مسألة: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفردا، ثم القران)
287 paragraphs · vol. 5, p. 282
Page 7 of 8
- vol. 5, p. 371
وهذا غلط؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتحلل في حجته، وهم إنما سألوه عن كونه لم يحلّ، سواء كان قد أحرم بعمرة أو بحجة، ولم يسألوه عن كونه لم يفسخ، كأن من أراد أن يجمع بينهما تمتع ولم يفرد، على أنهم لو سألوه عن ذلك فلأنه كان قارنًا.
-
الثاني: أنه وإن كان أفرده فهو لم يعتمر بعد حجته من التنعيم ولا من غيره هو ولا أحد من أصحابه غير عائشة، وإنما كان قد اعتمر قبل ذلك، والإفراد على هذا الوجه هو أفضل من التمتع ومن القران عندنا. وهذا هو الجواب
vol. 5, p. 372عمن أفرد الحج من الخلفاء الراشدين، فإن أحدًا منهم لم يُنقَل عنه أنه اعتمر في سفرته تلك، وإنما كانوا يحجون ويرجعون، ويعتمرون في وقت آخر أو لا (١) يعتمرون، وإفراد الحج على هذا الوجه أفضل من المتعة.
-
الثالث: أن آخر الأمرين منه كان التأسُّف على المتعة؛ لأنه رأى الإحلال أفضل، كما في حديث جابر، وهو لم يكن يشك في جواز العمرة في أشهر الحج حتى يعتقد ما اعتقد (٢) في أصحابه من أنهم فسخوا؛ لكونهم لم يكونوا يجوِّزون العمرة في أشهر الحج.
-
وأما كون المتعة تفتقر إلى دم، فذلك الدم دم نسك، بدليل أنه يجوز التمتع لغير عذر، ودماء الجبارين (٣) لا يجوز إلزامها (٤) إلا لعذر، وبدليل جواز الأكل منه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة.
-
ثم نقول: وإن كان دم جبران فهو مخيَّر بين استدامة الإحرام بلا جبران، وبين الإحلال والجبران. وهذا أفضل؛ لأن كلامهم (٥) فيمن يعتمر في ذي الحجة من أدنى الحل، وهذه العمرة ليست بطائل. فالإحلال (٦) والدم والعمرة في أثناء الحج أفضل منها.
-
وهذا هو الجواب عن قولهم: المفرِد يأتي بنسكين تامّين، فإنه متى أتمَّ
vol. 5, p. 373العمرة من دُوَيرة أهله أو من [الميقات] (١) فهو أفضل من التمتع. والعمرة من أدنى الحل ليست بتلك التامة.
-
وأما كون المتعة رخصة فكذلك الإحرام من أدنى الحلّ رخصة، ثم الرُّخَص في العبادات أفضل من الشدائد كما تقدم تقريره في الصلاة (٢) .
-
وأيضًا فإنه إذا اعتمر بعد الحجة لم يتمكَّنِ من حلق رأسه؛ لأنه لم يكن قد نبت شعره، والحلق أو التقصير (٣) سنة عظيمة، فعمرة وحجة يأتي فيهما (٤) بالحلق أفضلُ من عمرة وحجة (٥) تخلو إحداهما (٦) عن الحلق والتقصير، فإنه من (٧) جملة أعمال النسك.
-
وأيضًا فإن بعض الناس قد ذهب إلى أن العمرة من أدنى الحل لا تُجزئ عن حجة الإسلام، وكذلك عمرة القارن، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وذهب بعضهم إلى أن الاعتياض عنها بالطواف أفضل، فيجب أن يكون ما أُجمِع على إجزائه ويتسع الوقت بعده للطواف أفضل.
-
وأيضًا فإنه إذا أراد أن يجمع بينهما في سفرة واحدة كان تقديم العمرة أحوطَ له بخلاف ما إذا أخَّرها، فإنه تغريرٌ بها؛ لأن وقت الواحد واحد لا
vol. 5, p. 374يتغير بتقديم العمرة وتأخيرها، وهذا معنى قول أحمد (١) : هو آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يجمع الحج والعمرة جميعًا، ويعمل لكل واحد على حدة، فبيَّن أنه يجمع الحج والعمرة فيحلّ منهما جميعًا إذا قضى حجه، وله فضيلة على القارن بأنه يعمل لكل واحد على حدة.
-
وأيضًا فإن التمتع بالعمرة إلى الحج مخالفة لهدْي المشركين ودَلِّهم (٢) ، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكلُّ ما كان من المناسك فيه مخالفة لهدي المشركين فإنه واجب أو مستحب، مثل الخروج إلى عرفة، وترك الوقوف عشية عرفة بمزدلفة، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والإفاضة من جَمْعٍ قبل طلوع الشمس، والطواف بالثياب، ودخول البيت من الباب وهو محرم، والطواف بالصفا والمروة.
-
وأيضًا فما أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب (٣) فقال: إذا دخل بعمرة فيكون قد جمع الله له عمرة وحجة ودمًا. وهذا لأنه يأتي بالعمرة والحج على حدة، وذلك أفضل من أن يجمعهما (٤) بإحرام واحد؛ لأنه يأتي بإهلالين (٥) ، وإحرامين، وتلبيتين، وإحلالين (٦) ، وطوافين، وسعيين، فهو يترجح على القارن [ق ٢١٥] من هذا الوجه، وعمرته تُجزِئه عن عمرة
vol. 5, p. 375الإسلام بالاتفاق، بخلاف عمرة القارن فإن فيها اختلافًا (١) ، وليس القارن بأعجلَ من المتمتع؛ لأن كلاهما (٢) يفرغ من العمرة والحج جميعًا، ويزيد المتمتع عليه بأنه يفرغ من العمرة قبله، فيكون أسبق منه إلى أداء النسك.
-
ويترجح على المفرد بأنه يأتي بالعمرة والحج في الوقت الذي يأتي فيه المفرد بالحج وحده، ونسكانِ أفضل من نسكٍ، وأنه يأتي مع ذلك بدم التمتع (٣) ، وهو دم نسك كما تقدم؛ فيكون ما اشتمل على (٤) زيادة أفضل، كما فُضِل المفرد على القارن لأنه يطوف ويسعى مرتين. وعمرة وحجة وهديٌ أفضل من حجة لا عمرة فيها ولا هدي.
-
وقد تقدم عن ابن عمر أنه نبَّه على هذا المعنى حيث قال: لأن أعتمرَ في أشهر الحج وأُهدِي أحبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجة بعد الحج ولا أُهدي.
-
ويتسع الوقت للمتمتع بعد الصدر من منى إن أحبَّ أن يأتي بعمرة أخرى، وإن أحبّ أن يطوف بالبيت، فيكون ذلك زيادة، لا سيما (٥) إن خِيْف أن لا يتمكن من الاعتمار بعد الحج لخوفٍ أو غلاءٍ أو غير ذلك، فتحصيل العمرة قبل الحج أوثق. وإن كان الحاج امرأة خِيْفَ عليها أن تحيض بعد الصدر، ويستمرّ بها الحيض حتى لا تتمكّن من الاعتمار، فإذا دخلت متمتعة
vol. 5, p. 376وحاضت صنعت كما صنعت عائشة - رضي الله عنها -.
-
فأما إن ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من الإفراد بلا تردد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا شكَّ أنه ساق الهدي، وكان إمّا (١) قارنًا أو متمتعًا. والأظهر أنه كان قارنًا، فكيف يفضَّل ما لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما (٢) فعلَه؟ وذلك لأنه يأتي بالعمرة والحج جميعًا كما تقدم.
-
وأما كون الإفراد أفضلَ من القران، فهكذا قال أصحابنا، وهذا إذا لم يَسُقِ الهدي، ولم أجد عن أحمد نصًّا بذلك، قالوا: لأن في عمل المفرد زيادةً على عمل (٣) القارن، وهو أنه (٤) يأتي بإحرامين، وإحلالين، وتلبيتين، وطوافين، وسعيين، ويتوجه ... (٥) .
-
وأيضًا فإن المتعة قد اختُلِف في وجوبها، سواء أحرم بالعمرة أولًا، أو بالحج، أو بهما، فكان ابن عباس يرى وجوبها؛ فعن عطاء ومجاهد أن ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدي (٦) .
-
وعن أبي هاشم (٧) أنه قد قدم حاجًّا، فسأل ابن عباس، فقال: اجعلها
vol. 5, p. 377عمرة، ثم لقيت ابن عمر، فقال: اثبُتْ على إحرامك، ثم رجعت إلى ابن عباس فأخبرتُه بقوله، فقال: إن طوافك بالبيت ينقض حرمك، كلما طفتَ فجدِّد إهلالًا (١) .
-
وفي رواية (٢) قال: أهللتُ بالحج، فلقيت ابن عباس وأنا أطوف وأُلبِّي، فقال: أبحجة أو بعمرة؟ قلت: حجة، قال: اجعلها عمرة، قلت: كيف أجعلها عمرة وهذا أول ما حججتُ؟ قال: فأكثِرْ من التلبية فإن التلبية تشدُّ الإحرام، وإن البيت ينقض، والصفا والمروة تنقض.
-
وعن مسلم القُرِّي قال: سمعت ابن عباس يقول: يحلّ الحج الطواف (٣) والسعي (٤) .
-
وعن عبد الله بن أبي الهذيل (٥) قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني قدِمتُ حاجًّا ولم أذكر عمرة، فطفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال له ابن عباس: اعتمرت. فقال له القوم: إنك لم تُفهِمه، فعاد فقال: إني قدِمتُ
vol. 5, p. 378حاجًّا، قال: فصنعتَ ماذا؟ قال: طفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال: اعتمرتَ. فقالوا له: عُدْ؛ فإنه لم يفهم، فقال: إني قدِمتُ حاجًّا ولم أذكر عمرة، فطفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال: حدثَ إمْراغي (١) ثلاثًا فإن أُبْتَ (٢) فأربع، ولم يقل: هو ذاك. قال: وددتُ أنك قصَّرت (٣) .
-
وتقدم عنه أنه قال: والله ما تمَّتْ حجة رجل إلا بمتعة، إلا رجل اعتمر في وسط السنة. وقد تأوَّل على ذلك الكتاب والسنة.
قال أحمد (٤) : ثنا يحيى بن سعيد، حدثني ابن جريج، قال: أخبرني (٥) عطاء، قال: قلت له: من أين كان ابن عباس يأخذ أنه من طاف بالبيت فقد حلّ؟ قال: من قول الله عز وجل {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٣٣] ، ومن أمْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يحلُّوا في حجة الوداع.
قال ابن أبي موسى (٦) : ولا يُستحبُّ لأحدٍ أن يحرم بنية الفسخ، فأما من أحرم بالحج بنية المضي فيه، ثم بدا له أن يفسخ رغبةً في الجمع بين النسكين في قلبه جاز.
- vol. 5, p. 379
فإن قيل: فقد اختُلِف في كراهة المتعة كما حكيتم عن رجال من الصحابة، وعن حَيْوة بن شُريح قال: أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فشهد عنده أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) في مرضه الذي قُبِض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج (٢) .
-
وعن قتادة عن أبي شيخ الهُنائي ــ ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة ــ أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا وكذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: [ق ٢١٦] نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة (٣) ، فقالوا: أما هذا فلا، قال: أما إنها معها ولكن نسيتم. رواهما أبو داود (٤) .
- vol. 5, p. 380
وهذا النهي إما (١) أن يفيد الكراهة، أو يكون معناه النهي عن فسخ الحج (٢) إلى العمرة، وهو جمع بين الحج والعمرة.
-
قلنا: قد أجمع العلماء على أن المتعة لا تُكْره، وقد ذكرنا معنى ما نُقِل في ذلك عن الصحابة، لكن كان بعض أمراء بني مروان يشدِّد في ذلك، ويعاقب على المتعة. وهذا قد يكون رأى ذلك لنوع مصلحةٍ، مع أن هذا لا يُعدُّ خلافًا.
-
وقد أنكر الصحابة الذين علموا معنى كلام عمر مثل ابنه عبد الله وغيره ذلك. على أنه لو نطق أحد بكراهة المتعة لكان مخصومًا بكتاب الله وسنة رسول الله (٣) - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف من قال بوجوبها، فإنه أوجهُ حجةً، وأحسنُ انتزاعًا؛ إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر المسلمين بها، وتغيَّظ على من امتنع منها.
-
وأما الحديثان فشاذّان منكران، مخالفان لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الناطقة بأن هذا الحكم لا يُنْسَخ، حيث قال: «دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» .
قال أبو بكر الأثرم (٤) : «قد يكون من الحافظ الوهمُ أحيانًا، والأحاديث
vol. 5, p. 381إذا تظاهرت وكثرت كانت أثبتَ من الواحد الشاذ، كما قال إياس بن معاوية (١) : إياك والشاذَّ من العلم. وقال إبراهيم بن آدم (٢) : إنك إن حملتَ شاذًّا من العلم حملتَ شرًّا كثيرًا».
قال (٣) : «والشاذ عندنا هو الذي يجيء على (٤) خلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيء لم يجئ أحد بمثله، ولم يخالفه غيره».
-
ولعل معناه: أن يعتمر الرجل قبل الحج، ثم يرجع إلى مصره، ويؤخّر الحج عن ذلك العام، فيكون هذا منهيًّا عنه؛ لكون الحج أوجبَ من العمرة، وقد تكلَّف مشقةَ السفر إلى مكة، ثم رجع بغير حج، والحج واجب على الفور.
-
وأما الآخر ..... (٥) .
-
فصل
وإذا اعتمر قبل أشهر الحج وأفرد الحج من سنته فهو أفضل من التمتع.
vol. 5, p. 382قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم والأثرم (١) : هي في شهر رمضان أفضل، وهي في غير أشهر الحج أفضل.
وقال الأثرم وسعدان بن يزيد (٢) : قيل لأبي عبد الله: تأمر بالمتعة، وتقول: العمرة في غير أشهر الحج أفضل! فقال: إنما سُئلت عن أتمّ العمرة، فالمتعة تُجزِئه من عمرته، فأما أتمُّ العمرة فأن تكون في غير أشهر الحج.
-
فإذا اعتمر في رمضان، أو قبل رمضان، وأقام بمكة حتى يحج من سنته فهو أفضل من المتعة؛ لما تقدم عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم في ذلك.
وإن أقام بعد الحج إلى المحرم حتى يعتمر فهل هو أفضل من التمتع؟ ... (٣) .
-
وإن عاد بعد الحج إلى مصره ثم عاد للعمرة ....
-
وإن اعتمر في أثناء السنة ثم عاد في أشهر الحج، فهل الأفضل أن يتمتع أو يفرد؟ ...
-
ومن حج واعتمر (٤) ، ثم أراد أن يحج فهل الأفضل أن يعتمر ويحج، أو يحج فقط، أو يحج؟ ...
- vol. 5, p. 383
وأما إذا حج ثم اعتمر في ذي الحجة، فالمتعة أفضل من هذا كما تقدم، وظاهر رواية الأثرم وسعدان (١) بن يزيد ....
-
فإن عاد في ذي الحجة أو المحرم إلى الميقات فهل هو أفضل من المتعة؟ ....
-
فصل
ويجوز الإحرام بنُسك معيَّن من عمرة، أو حجة، أو عمرة وحجة، سواء كانت عمرة تمتع، أو عمرة مفردة، ويجوز أن يحرم مطلقًا من غير أن ينوي عمرة أو حجة.
-
ويجوز أن يُحرم بمثل ما أحرم به فلان، وإن لم يعرف ما أحرم به؛ لما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قدم عليٌّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليمن، فقال: بما أهللتَ؟ قال: بما أهلّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لولا أن معي الهديَ لأحللتُ» . متفق عليه (٢) .