا إنما هو عاجز في الحال فقط، والبدل إنما يجب عند تعذُّر الأصل بكل حال.

  20. الثاني: أنه لو عجز عن صوم رمضان بكل حال انتقل إلى البدل وهو الفدية، وإن عجز في الحال فقط لم يجز له الانتقال إلى البدل، ولزمه الصوم إذا قدر، فالحج مثله.

  21. الثالث: أنه لو جاز ذلك لجاز أن يحج عن الفقير، فتسقط حجة الإسلام من ذمته؛ لأنه عاجز في الحال، وهو من أهل الخطاب بالوجوب.

    الرابع: أن وجوب الحج لا يختص ببعض الأزمنة دون بعض، فإذا لم يغلب على الظن دوامُ العائق جاز أن يُخاطَب فيما بعد، وجاز أن لا يُخاطَب، فلا يجوز الإقدام على فعل ... (١) .

  22. فصل

    إمكان المسير والأداء بسعة الوقت، وخلوِّ الطريق، والصحة (٢) : هل هو شرط للوجوب أو للزوم الأداء (٣) فقط؟ على روايتين.

  23. فأما العائق الخاص ــ مثل الحبس، والمرض الذي يُرجى برؤه، ومنع السلطان ــ فينبغي أن يكون مثل ضيق الوقت وعاقة الطريق، ولهذا قلنا: إذا عرض مثل ذلك في رمضان لم يجب عليه بعد الموت فدية.

  24. فإذا قلنا: هو شرط للوجوب، فمات قبل التمكُّن، أو أنفق ماله، أو هلك= لم يكن في ذمته شيء.

    vol. 5, p. 72
  25. وإن قلنا: إنما هو شرط في لزوم السعي فإن الحج يثبت في ذمته، فإذا أنفق المال فيما بعد بقي الحج في ذمته. وإذا مات قبل التمكن أُخرِج عنه من تَرِكتِه، لكن لا إثم عليه بالموت (١) ، وعليه الإثم بإنفاق المال مع إمكان إبقائه للحج. وإذا استقرَّ الحج في ذمته فعليه فعلُه بكل طريق يمكنه، من اكتساب مالٍ أو مشيٍ.

  26. فإن قلنا: هما شرط في الوجوب، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى (٢) ؛ فلأن الله تعالى قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ، بل هو أعجزُ عن (٣) أن يقدر على المشي أو اكتساب المال، وأعجزُ من المعضوب؛ لأنه لا يقدر أن يحج لا بنفسه ولا بنائبه بوجه من الوجوه، فكيف يبقى الحج في ذمته؟

  27. ونحن وإن قلنا: إن العبادة تجب في الذمة قبل التمكُّن فإنما ذاك فيما أطلق وجوبه، كالصلاة والصيام والزكاة. فأما الحج فقد خُصَّ وجوبه بمن استطاع إليه سبيلا، فامتنع إيجابه على غير المستطيع بوجهٍ من الوجوه.

  28. يبيِّن ذلك أن السبيل في الأصل هو الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فالتقدير: على (٤) من استطاع [ق ١٥٠]

  29. التسبُّبُ والتوصل إليه، أو من استطاع فعلَ سبيل أو سلوكَ سبيل، ويختصُّ الوجوب بمن كان (١) السبيل مستطاعًا له أو مقدورًا.

    vol. 5, p. 73
  30. وأيضًا فإن فريضة الحج قد قيل: إنها نزلت سنة (٢) ست، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه (٣) ؛ لأن المشركين كانوا يصدُّونهم عن البيت، ويقيمون الموسمَ في غير وقته، فلم يتمكَّنوا من فعله قبل الفتح وطَرْدِ المشركين، مع قدرة أكثرهم على الزاد والراحلة. فلو كان الوجوب ثابتًا في الذمة لوجب أن يحج عمن مات في تلك السنين منهم، ولبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوب ذلك في تركاتهم، أو سأله أحد منهم، كما سألوه عمن أدركته فريضة الحج وهو معضوب.

  31. وإن كانت فريضة الحج قد تأخرت إلى سنة تسع أو عشر، فإنما سبب تأخيرها صدُّ المشركين عن البيت، واستيلاؤهم عليه، وعدم تمكُّنِ المسلمين من إقامته. فامتنع أصل إيجاب الحج في حق الكافة، فهو بالمنع في حق الخاصة أولى.

  32. وأيضًا فإنه لو صُدّ عن البيت بعد الإحرام لم يلزمه إتمام الحج، ولا يجب القضاء في ذمته في ظاهر المذهب، مع أن إتمامه بعد الشروع أوكد من ابتداء الشروع فيه بعد وجوبه. فإذا لم يجب القضاء في ذمة المصدود عنه بعد الإحرام فأن لا يجب الأداء في ذمة المصدود قبل الإحرام أولى.

  33. وإن قلنا: ليسا بشرطٍ في الوجوب، وهو قول ... (١) ، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: ما يوجب الحج؟ فقال: «الزاد والراحلة» (٢) . وفسَّر الاستطاعة بذلك كما ذُكر في غير هذا الموضع، فلا تجوز الزيادة على ذلك، بل يعلم أن وجود ذلك موجب للحج. وذلك لأن الوجوب في الذمة إنما يعتمد القدرة على الفعل في الحال أو في المآل، بنفسه أو بنائبه، كوجوب الدين في الذمة. وهذا يجب في ذمته الحج ليفعله فيما بعدُ بنفسه إن أمكن، وإلا فبنائبه كالمعضوب. حتى لو فُرِض من لا يمكن الحج عنه في المستقبل مثل من يقدر عليه بعد آخر سنة يحج الناس فيها، لم يجب في ذمته، وهذا لأنه لا فرق بين هذا وبين المعضوب، إلا أن المعضوب يمكنه الإحجاج عنه في الحال بخلاف المصدود.

    vol. 5, p. 74
  34. والتمكن من فعل العبادة إذًا ليس بشرط؛ لوجوبها في الذمة، بدليل أن صوم رمضان يجب على الحائض والمريض، لا سيما على أصلنا المشهور في الصلاة والزكاة والصوم. فإن كل من أمكنه قضاء العبادة وجبت (٣) في ذمته إذا انعقد سبب وجوبها. والزاد والراحلة بمنزلة شهود الشهر في رمضان، وبمنزلة حَوْل (٤) الحَولِ في الزكاة، فمن ملك ذلك و (٥) أمكن فعل الحج أداءً أو قضاءً وجب عليه.