مسألة: (الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه)

94 paragraphs · vol. 5, p. 490

Page 3 of 3

  1. وفرَّقوا بين ذلك وبين الخيمة والسقف بأن ذلك لا يُقصَد به الترفُّه في البدن في العادة، وإنما يقصد به جمعُ الرحال، وفرّق بين ما يقصد به الظل وغيره، كما فرّق بين من يحمل على رأسه شيئًا أو يخمِّره.

    vol. 5, p. 514
  2. وكلام أحمد يدلّ على الفرق؛ قال في رواية حنبل (٤) : لا يستظلُّ على المحمل، ويستظلُّ بالفازة في الأرض والخيمة، وهي (٥) بمنزلة البيت.

  3. وهذا أصح؛ لأن ابن عمر وغيره من الصحابة كانوا يَنْصِبون له الظلَّ المحض في حال النزول، ولأنه لو دخل إلى بيت أو خيمة لمجرّد الاستظلال لجاز.

  4. والفرق بينهما أن هذا الظلّ ليس بتابع للمحرم، ولا ينتقل بانتقاله.

    vol. 5, p. 515
  5. وأيضًا فإنه غير متخَذٍ للدوام، فلا بدَّ معه من الضَّحَى. ويسيرُ الظلِّ في المكان ــ مثل أن يجعل فوقه ما يستر يسيرًا من رأسه ــ مثلُ الزمان.

  6. فأما إذا احتاج للاستظلال من حرٍّ أو بردٍ، فذكر القاضي (١) وابن عقيل أنه يجوز؛ إذا كان هناك عذر من حر أو برد فإنه يجوز، وحملا حديث عثمان وابن عباس على ذلك، وحديث ابن عمر على عدم العذر. ومعنى ذلك عذر يخاف معه من مرض أو أذى، فإنه يبيح التظليل من غير فدية؛ لأن ما كُرِه في الإحرام جاز مع الحاجة، وما أبيح يسيرُه جاز كثيرُه مع الحاجة.

    قال أصحابنا القاضي وابن عقيل وغيرهما: فله أن يستظلَّ بثوب ينصِبُه حِيالَه يَقِيه الحرَّ والبردَ، عن يمينه أو عن شماله، أو أمامه أو وراءه، ما لم يكن مظلَّلًا (٢) فوق رأسه كالهَوْدج والعَمَّارية والكنيسة (٣) .

  7. وظاهر كلام أحمد أن كل ما منع (٤) وصولَ الشمس إلى رأسه فهو تظليل، سواء كان فوق رأسه (٥) ، أو كان من بعض جهاته. وحديث ابن عمر يدُّل عليه.

  8. وحيث كُرِه له التظليل فهل تجب الفدية؟ على روايتين منصوصتين. فإن أوجب الفدية كان محرَّمًا، وإن لم يوجبها كان مكروهًا كراهة تنزيه. وقد قال القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وغيرهما: لا يجوز تظليل المحمل رواية واحدة، وفي الفدية روايتان.

    vol. 5, p. 516
  9. ومعنى ذلك أنه ليس من الجائزات التي يستوي طرفاها، بل هو ضمن الممنوعات (١) ، فأما أن يكون حرامًا لا يوجب الفدية فهذا لا يكون.

  10. إحداهما (٢) : يوجب الفدية. قال في رواية جعفر بن محمد، وبكر بن محمد عن أبيه (٣) : لا يستظلُّ المحرم، فإن استظلَّ يفتدي بصيام أو صدقة أو نسكٍ بما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عُجْرة.

  11. وهذا اختيار القاضي وأصحابه.

  12. والثانية: لا فدية فيه، وإنما هو مكروه فقط. قال في رواية الأثرم (٤) : أكره ذلك، فقيل له: فإن فعل يُهَرِيق دمًا؟ فقال: لا، وأهل المدينة يغلِّظون فيه.

    وقال في رواية الفضل (٥) : الدم عندي كثير.

    وقال عبد الله (٦) : سألت أبي عن المحرم يستظلّ؟ قال: لا يستظلُّ، فإن استظلَّ أرجو أن لا يكون عليه شيء.

    vol. 5, p. 517وقال أيضًا (١) : سألته عن المحرم يظلّل، قال: لا يُعجبني أن يظلّل. قال أبي: يستر قدر ما يرمي الجمرة على حديث أم الحصين.

    وقال (٢) : سألته عن المحرم يستظلّ أحبُّ إليك [ق ٢٤٦] أم تأخذ بقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له» ؟ قال: لا يستظلّ لقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له» .

  13. فقد بيَّن أن الاستظلال مكروه مطلقًا إلا اليسير لحاجة، وأنه لا فدية فيه. ويُشبِه أن تكون هذه الرواية هي المتأخرة؛ لأن روايات ابن الحكم قديمة. قال أبو بكر: وبهذا أقول، وهو أصحّ إن شاء الله؛ لأن ابن عمر الذي رُوِي عنه كراهة ذلك لم يأمر الذي فعله بفدية، وقد رفع الظلّ بيده. ولأنه قد أُبيح نوعه في الجملة، فجاز ما لا يدوم، وجاز منه ما لا يُقصَد به التظلُّل ونحو ذلك.

  14. ومحظورات الإحرام يجب اجتنابها بكل حال كالطيب واللباس، فصار في الواجبات كالدفع من مزدلفة قبل الفجر، لمَّا رُخِّص فيه لبعض الناس من غير ضرورة عُلِم أنه جائز في الجملة، وأن السنة تركُه، بخلاف الدفع من عرفة، فإنه لا يجوز لأحدٍ حتى تغرب الشمس.