مسألة: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفردا، ثم القران)

287 paragraphs · vol. 5, p. 282

Page 6 of 8

  1. وروى الأثرم (٦) عن عمر نحو الحديث الأول، فقال عمر: وهل بقي أحد إلا علمها؟ أما أنا فأفعلها.

    vol. 5, p. 360
  2. وعن نافع بن جبير عن أبيه قال: ما حجّ عمر قطُّ حتى توفّاه الله تعالى إلا تمتَّع (٧) فيها (٨) .

  3. وإنما وجهُ ما فعلوه أن عمر [ق ٢١٢] رأى الناس قد أخذوا بالمتعة، فلم يكونوا يزورون (٩) الكعبة إلا مرة في السنة في أشهر الحج، ويجعلون تلك

    vol. 5, p. 361السفرة للحج والعمرة، فكره أن يبقى البيت مهجورًا عامةَ السنة، وأحبّ أن يعتمر في سائر شهور السنة ليبقى البيت معمورًا مَزْورًا كلَّ وقت بعمرة مفردة (١) يُنْشَأُ لها سفرٌ مفرد، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل، حيث اعتمر قبل الحجة ثلاث عُمَرٍ مفرداتٍ.

  4. وعَلِم أن أتمَّ الحج والعمرة أن ينشِئ لهما سفرًا من الوطن كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرَ لتحصيل هذا الفضل والكمال لرغبته طريقًا إلا أن ينهاهم عن الاعتمار مع الحج وإن كان جائزًا، فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حرامًا.

    قال يوسف بن ماهَك: إنما نهى عمر - رضي الله عنه - عن متعة الحج من أجل أهل البلد؛ ليكون موسمين في عام، فيصيب أهل مكة من منفعتهما.

    وقال عروة بن الزبير: إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادةَ أن لا يُعطَّل البيت في غير أشهر الحج. رواهما سعيد (٢) .

  5. وأيضًا فخاف إذا تمتعوا بالعمرة إلى الحج أن يبقَوا حلالًا حتى يقفوا بعرفة مُحِلِّين، ثم يرجعوا مُحرِمين، كما بيَّن ذلك في حديث أبي موسى وغيره حيث قال: «كرهتُ أن يظلُّوا مُعرِسين بهن في الأراك ــ يعني أراك عرفة ــ ثم يروحون في الحج تَقطُر رؤوسهم» (٣) .

  6. ونحن نذهب إلى ذلك؛ فإن الرجل إذا أنشأ للعمرة سفرًا من مصره كان أفضل من عمرة التمتع.

    vol. 5, p. 362
  7. فعن ابن عمر أن عمر قال: افْصِلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتمُّ لحج أحدكم أن يعتمر في غير أشهر الحج، وأتمُّ لعمرته. رواه مالك (١) (٢) .

  8. وروى عبد الرزاق (٣) عن معمر عن الزهري عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك، فقال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا العمرة من الحج. أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي، وأراد أن يُزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلّها الله عز وجل، وعمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أكثروا عليه قال (٤) : أوَ كتاب الله أحقُّ أن تتبعوا (٥) أم عمر؟

  9. وعن أبي يعفور (٦) قال: كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل يسأله (٧) عن العمرة في أشهر الحج، فقال: هي في غير أشهر الحج أحبُّ إليَّ (٨) .

  10. وعن محمد بن سيرين قال: ما أحد من أهل العلم يشك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج (١) .

    vol. 5, p. 363
  11. وأما الخلاف فيمن أراد أن يجمع بينهما في سفرة واحدة، إما لعجزه عن سفرة أخرى؛ أو لأنه مشغول عن سفرة أخرى بما هو أهمُّ من الحج من جهاد ونحوه، أو لأنه لا يمكنه قصد مكة إلا في أيام الموسم لعدم القوافل، أو خوف الطريق، ونحو ذلك= فإن اعتماره قبل الحج أفضل من أن يعتمر من التنعيم في بقية ذي الحجة؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم فعلوا كذلك، ولم يعتمر أحد منهم (٢) بعد الحجة في تلك السفرة إلا عائشة خاصة، ولم يُقِم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين بعد ليلة الحصبة ولا (٣) يومًا واحدًا، بل قضى حجه ورجع قافلًا إلى المدينة، وكذلك عمر كان ... (٤) وكانوا ينهون عن العمرة بعد الحج في ذلك العام كما ينهون عنها قبله.

    vol. 5, p. 364قال أبو بشر: حججت أنا وصاحب لي، فلما كان ليلة الصدر، قال صاحبي: إني لا أقدر على هذا المكان كلما أردت، أفأعتمر (١) ؟ فلم أدرِ ما أقول له، فانطلقنا إلى نافع بن جبير بن مطعم، فسألناه، فكأنه هابنا، ثم إنه اطمأنَّ بعدُ فقال: أما أمراؤكما فينهون عن ذلك، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أعمر عائشةَ رحمها الله ليلةَ الصدر من التنعيم، ثم أمره أن يخرج من الحرم من سَنَن وجهه الذي بدأ منه، ثم يحرم (٢) .

  12. ومن فعلَ ذلك فعلَه (٣) رخصةً بعد أن يستفتي، مع علمهم أنهم لو اعتمروا قبل الحج كان أفضل. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: والله ما أعمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشةَ - رضي الله عنها - في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينَهم كانوا يقولون: إذا عفا الوَبَرُ، وبرأ الدَّبَرُ، ودخل صفر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يُحرِّمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. رواه أبو داود (٤) .

  13. عن صدقة بن يسار قال: سمعت ابن عمر يقول: عمرة في العشر الأول أحبُّ إليَّ من عمرة في العشرين الأواخر، قال صدقة: فحدثتُ نافعًا، فقال: كان عبد الله يقول: لأن أعتمر عمرة يكون عليَّ فيها هدي أو صيامٌ أحبُّ إليّ من أن أعتمر عمرة ليس عليَّ فيها هدي ولا صيام. رواه سعيد (٥) . ورواه

    vol. 5, p. 365مالك (١) عنه، قال: والله لأن أعتمر قبل الحج وأُهدي أحبُّ إليّ من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة.

  14. وروى أبو عبيد (٢) عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لأن أعتمر في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة، في شهر يجب عليَّ فيه الهدي أحبُّ إليّ من أن أعتمر في شهرٍ [ق ٢١٣] لا يجب عليّ فيه الهدي (٣) .

  15. على أن هذا الرأي الذي قد رآه عمر وعثمان ومن بعدهما قد خالفهم فيه خلق كثير من الصحابة وأنكروا عليهم؛ مثل علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى (٤) الأشعري، وأبي بن كعب. فإما أن يكونوا خافوا من النهي أن يعتقد الناس ذلك مكروهًا، فخالفوهم في ذلك، أو رأوا أن تَرْكَ الناس آخذين برخصة الله تعالى أفضل وأولى.

  16. وقد تقدم بعض ما رُوي في ذلك عن علي وسعد وعمران (٥) وابن عباس.

  17. وعن الحسن أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد أن ينهى عن المتعة،

    vol. 5, p. 366فقال له أبي بن كعب: ليس ذلك (١) لك، قد تمتَّعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينْهَنا (٢) عن ذلك، قال: فأضربَ عمر - رضي الله عنه - عن ذلك (٣) .

  18. وعن عمرو قال: سمعت ابن عباس وأنا قائم على رأسه، وسألوه عن المتعة متعة الحج، فقيل له: إن معاوية ينهى عنها، فقال: انظروا في كتاب الله، فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله، وإن لم تجدوها فقد صدق (٤) .

  19. وعن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن الزبير يُعرِّض بابن عباس فقال: إن هاهنا قومًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يفتون في المتعة أنه لا بأس بها، فقال ابن عباس: إمَّا لَا (٥) فليسألْ (٦) أمه، فسألها، فقالت: صدق ابن عباس قد كان ذلك، فقال ابن عباس: لو شئتُ أن أسمِّي ناسًا من قريش وُلدوا منها (٧)

  20. لفعلتُ (١) . رواهن سعيد.

    vol. 5, p. 367
  21. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: تمتّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون (٢) : نهى أبو بكر وعمر. رواه أبو حفص (٣) .

  22. وأما كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج ولم يعتمر في أشهره، فعنه ثلاثة أجوبة:

    أحدها: أن هذا ليس بصحيح، فإن أكابر الصحابة مثل عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعمران بن حصين، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وأبي طلحة، وأنس بن مالك، وسراقة بن مالك، كل هؤلاء يروون التمتع، إما بأن يكون أحرم بالعمرة فلما قضاها أحرم بالحج، أو أحرم بالعمرة والحج جميعًا.

  23. فإن رواية من قرنَ لا تخالف رواية من روى التمتع، سواء أراد به أنه أهلّ بهما جميعًا، أو جمعهما في سفرة واحدة في أشهر الحج، وهذا لا

    vol. 5, p. 368يُشكّ (١) فيه؛ لأنه قد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتمر مع حجته.

  24. فروى أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمَرٍ كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صدَّه المشركون، وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة حيث قسمَ غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. متفق عليه (٢) .

  25. وعن ابن عمر أيضًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمَرٍ، وأقرته عائشة على ذلك. متفق عليه (٣) .

  26. وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اعتمرتَ ولم أعتمر، قال: «يا عبد الرحمن، اذهب بأختك فأعمِرْها من التنعيم» . رواه البخاري (٤) .

  27. وفي جميع الأحاديث تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «تذهبون بحجة وعمرة، وأذهب أنا بحجة» .

  28. وهذه نصوص في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل أن يحلَّ من حجه، وهو أيضًا دليل على أن جميع الصحابة - رضي الله عنهم - قد اعتمروا مع حجهم قبل ليلة الحصبة، فعُلِم أنهم كانوا إما (٥) متمتعين أو قارنين.

  29. وعن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عُمَر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابلٍ، والثالثة من الجعرانة، والرابعة مع حجته. رواه الخمسة إلا النسائي (١) .

    vol. 5, p. 369
  30. وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجَّ ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة. رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: غريب (٢) .

  31. ومعلوم قطعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر عقيب الحجة هو ولا أحد من أصحابه سوى عائشة، وإنما خرج من مكة ليلة الصدر.

  32. وإنما اعتمد الناس في العمرة بعد الحج على حديث عائشة، وقد تقدم ذلك مفسرًا، فيجب أن يكون اعتمر في أشهر الحج، إما قبل الحج أو معه، ولم يحلَّ من إحرامه، ومثل هذا يسمَّى قارنًا ومتمتعًا بكل حال؛ لأنه جمعهما في إحرام واحد.

  33. وأيضًا فإنه قد رُوي عنه ألفاظ صريحة من قوله؛ مثل قوله: «لبيك عمرة

    vol. 5, p. 370وحجًّا»، وقوله: «إني قرنتُ» (١) ، وقوله: «قال لي (٢) : قل عمرة في حجة»، ومثل ما روت حفصة قالت: قلت: يا رسول الله، ما بال الناس حلُّوا ولم تحِلَّ من عمرتك؟ قال: «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدت هديي، فلا أحلُّ حتى أنحر» . متفق عليه (٣) .

  34. ومن ذكر أنه أفرد الحج فإنما أخبر عن اعتقاده.

  35. وأيضًا فإن رواة التمتع أكثر عددًا (٤) وأجلُّ قدرًا، وروايتهم أصح سندًا وأشهر نقلًا.

  36. وأيضًا فإن كل من روى الإفراد روى عنه أنه تمتَّع من غير عكس، بل طرق الروايات [ق ٢١٤] عن ابن عمر وعائشة بأنه تمتع أصح.

    وأيضًا فإن عامة الروايات التي فيها الإفراد إنما ذكروه مع أصحابه، مثل حديث جابر وابن عباس، وكان قصدهم بذلك ... (٥) .

  37. وأيضًا فمعنى قولهم: أفرد الحج؛ أي أنه لم يحلَّ من إحرامه بعمرة مفردة، ولم يطف للعمرة طوافًا يتميز به، فصورته صورة المفرد.

    vol. 5, p. 371
  38. وإن لم يكن لكلامهم محمل صحيح، فيجب أن يُحكَم بوقوع الخطأ في تلك الروايات؛ لما تقدم.

  39. وأيضًا فإن من روى أنه تمتَّع مُثبِت لزيادة نفاها غيره، والمثبت أولى من النافي.

    وقال أحمد في رواية أبي طالب (١) : كان هذا في أول الأمر بالمدينة.

  40. وقد زعم بعض أصحابنا (٢) أنه يجوز أنه كان قد تحلَّل من عمرته، ثم أحرم بالحج مفردًا، فسمِّي (٣) مفردًا لذلك. قال: وعلى هذا يجمع بين كونه متمتعًا وكونه لم يفسخ الحج، وإنما يمتنع الفسخ ممن كان قارنًا أو مفردًا.